(أنهار) رواية علي ضياء الدين – احمد عبد المجيد

(أنهار) رواية علي ضياء الدين – احمد عبد المجيد

شيء ثمين ينكسر في القلوب

أمضيت الاسابيع الثلاثة الأخيرة، خلال وقت المطالعة التقليدي، في قراءة رواية (انهار) للروائي علي ضياء الدين. فقد أسرتني وقائعها، حتى تماهيت مع بطلها، فوجدت نفسي اكابد آلامه ومعاناته، قرأتها كلمة كلمة، سطراً سطراً، صفحة صفحة، فصلاً فصلاً. ولا شك في ان قلة من الروايات تملك مقومات الدراما السينمائية فتستحوذ على القارئ، ولكني أعد (انهار) منها. فهي رواية استثنائية وسط كم هائل من الانتاج السردي، متعدد الموضوعات والأبطال والمآلات. لكنها تصطف مع القلة النادرة التي تبوح بأسرار شخصية لا تحسها من نسج خيال الروائي او من عندياته. وقد حسبت، بالفعل انها تنطوي على حقائق موضوعية ومعرفية ترتبط عادة، باليوميات، ومن النادر ان تكون للصدفة فيها مكان لمطابقة تقنيات السرد التقليدية مع نظيرتها في المذكرات الشخصية.

ولعلني فوجئت بهذا النمط من التحول البارز في نتاج ضياء الدين، الذي سبق ان قرأت له، قبل بضع سنوات رواية (خرائب الكريستال)، لكنها مرت علي مروراً عابراً، فوجدت في احداثها نمطاً مملاً او معتاداً، فانجزت قراءتها مضطراً. فأنا أعرف كاتبها معرفة عميقة، منذ عقود ابان كان احد أبرز مثقفي مدينة كربلاء، ويتملك حضوراً في المشهد الصحفي والقصصي، قاده في ما بعد الى عالم السينما، الذي ترجم ضياء الدين له كتاب (السينما..العملية الابداعية) لجون هوارد لوسون. وقد صدر عن منشورات وزارة الثقافة والاعلام العراقية اواخر عقد السبعينات.

تدور أحداث (انهار) حول مواطن من مدينة تغفو على تخوم الصحراء، اظنها كربلاء، مضرب عن الزواج برغم مؤهلاته الشخصية، فهو خريج قسم الفيزياء وكاتب و موظف في (دائرة الضرائب). وقد درج، ثقافياً واجتماعياً، على عدد من الثوابت التي حملها في صندوق نفسه وعقله، حاطاً رحاله ، بعد تقاعده المبكر، في الشام، التي سرعان ما تعرف على حاراتها ومقاهيها و طبيعة أهلها الطيبة والمتسامحة. وفي ضوء سلسلة من الحوادث التي يراها الروائي مصادفات عجيبة، اخذت بيده، من القناعات النمطية المتحجرة الى فضاء الاختلاف الثقافي و الفكري المنير والمنفتح.

مذكرات شخصية

وبرغم الايحاء الذي تنطوي عليه الرواية، كونها مذكرات شخصية صيغت بقالب من التوريات والخداع السردي ، فان نمط تصاعد الوقائع وتحولها من الاغلاق الى الواقع يرسم ملامح انسان يسجل يومياته ليتقمصها فيما بعد، تحضيراً لعمل ادبي أو مؤلفاتي. ولهذا لم اتمالك نفسي عن الاعتقاد بان ضياء الدين ، الذي اعرفه، متحفظاً لايميل الى اعلان قناعته الى الملأ ، ربما لاسباب سياسية او اجتماعية ضاغطة، هو ذاته (نديم)، الشخصــــية المحورية التي كانـــت تتحدث بضمير الحـــــاضر . وصادف ان ضياء الدين هاتفني بشأن مقال نشر له في (الزمان) ،فتركت ما اتصل من أجله وبادرته ، على الفور بالسؤال ، هل انت نديم؟، فضحك، مؤكداً ان نصف وقائع الرواية واقعية ونصفها من نسج الخيال . لكني لم اناقشه واكتفيت بقناعتي ان ضياء الدين اخفى الحقيقة عني، بحكم التحفظ على بعض ما يراه اسراراً وردت في ثنايا الرواية. وهي اسرار طبيعية جداً، تواجه كل شخص يهاجر الى بلد أخر ويعيش مستقلاً، ويتعرف على نساء بعضهن متحررات وبعضهن منشغلات في طقوس السياسية أو الهموم الاجتماعية او القضايا القومية . وهذه الأخيرة غالباً ما يدفع المواطنون ضريبتها من احوالهم المعاشية ومصادر رزقهم ومن الحقوق البسيطة التي لا غنى لشعب عن الحصول عليها.وينقلنا الروائي في فصول (انهار) الى عوالم متدرجة، بين الفاقة والفقر او الغنى، وبين الجوع والشبع او التخمة ، وبين السماء والارض و اللاهوت أو الصوفية وبين الوجودية أو اللا ايمان. لكن هذه الانشغالات لا تمثل لديه قضايا كبرى تستحق الاهتمام، إلا بعد ان تعرف الى (انهار) الفتاة الدمشقية عازفة آلة القانون والمعنية بالموسيقى الروحية ، والى (غصون) الغانية التي صادف ان التقاها في مقهى (الركن الهادئ) وسط دمشق ، وتتوزع بينهما شخصيات ثقافية وفنية، لازمته في محنتة الأخيرة التي يختتم بها الرواية على وفق المعالجات التراجيدية، لكنها تتسم بالاقناع والمنطق ، ما يجعلها معبرة عن هم عام وآلام مجتمعية كبرى.

