قراءة أولى في رواية القبان لريبال محمد صابر

قراءة أولى في رواية القبان لريبال محمد صابر

إشتغالات سردية مكتنزة بجماليات الصياغة

إبراهيم مصطفى الحمد

توطئة:

غالبا ما تتهم لجان التحكيم في المسابقات الأدبية بالانحياز وعدم الموضوعية في تحديد النصوص الفائزة، وذلك ناتج باعتقادي عن أمرين: الأول هو أن شعوبنا العربية– بما فيها طبقة المثقفين -تؤمن بنظرية المؤامرة، والثاني أن بعض اللجان قد افتضح أمرها وتبين أنها تسير على وفق أيديولوجيات معينة، وتؤثر فيها مسائل سياسية لا علاقة لها بالموضوعية في إنصاف النصوص المتميزة، فأعطى ذلك الحقَّ لِمَن يشكك بقرارات تلك اللجان.

عندما قرأت خبر فوز رواية (القبان) للروائي الشاب ريبال محمد صابر، وهو مازال في بداية شبابه كونه طالبا جامعيا، راودتني أفكار منها أن تأثير والده على اللجنة، وهو شاعر وكاتب وناقد له تأثيره الواضح في الساحة الثقافية والأدبية العربية، كان سببا في فوزه، أو أن والده هو الذي كتب الرواية ونسبها إليه، كون المسابقة لا تستقبل إلا نتاجات الكتّاب الشباب وفي عمر معين لا يسمح بمشاركته، وأعتقد أن الكثيرين غيري تولد لديهم الهاجس نفسه، ومنهم من أخطرني بهاجسه الذي ذكرته.

            أما اليوم، وبعد قراءتي الرواية، ومعرفتي بأن ريبال قد أنجز رواية أخرى، وينوي المشاركة بها في مسابقة عربية جديدة، فضلاً عن الاختلاف الواضح بينهما من حيث طبيعة اللغة وكيفية الأسلوب وفضاء الرؤية فقد تغيرت نظرتي كليا، وأصبحت على يقين أنه يمتلك موهبة كبيرة، وثقافة أدبية تؤهله لأن يتبوأ هذا المكان المضيء بالإبداع والابتكار والتميز الذي يستحقه، بما جادت به يداه من نصوص قائمة على التجريب، وتعمل في المناطق الأكثر بعدا عن التقليد وما يسمى بوقع الحافر على الحافر في أسلوبه المختلف جذريا عن غيره، في صياغة السرد الروائي وبناء معماره الفني الحافل بالمتغيرات الأسلوبية والتقانية واللغوية، وذلك يبشر بولادة روائي من طراز خاص أرى أنه سيشكل رقما صعبا في الثقافة العراقية وربما العربية أيضا إذا ما استمر في نهجه التجريبي المختلف والمتجدد على المستويات كافة.

            تقوم رواية القبان على معمار فني مختلف، يجعل منها عصية على التلخيص، ولا أعتقد أن ذلك عيبا فيها بل هو ميزة مهمة، كون القراءة لا تستطيع أن تقف على جانب دون غيره، أو نسق دون آخر من الأنساق التي تحفل بها الرواية، وكل نسق فيها يشكل عالما خاصا له واقعه الخاص، واشتغالاته الرمزية التي تجعل منه أثرا يزدحم بالعلاماتية المتشظية والخصبة القابلة لتأويلات غير محددة، ولذلك نجد مجموعة من الأنساق الثقافية تسير بخطوط متوازية وتتشكل روافد لتصب في التشكيل العام للرواية، على نحو لا يفرط بالجمالية إزاء البناء العام والمعنى الروائي الذي تحاول الرواية تشكيله.

