
قراءة في تنوير هاشم صالح
أنت في السر غيرك في العلن
علي حسن هذيلي
كثيراً ما يستعرض هاشم صالح سِيَرَ (التنويريين) وحيواتهم، قبل أنْ يدخل في رؤوسهم، ويعرض أفكارهم، ربما لأنه من المؤمنين بأنَّ ما في الرأس لا بد أنْ يظهر على الجوارح. وهو ما أكده الإمام علي (ع) بقوله: “ما أخفى أمرؤ شيئاً، إلا أظهره الله على صفحات وجهه، وفلتات لسانه”. فالظاهر، ولا شيء غيره، هو الذي يوصلنا إلى الباطن والمضمر والمسكوت عنه. وتلك هي فلسفة “جبل الجليد” العائم التي حاول بعض الروائيين تقليدها، حيث يظهرون لك الجزء الأعلى، وعليك أنْ تكتشف الجزء الغاطس في الماء، الذي يمثل تسعة اعشار الجبل. ولعل وليم فولكنر على رأس هؤلاء الذي يجيدون إخفاء الأشياء كلها، حتى ذلك الجزء الظاهر، ومع ذلك فإنَّ القارئ يستطيع الوصول إلى الاعشار العشرة، بسبب براعة “فولكنر” في اظهار العلامات، بعد براعته في اخفائها. ولكن هذه البراعة لم تأتِ من مؤلف ذكي، فحسب، بل من قارئٍ يقظٍ فطنٍ متمرسٍ وصبور، وإلا فهي فلسفة غير مأمونة النتائج، ومن الصعوبة السيطرة عليها، أو الإمساك بها، أو تحقيق مصالحة بين طرفيها، أعني أنْ يتوافق باطن المرء وظاهره، وهو ما أطلق عليه رسول الله (ص): المروءة، وعرّفها بقوله: “المروءة أنْ لا تعمل شيئاً في السر تستحي منه في العلانية”. وتلك شفافية لا يعرفها إلا المؤمنون بضرورة المطابقة بين المرء وذاته، لأنهما شيءٌ واحد لا شيئين.
الدين والاخلاق
طبعا الليبراليون والديمقراطيون، وعلى طريقتهم في الفصل بين الأشياء: الدين والدولة، الدين والحياة، الدين والأخلاق، الدين والعلم، الدين والكون، الدين والدين، على طريقتهم في هذا الفصل هم لا يؤمنون بالعلاقة بين الظاهر والباطن، فيمكن للمرء أنْ يقول شيئاً، ويفعل شيئا آخر، وهو في السر غيره في العلن، وثمة فلسفتان- المكيافيلية والبراغماتية- تمثلان أُس نظامهم التعليمي والسياسي والاجتماعي الاقتصادي والثقافي، تبيحان لهم ذلك الفصل، لا سيما وهما تتحدثان بمنطق نفعي لا يأبه بالوسائل، لأنَّ المهم عنده الغايات، كما يفعل العلمانيون العرب عندما يتحدثون عن الديمقراطية- ولك في عادل ظاهر، وجورج طرابيشي، ونصر حامد أبو زيد مثالا- بوصفها ضرورة للقضاء على الاستبداد السياسي والعشائري، ثم يرفضونها، وحبرهم لمّا يجف بعد، لأنها ستؤدي إلى فوز الأصوليين!.