سيمياء العنونة

يقف العنوان في مقدمة العتبات النصية، حتى عدّه جان ريكاردو الآمر الذي يعطي الأوامر إلى المراتب الذين هم دونه لتنفيذها، فهو مركز الإشعاع وبؤرة المعنى والمنبع الذي تستقي منه روافد الرواية، وهو الشعلة التي لا تنطفي، وهوية الكتاب والمدخل الجاذب إليه، وما يبقى عالقا في الذاكرة بعد الانتهاء من قراءة النص، وبقاؤه في الذاكرة يعني خلوده وخلود النص متصلا به وبمعناه، إذ هو العلامة السيميائية الأبرز التي تحمل سحر النص وبهاءه وتجلياته وإشاراته المواربة والصريحة.

            إن عنوان الرواية(القبان) يشير سيميائيا إلى التوازن والتعادل، وربما رجحان كفة على أخرى، وهذا أقراب إلى ما تقوله الرواية قبل نهايتها على لسان الشخصية الرئيسة “كريم الناصر”:

(أنا لست بحاجة إلى هذه النصائح والحكم والأقوال لأنني أمتلكها،هم بحاجتها لأنهم لا يمتلكونها ولا يدركون معناها العميق الذي يمكن أن ينتشلهم مما هم فيه، هم كفة القبان المرتفعة نحو الأعلى وأنا كفة القبان الهابطة إلى الأسفل، المعنى عندي وعندهم اللامعنى، كان عليهم أن يسمعوني حتى النهاية كي يتم إنقاذهم)(الرواية ص179)

 فالعنوان هنا هو باب الحكمة أيضا، ومركز المنطق والعقل بحسب تصور الشخصية المهووسة بهواجسها المريضة نتيجة الظروف التي مرت بها، وبحسب ما يقدمه مدخل الرواية المعنون بـ(إضاءة تراثية لابدّ منها لتوطين العنوان قبل افتضاح الحكاية في دار الرواية)، وفيها يتسرب المعنى أو بعضه، ونجد ذلك في الكلام الآتي في الجزء الثاني من المدخل المعنون بـ “كلمة ثانية لابدّ منها أيضا”:

(قبان كريم الناصر الدرامي له كفتان مثل أي قبان آخر يسعى إلى تحقيق التوازن المشروع بين الكفتين، طلبا للحق والعدالة، وفلسفته الدرامية تقوم على طرفين متنازعين بينهما صراع كبير يتوزع على أحداثه وشخصياته، الطرف الأول يحمل نزعة التعمير وصولا إلى فكرة الخلود التي تحاول هزيمة الموت، والثانية نزعة التدمير وصولا إلى فكرة الانتحار التي تحاول هزيمة الحياة)(الرواية ص7)

 إذن مفردة القبان التي تشكل منها العنوان قائمة على التوازن ووجود طرفين متنازعين، فهو مبني على ثنائيات ضدية “الموت والحياة، الخير والشر، التعمير والتدمير، الجمال والقبح…إلخ” وهي كلها موجودة في الواقع السردي للرواية.

            وبالمقابل عمل العنوان على مدّ خيوطه السحرية إلى العناوين الفرعية “العجوز المخلص، حائط الشخصيات، المزرعة الناقصة، وهم السعادة، ما قالته الشمس لظلالها قبل المغيب” لتعمل وفق أيديولوجيته واستراتيجيته التي يريد تحقيقها في المتن الروائي على نحو عام، فكل هذه العناوين مبنية على ثنائيات ضدية ظاهرة أو مضمرة، كما يبدو لأية قراءة عميقة للنص الروائي، وهو ما يحقق مقولة ومعنى القبان.

            وهناك التفاتة أخرى يؤديها العنوان، وهو تركيزه على معنى المحاكمة، واتصاله بمعطياتها، فأمام كل قاض هناك قبان رمزي، وكأن الراوي هنا يحاكم الحياة بوصفه قاضيا، يوازن بين الثنائيات التي تكتنف الحياة على نحو عام، فيشير إلى مواطن الخلل ويضع الحكمة التي يحفل بها المتن السردي للرواية بشكل لافت موضع المعالج أو الموجه للحياة والمجتمع.