لنتقدم خطوة أخرى للحديث عن طريقة “هاشم صالح” المميزة، ولنأخذ مفكراً مرموقاً من طراز “جان جاك روسو”، ولنتحدث باختصار عن قضيتين: واحدة تخص قلب روسو، والأخرى عقله، وكلاهما باطن سيظهر في الأقوال، والأفعال، والسلوك:
يمكن القول أنَّ “روسو” كان شخصاً بائساً، وقد امتاز بشخصية بالغة الحساسية والتوتر، فقد عانى من الوسواس القهري منذ صغره، وظل يعاني من هذا القهري حتى أنه كتب عندما تقدم به السن: “أنا مصاب بالجنون”. وعندما بلغ الخمسين من عمره نشر ثلاثة كتب، أشهرها “أيميل” وكان عن تربية الأطفال والقيم العائلية، علما أنَّ “روسو” لم يتزوج عشيقته التي أنجب منها أولاده الخمسة الذين تخلى عنهم لدار الأيتام فور ولادتهم. وكانت حجته الحفاظ على سمعة أمهم. لأنه لم يتزوجها، وقد يكون سبب عدم زواجه منها نرجسيته التي طغت على أفكاره، فقد كانت خادمة في البيوت، ما جعل زواجهما إهانة له. وكتب أنه قام بذلك، لأن تربية الأطفال كانت ستأخذ من وقته الكثير، وتمنعه من القراءة والتأليف. تلى ذلك كتاب “العقد الاجتماعي” (1762)? وفكرته لم تكن جديدة، فقد ظهرت في كتابات الفلاسفة الإغريق، ثم أسهب في التعمق فيها الفيلسوف البريطاني “توماس هوبز”، ولكن روسو كان أول من أعطاها ذلك الاسم. وتقوم على تخلي المواطنين عن بعض حقوقهم لصالح الحاكم مقابل حمايته لحقوقهم. قال روسو: “إنَّ الحاكم في الحقيقة هو الشعب الذي يتكون من مواطنين متساويين، وأنَّ الدين ليس سوى نوع من الطغيان والاستبداد”. وقد أدى ذلك إلى حملة حكومية ضده، أصدرت الحكومة على إثرها أمراً بالقبض عليه، وحرق كتبه، فهرب من فرنسا إلى جنيف. وقد زاد ذلك من عقدة الاضطهاد التي لازمته طوال حياته. وعلى ما يبدو أنه كان يستمتع بعقدة الشعور بالاضطهاد، حتى انه قال: “إن الاضطهاد يرفع روحي”!
كيف سيتعامل “صالح” مع هذه السيرة العطرة؟
بما أنَّ موضوعة “صالح” الرئيسة هي التنوير، فهو سيأخذ من تلك السيرة ما يثبت أنَّ صاحبها تنويري، والتنويري عند صالح هو الليبرالي، أو العلماني، أو الملحد، وإنْ كان مستبداً ومتخلفا. أما تلك الأجزاء التي تثبت أنَّ هذا التنويري ظلامي ومتخلف وأحمق، فهو لا يراها، بل سيعمل على اخفائها بصياغة “سيرة ذهنية” غير تلك الحقيقية، وإن فعل وذكرها، أحيانا، فهو لا يتوقف عندها بالدرس والتحليل والادانة للفكر المتخلف والظلامي، وهذا ما فعله مع الذين ترجم لهم كلهم (ينظر: مدخل إلى التنوير الأوربي، وكذلك معارك التنويريين والاصوليين في أوربا) فمن وجهة نظره إنَّ صراع الشعوب الاوربية ومثقفيها ومفكريها لم يكن مع الملوك المستبدين ولا مع الاقطاع، بل مع الدين فقط، لهذا ينبغي أن توّجه أحداث حياتهم كلها إلى ما يثبت ذلك الصراع، ويؤكده. والحق إنَّ طريقة صالح هذه تكاد أنْ تتكرر مع (التنويريين) كلهم، مع اضفاء هالة بطولية، تجعل من التنويري مُخلِّصاً وسوبرمانا، في تناقض صارخ بين حقيقة ما يدعون إليه، وبين ما يريده صالح منهم.
والحال أنَّ حياة (التنويريين) عبارة عن نوبات من العقل والجنس والهرطقة، حتى إذا ما وصلنا إلى ما بعد الحداثي الخطير “ميشيل فوكو”، فإنَّ الحديث عنه سيأخذ منحى آخر نأنف من الخوض فيه، لأننا نمتلك قيماً أخلاقية، ربما لا يدركها “فوكو” لانعدامها في بيئته الاوربية، وقدر تعلق الأمر بروسو، فإنَّ صالح لم يذكر الجزء المتعلق بعشيقته، وأولاده الخمسة، ودار الإيتام، وذلك الفاصل الكبير بين حديثه (التربوي) عن العائلة والأولاد، وفعله (اللاتربوي) مع العائلة والأولاد، لأن ذلك سيسبب حرجاً كبيراً لصالح، وللتنويريين الذين راهنوا على أكاذيبه في تبييض صفحاتهم. أما الجزء الثاني، فهو الذي سيحظى باهتمام “صالح”، لا سيما الشق المتعلق بالعقد الاجتماعي، واكذوبة الشعوب التي تحكم نفسها بنفسها، مع التركيز على أوامر إلقاء القبض التي صدرت بحق روسو، ليبين عِبْرَها كيف أنَّ الأصوليين يطاردون التنويريين، ويصدرون الأوامر باعتقالهم؟ رغم من أنَّ الحكومة الفرنسية (اللادينية) هي من فعل ذلك، ولا علاقة للأصوليين بالموضوع، وعندما يصل “صالح” إلى هذه النقطة، سواء تعلق الأمر بروسو أم بغيره، فإنه، دائماً، ما يترك المفكر الذي يتحدث عنه، والحكومات المستبدة، ولا يذكرها بخير ولا بشر، ليصب جام غضبه على الأصوليين. ومن ثمة، فإنَّ سِيرَ “صالح” متشابهة كلها، فالبطل أما علماني أو ملحد، وهو دائما مطارد من الغوغاء الدينيين، وتنتهي المطاردات كلها بالثورة الفرنسية عندما تقتص من الدين والمتدينين، وحتى بعد الثورة الفرنسية التي أسست (التنوير)، ونشرته في البلاد الاوربية، فإنَّ البطلَ لا يتغير، بل سيبقى مطارداً، ولكن هذه المرة من الاشباح الاصولية الذين اعدمتهم الثورة الفرنسية!
لنستشهد، هذه المرة، بكلمات “صالح” نفسه، وهو يقدم لنا حياة أحد التنويرين الكبار، قبل أنْ يصل إلى رأسه، يقول صالح: (إنَّ مشاريع “أوغست كونت” العلمية راحت تضطرب، بسبب تقلبات حياته العاطفية، وبما أنه كان قبيحاً جداً، فإنه لم يستطع أنْ يجذب أية امرأة إلا عن طريق المال. في عام 1825 تعرف إلى عاهرة، وتزوجها، كانت المرأة جميلة، وتدعى “كارولين ماسان”، ولم تقطع علاقتها برجلها السابق القوّاد، بل فرضتْ على زوجها أنْ يستقبله في بيته، وهو يعلم أنها تنام معه! فجن جنونه، واضطرب عقله، وكان ذلك عام 1826. وقد حصلت أزمته النفسية في وضح النهار، أمام الناس، عندما كان يلقي دروسه عن الفلسفة الوضعية. وكان بين الحاضرين شخصيات في أكاديمية العلوم، فضلا عن فلاسفة مهمين. وكانت المفاجأة: فقد وقع الأستاذ في وسط القاعة مغمياً عليه، وعندئذ اقتادوه إلى مستشفى للأمراض العقلية في فرنسا. ولما طال المرض، هجمت عليه زوجته في المستشفى، وقادته إلى البيت، من دون أذن الطبيب. وهناك فوجئ بأن أمهُ أحضرت الكاهن من أجل القيام بمراسم الزواج الشرعي على الطريقة المسيحية. وفيما كان يهذي ويشتم الكهنة، ورجال الدين راح يوقع على زواجه الكنسي! كان منظرا سوريالياً مضحكاً مبكياً، ثم انتكس، وعاوده المرض النفسي أكثر من مرة، بل حاول الانتحار عام 1827 عندما