المونتاج السردي المختلف:

            يعد المونتاج السردي تقانة سينمائية استوردتها الرواية من فن السينما، في وقت مبكر من تاريخ نشوئها، وقد تفنن الروائيون باستخدام هذه التقانة ووجدوا فيها تشكيلا سيميائيا قادرا على إعطاء سمة جديدة للرواية، لتبدو وكأنها تمثل على خشبة المسرح، وتجعل من حركة الشخصيات أكثر مرونة وحيوية، فضلا عما تقدمه من تشويق وتبعث على المتابعة وتنشط فعالية القراءة، لكن ما نجده في رواية “القبان” مختلف عما درج عليه معظم الروائيين، فمونتاج القبان لم يرد على مستوى المقاطع السردية، بل جاء متوزعا على مساحة النص السردي متخللا فقرات المقاطع السردية على غير نظام معروف، مما يشي بكونه جاء اعتباطا، أو عفو الخاطر، وهو ليس كذلك حتما إذا ما عرفنا أن ذلك المونتاج قد أدى وظائفه الفنية والموضوعية على نحو دقيق ومثمر جدا، وأعطى تصورا بأن كل إشارة تخللت فقرة سردية لها دور مهم في الكشف وملء الفراغات وتثوير دلالات جديدة تحفز على مواصلة القراءة .

            وهنا عمل المونتاج السردي على إعطاء تصور مهم للرواية، وهو أن كل شيء فيها جاء متماسكا، ولم نشعر بالخلخلة التي يحدثها المونتاج، أي أننا نمسك بخيوط القص، ولا يأخذنا المونتاج بعيداً عن أجواء الحدث والقصة الرئيسة، بل يضعنا في وسط الأحداث، ويمنحنا عامل التشويق في الوقت نفسه، إذ يسحبنا من فضاء الحدث قليلا كل مرة إلى حدث آخر ثم يعيدنا إلى الحدث الذي نحن فيه مرة أخرى بتلقائية لا تنسينا موقعنا من فضاء السرد الذي نعيشه.

مونتاج سردي

  وقد عمل المونتاج السردي في رواية “القبان” على خدمة الواقعية السحرية التي حفل بها النص الروائي، وخصوصا في الفصلين الأخيرين من الرواية، فتارة نمضي مع الواقع الحلمي الذي يعيشه “كريم الناصر” وتارة يأخذنا المونتاج إلى رحابة الواقع السردي وتجلياته وما أغفله الكاتب من أسرار ليجعلنا نكتشفها في لفتاته المونتاجية التي تظهر فجأة على شكل فقرات سردية تتخلل المقاطع السردية، مما تحقق القراءة وفق ذلك اكتشافاتها وتتحقق المغامرة النصية من خلال لعبة الخفاء والتجلي التي يمارسها المونتاج بمهارة عالية تؤكد حرص الكاتب على التجريب وإنتاج نص مختلف ومغاير يتبع نهجه الخاص ورؤيته وأسلوبه في التشكيل والترميز والمعمار الذي يحقق هوية مختلفة لكاتب مختلف.

تداخل الأنساق وتشاكل الرؤى:

            سارت الرواية وفق أنساق متعددة كما ذكرنا آنفا، وقد سارت هذه الأنساق بخطوط متوازية، لكنها تتداخل أحيانا وفي مواضع محددة من النص الروائي، فهناك النسق المسرحي الذي يشكل معظم فضاء النص، فـ “كريم الناصر” وهو شخصية رئيسة في الرواية، كاتب مسرحي لكنه مأزوم نفسيا لما لاقاه في حياته، فهو الابن غير الشرعي لـ “جواد” الرجل الغني ذي النفوذ الكبير في المملكة، تشنق أمه بأمر من جواد ويقوم هو بشنق أركان الذي شنق أمه بعد أن يتأكد من أنه من شنقها، ويهرب من المزرعة ليعمل نادلا في مطعم، ثم يكتشف “وسام” موهبته ويدعوه للعمل معه في شركة للإنتاج الدرامي، ثم يصبح كاتبا مشهورا، لكنه يبقى محاورا شخصياته ويضع صورهم على حائط في بيته، وتتعقد حالته النفسية إلى أن يصبح قاتلا ويقتل صديقه وسائقه “حميد” إذ يشنقه بحزامه في السيارة، ثم يدخل في شبه غيبوبة تجعله لا يفرق بين الوهم والحقيقة وتتداخل لديه الأوهام والحقائق، ومن جانب آخر تتعلق “أحلام” بحب “كريم الناصر”، وهي لا تعلم أن أباه غير الشرعي هو من قتل أباها الصحفي “مازن العزو” بمسدسه، وفي المقابل إن “أحمد” يحب “أحلام” ولا يجرؤ على البوح بحبه لها لعلمه بأنها تحب كريم الذي لا يعير حبها أي اهتمام، فكل شيء يقابله شيء آخر مضاد له، ومعظم الحوارات التي تمارسها هذه الشخصيات تدور حول أحداث المسرحيات التي يكتبها كريم الناصر، فضلا على شخصية الناقد “سرحان النمر” الذي يطلق مصطلح البعد الخامس على مسرحيات كريم.

            وهناك النسق السياسي الذي يشكله موقف “جواد” المتنفذ الذي يبني مملكة داخل المملكة ويحاول أن يقوم بانقلاب ليتسلم السلطة فيها بعد أن يقضي على الملك، ولكنه ينتهي نهاية مأساوية تحقق عدالة السماء، بما اقترف في حياته من جرائم بدم بارد، إذ تحترق مزرعته الكبيرة وتُشاهد سحب النيران من مسافات بعيدة يموت هو داخل مزرعته وتنتهي أسطورته الكبيرة بانتهاء كل شيء يخصه في أيام قليلة، وتتداخل مع هذا النسق انساق أخرى مثل الثأر الذي كان يبحث عنه أركان من جواد و “حيدر” سائق مازن ابي أحلام وصديقه من جواد أيضا، وثأر “كريم الناصر من الحياة نفسها بتحريض الناس على الانتحار وخاصية التدمير التي يؤمن بها، وتتجلى في عدميته وكرهه للحياة واعتزاله الناس، وانطوائيته، التي انعكست على كتاباته المسرحية بشكل لافت، وثأره أيضا من قاتل أمه ” أركان” الذي تحقق على يديه فعلا.

            وهناك النسق الثقافي الذي يتجلى في معظم صفحات الرواية بالاستشهاد المتكرر بمقولات الكتاب والفنانين والعظماء والقادة فيتشكل النص من فسيفساء ملونة، تتشاكل فيها الرؤى وتتداخل فيها الحواس، وتستحضر المعرفة “الابستمولوجيا” بمرجعياتها الثقافية والمعرفية على نحو لافت تجعل من القراءة سياحة في التاريخ والفنون والجغرافيا، محققة مقولة ” الرواية مستودع الفنون” أو هي بقعة إسفنجية بتوصيف “فورستر”.

            إن رواية القبان بصفحاتها الـ(192) تعد من الروايات المهمة التي تستحق قراءات متعددة وعناية نقدية، لما فيها من اشتغالات سردية فذة، تجعل منها تحفة فنية رائعة، وثروة معرفية مكتنزة بجماليات الصياغة واللغة السردية الحافلة بشعرية خصبة حققها المونتاج المغاير، وليس البناء اللغوي، فلغة الرواية لا ينبغي لها الانزياح الذي تحققه لغة الشعر، فشعرية الرواية تقوم على مونتاجها والتلاعب بالزمن وتشكلات الأمكنة والأحداث وحركة الشخصيات في الفضاء السردي لها، وكل هذا محقق في رواية القبان.