ألقى بنفسه من أحد الجسور الباريسية، ولكن صادف سقوطه مرور أحد رجال الشرطة، فانقض عليه وانتشله… بعد ذلك بسنتين، فقط، استعاد قواه العقلية إلى الدرجة الكافية التي تسمح له باستئناف دروسه عن الفلسفة الوضعية في منزله. وهي الفلسفة التي سوف تسيطر على عقلية الغرب والغربيين طوال العصر الصناعي، بل حتى هذه اللحظة. وكان آخر جزء من “الفلسفة الوضعية”، أي الجزء السادس، قد صدر عام 1842. وفي الافتتاحية العامة لهذا الكتاب الضخم يستعرض كونت بشكل مفصل نظرية المراحل الثلاث من تطور البشرية: المرحلة اللاهوتية، والمرحلة الميتافيزيقية، والمرحلة العلمية، وينتج عن ذلك ثلاثة أنواع من الفلسفة، ففي المرحلة اللاهوتية تحاول الروح البشرية أنْ تفسر المسببات الأولى والغايات النهائية، وهي تعتقد أنَّ الظواهر الطبيعية تنتج عن القوى الخارقة للطبيعة… أما المرحلة الميتافيزيقية، فهي مرحلة انتقالية تحل فيها القوى التجريدية محل القوى الخارقة للطبيعة… وأخيرا تنتقل البشرية إلى المرحلة الثالثة: العلمية أو الوضعية، وعندئذ نشهد تطور العلوم والصناعة، ولا تعود الروح البشرية تبحث عن أصل الكون وغايته ومآله، أو من أين جئنا؟ وإلى أين المصير؟ وإنما تحاول أنْ تكتشف عن طريق المحاجة العقلانية، والملاحظة العيانية، والقوانين الفعلية التي تتحكم في الظواهر. والواقع أنَّ الإنسان نفسه يلخص في مساره الشخصي حياة البشرية كلها. يقول كونت مختتماً: “من منا لا يتذكر أنه كان لاهوتيا في طفولته، وميتافيزيقيا في شبابه، ووضعيا في كهولته”. ينظر: معارك التنويريين والاصوليين في أوربا: 309- 312
ولادة الانسان
إذا بدأنا من النهاية، وسأتحدث عن نفسي، وإلى حد ما عن أقراني وجيلي، فأنا لا أتذكر أني كنت لاهوتيا في طفولتي، فالإنسان يولد وهو خالي الذهن من أي فكرة وعلم فعلي، سوى هذا الاستعداد الفطري، أي أنَّ عقله صفحة بيضاء، عبَّرَ عنها الإمام علي (ع) بقوله: “إنَّ قلبَ الحدث كالأرض الخالية، ما ألقي فيها من شيء قبلته”، كما أني لم أكن وضعياً في كهولتي وشيخوختي، أما في شبابي، فقد كنتُ كتلة من النشاط الملتهب في مواجهة الظلم والدكتاتورية التي تمثلت بحزب البعث العربي الاشتراكي والقائد الضرورة، ولا شك أنَّ الذي يقارع الدكتاتورية ليس بالضرورة أن يكون ميتافيزيقاً، بل هو واقعي، مؤمن بأنَّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وبسبب إيمانه هذا هو في صراع دائم مع نفسه، فمرة تنتصر عليه، ومرة ينتصر عليها، ولكن في الحصيلة النهائية هو مؤمن بأنَّ الإنسانَ كائنٌ خطّاء، وأنَّ خيرَ الخطائين التوابون، ومن ثم فإنَّ الخطأ لن يثبط عزيمته، بل ربما سيكون دافعا لإعادة النظر، ومراجعة النفس. عموما فأنا وجيلي مؤمنون بوجهة نظر سارتر: الوجود يسبق الماهية، وتلك قضية تخص الإنسان، وإلا فإنَّ للحيوان والنبات شأناً آخرَ، ومن ثمة فإنَّ الإنسان هو الذي يحقق ذاته وماهيته وحقيقته، باختياره، بعد أنْ تكفل الله تعالى بوجوده، ولهذا فإنَّ البشرَ، إذا كانوا متواطئين في وجودهم، فهم متفاوتون في ماهيتهم ودرجة انسانيتهم.
طبعا من حق القارئ أنْ يعترض ويقول: إنَّ “كونت” لا يقصدك أنت ولا جيلك، لأنه ابن الفضاء الأوربي، ومن ثم فلا بد أنْ نعيده إلى ذلك الفضاء، قبل أنْ نحاكم مقولاته. هذا الاعتراض غاية في الصواب، وهو ما قلناه منذ البداية: إنَّ نظرية “كونت” ليست عامة، بل هي تخص الشعوب الأوربية، ومن ثم، فلا بد أن نموضعها في مكانها، ونجريها على الإنسان الأوربي فقط: طفلاً، وشاباً، وكهلاً. وهنا من حقنا أنْ نسأل: هل سيمر الطفل الأوربي بهذه المراحل الثلاث: الدينية والخيالية والعلمية؟ ومن أين سيأتي بالمرحلتين الأولى والثانية، والمجتمع كله علماني ليبرالي وضعي؟ لا شك أنَّ الطفل يتلقى تربيته وتعليمه من الأسرة أولا، ومن المدرسة والمجتمع ثانيا، ولا أظن أن الأسرة الاوربية لها علاقة بالدين أو بالخيال، كما أن المدرسة، وهي مؤسسة تمثل الدولة وتوجهاتها واجندتها، لا وجود فيها للدين أو الخيال، وإذا كانت معلوماتي خاطئة، فأرجو أنْ يعذرني القارئ الكريم، ويتفضل عليَّ بتصحيحها. وعلى فرض أنّها صحيحة لم يبقَ سوى المرحلة الوضعية. ما يعني أن الطفل الأوربي لا يمر إلا بمرحلة واحدة هي المرحلة الوضعية، اللهم إلا إذا كان “كونت” يقصد بالمرحلة الدينية الفطرة التي فطر الله الناس عليها، فطرة التوحيد، حيث يولد الإنسان موحدا بالقوة، وأبواه هما اللذان يحافظان على تلك الفطرة، أو يمسخانها بالفعل، فهل يتحدث “كونت” عن القوة والفعل؟ إنه احتمال بعيد جدا، ولا يمكن تصوره من مبدع كتاب “الفلسفة الوضعية”.
وبالعودة إلى سيرة حياة “أوغست كونت”، فإننا لن نتحدث بمنطق “فاقدَ الشيء لا يُعطيه”، ولا بمنطق “معلم نفسه ومؤدبها أحق بالإجلال والتعظيم من معلم الناس ومؤدبهم”، بل سنتحدث بمنطق آخر، يأخذ من الناس فكرهم، ويترك لهم حياتهم الخاصة، فثمة حكمٌ عدلٌ سيحاسبهم عليها، فنقول: إنَّ “كونت” في نظريته لا يتحدث عن الشعوب كلها، بل عن الشعوب الأوربية، حصراً، ومن ثم فإنَّ نظريته ليست عامة، كما أنها ليست صحيحة، فقد أخطأ في المرحلتين الأولى والثانية، فالمفروض أنَّ المرحلة الأولى هي الميتافيزيقية، والثانية هي اللاهوتية، والثالثة هي العلمية. ولو قام “كونت” اليوم من قبره، لتحدث لنا عن مرحلة رابعة، عنوانها: ما بعد الحداثة، أو ما بعد العلمية، حيث يعود الناس إلى المرحلتين الأولى والثانية، الخيالية والدينية، بعد أنْ اكتشفوا أنَّ المرحلة الوضعية اختزلت الإنسان والطبيعة إلى قوانين علمية ومعادلات رياضية، فسلبت منه روحه، ونزعت عنه تلك الصورة المثالية الرائعة التي ورثها عن آبائه. ولكن هذه العودة ستكون مشوبة بفكر ما بعد حداثي تفكيكي، لا يؤمن بقيمة الدوال، ولا بقدرتها على القول، ولا بالوجود الفعلي لما تشير إليه من موجودات، بل هو سيحصر نفسه في المنطقة البينية، حيث الأشياء هي وليست هي، حتى إذا ما حُصِرَ صاحبها بين فكيه، ادّعى انها “استراتيجيا” تتوخى هدم الفلسفات، ونقض المركزيات، وتفكيك اليقينيات، ولكن من دون حديث عن البدائل، لأنه لا بدائل عند استراتيجيا لا تؤمن بسوى العدم. ومن ثمة فإنَّ هذه العودة تعكس المأزق العدمي الذي تمر به الشعوب (المتنورة)، لذا فإن الحديث عن مرحلة خامسة سيكون ضرورياً، هنا، عندما تكون أوربا وأمريكا في ذيل القائمة، بعد أنْ يتغلب عليها التنين الصيني أو الدب الروسي، وتلك الأيام نداولها بين الناس.
وبعد، فإنَّ طرق الوصول إلى التنوير لا تتعدد بتعدد السالكين إليه من فلاسفة ومفكرين ومثقفين وصعاليك، بل هو طريق واحد، اتفقوا عليه، وكأنَّه وحيٌ نزل من السماء، فقرروا الالتزام به، وعدم مناقشته، أو الخوض فيه، رغم أنّهم متمسكون جداً بعقولهم التي لا تقبل القسمة على اثنين: إنه العقل لا الغيب. فهم متمسكون بالأول، هاربون من الثاني هروبهم من الأسد- وإن كنْتُ أشكُّ، أنْ يكون ثمة عقلٌ غفلٌ، من دون مرجعيات غيبية أو ميتافيزيقية- لأن الغيب، أو الدين، بالنسبة لهم، مرحلة من مراحل الفكر البشري، كان فكرهم قد تخطّاها، لذا فإن “صالح” يرفض العودة إلى العصر الذي نزل فيه القرآن، كما يفعل السلفيون، ويرفض كذلك استلهام ذلك العصر برؤية عصرية نهضوية، كما فعلت جمهورية إيران الإسلامية، مثلاً، لماذا؟ لأنه عصر ديني نصي، لا وجود للعقل فيه، ولأن الفاصل الزمني بينه وبين “عصر التنوير الأوربي” يكاد يتجاوز القرون العشرة، لذا هو يدعونا إلى “عصر التنوير الأوربي”، بوصفه نهاية التاريخ، وإن كان الفاصل الزمني بيننا وبينه أربعة قرون، وربما خمسة أو ستة، بحسب التحقيب الزمني الذي يختلف فيه الحداثيون أنفسهم.
لذا نحن لا نرى فرقاً بين دعوتنا بالعودة (أربعة عشر) قرنا، وبين دعوة صالح بالعودة (ستة) قرون، فكلاهما دعوة رجعية، إذا ما حصرنا القضية بالزمن فقط، وإنْ كانت دعوة صالح، في حقيقتها، دعوة متخلفة ورجعية وظلامية، لأن التنوير الذي يريد صالح العودة اليه تجاوز العشرين وربما الثلاثين قرناً، كما يصرح هو، حيث استلهم التنويريّون دينهم الطبيعي، وأخلاقهم الطبيعية، وعقلهم الطبيعي، وثقافتهم الطبيعية، من العصر اليوناني، لا سيما تلك الفترة التي بزغ فيها نجم الفلاسفة الوثنيين الذين انزلوا الفلسفة من السماء إلى الأرض، وهذا هو الفرق بين الفلسفتين: الوثنية والدينية، من و
جهة نظر صالح، فالأولى تهتم بالإنسان وتنزل إلى الأرض، والثانية تهتم بالله والملائكة والشياطين وتصعد إلى السماء. ومن ثم، فإنَّ العودة إلى الرؤية الوثنية التي تهتم بالإنسان هي الضامن الوحيد للتنوير.
1936 -2011