لقد أحالني ضياء الدين في (انهار) الى رواية قراءتها، بشغف للبناني جبور الدويهي بعنوان (شريد المنازل) ، تدور احداثها في بيروت وضواحيها، عشية اشتعال الحرب الأهلية . ومع فارق بسيط بين العاصمتين، فان القضية الفلسطينية ظلت قاسماً بين الروايتين، والابطال يرتبطون بالفصائل التي تكافح ضد اقتلاع شعب من أرضه. كما ان الدويهي التقط شخصية عراقية متطوعة، مقيمة في بيروت، لتبيان التلاقي بين سلوكيات وافكار جنسيات عربية وأجنبية عاشت تحت سقف مشترك وهم واحد تقريباً، واكتوت بنيران الأوضاع العربية السائدة. ولأن الراحل الدويهي رشح لجائزة البوكر العربية ، عن جدارة واستحقاق ، فاني اجزم ان ضياء الدين في روايته مؤهل لمثل هذا الترشيح ، لكن المشكلة تكمن في قدرات دور النشر وحدود تواصلها مع لجان الجائزة .ومثل هذه الدور تعتمد، هذه الأيام، شبكة واسعة من الصحفيين والنقاد، يروجون لاصداراتها أو يدفعون بها الى الصفوف الاولى في المسابقات، وهي عملية تسويق دعائي ثقافي مشروعة، وان كانت تختلط بالربحية وصناعة الكتاب.

 و(انهار) صادرة عن دار نشر سورية مغمورة (تموز ديموزي للطباعة والنشر والتوزيع). في وقت غالباً ما تصدر الروايات التي تدخل السباق او المنافسة عن دور نشر معروفة أو مشهورة، ان الدويهي يتحدث في (شريد المنال) عن شرارة صاعق البارود الذي فجر الحرب الأهلية اللبنانية وتداعياتها، فيما يستخلص ضياء الدين، المعاناة والفواجع في زيارته ومعايشته احوال سكان المخيمات في لبنان، حيث تصعق عقله اسئلة ثائرة، ثم يصاب بجروح غائرة خلال مشاركته، مراقباً، احدى العمليات الفدائية. وبهذه المناسبة فاني ادعو النقاد الى التعريف برواية (انهار) وتوسيع نطاق تجربة ضياء الدين، بالقاء مزيد من الاضواء على هذا الجهد السردي الكبير، الذي لا يكشف ابعاد الشخصية العراقية وخصوصية رؤاها ازاء الكون والحياة، حسب ، بل يقدم تجربة انسانية ناجمة عن نتاج تلاقي ثقافات ورؤى واهتمامات ، وان كان جوهرها عربياً بامتياز ، لكنه سرعان ما ينتهي الى معتركه الانساني البارز، المفعم بالرحمة والكرامة والتسامح ومحبة الاخر.

وهكذا فان عالم الرواية واسع برغم ما يبدو انه يخص الراوي ذاته، لانها تتناول عالماً كاملاً او متكاملاً، يتمثل بمحنة هجرة العراقيين الى خارج بلدهم، سواء بسبب ظروف الحرب او النزاع السياسي أو المسوغ الشخصي الصرف.

ثمة سبب أخر يدعوني الى الاشادة بالرواية، هو انها تتواصل مع عالمين أو مناخين قد يبدوان متعارضين او متناقضين بحكم الاختلاف السياسي وتراكم ازماته .

الأول يتمثل بالنشأة وذكريات الماضي و الشباب وأصداء معالمه الراسخة في الروح . والثاني بلد المهجر، وهو في الرواية سوريا حيث، كان الحب والامان والعلاقات الطيبة الكريمة والاستقرار والجمال.

استخدام تقنيات

لقد استخدم الروائي في (انهار) تقنيات عدة، منها توظيف الوقائع ليختلط من خلالها الحلم بالواقع، بل الخيال بالواقع ، عبر لغة يومية موحية، هي لغة المؤلف الصحفي ، حيث بدأ ضياء الدين حياته في هذه المهنة ، بعيداً عن لغة المترجم، التي زاولها ابان تعيينه مديراً للابحاث في دائرة السينما والمسرح، والحقوقي حيث تخرج من كلية القانون في جامعة أهل البيت في كربلاء في سني حياته المتأخرة، قبــــــل بضــــع سنوات.

ومع ايماني بأن اللغة الصحفية هي اداة الرأي العام، وهي أنسب وعاء للافكار بالنسبة للصحفي الذي يعرض معالجاته الى جمهور القراء الواسع، فاني وجدت في (انهار) لغة تتبوأ موقعاً مرتفعاً، املته طبيعة موضوع الرواية والوقائع التي رآها في دمشق وحلب وامام مرقد (ابن عربي) في اعالي جبل قاسيون، وهي اماكن اسهمت في تحول روحي حاد لبطل الرواية، جعلته يغادر الطبيعة القاسية التي يتسم بها سلوكه و تسببت في متاعب وأهوال حرمته من أجمل صور العيش، متزوجاً من المرأة التي عشقها و ذاب في شعرها الأسود الفوضوي. وكان ضياء الدين محرراً جيداً لهذه  المحطات. تقول الروائية التركية أليف شفق في روايتها (الفتى الميتم والمعلم ) ان (المحررالجيد نعمة حقيقية للروائي).

 والى ذلك رسم  ضياء الدين لنا في نهاية الرواية او عند تخومها، معلقة وجدانية تصلح ان يضعها العشاق المكسورة قلوبهم والمهزومون المترددون في حومة الصراع بين الذات و الآخر، شاهدة على انقاض تجــاربهم.

ولأهمية قدرة لغة ضياء الدين على النفاذ الى الوجدان، اقتطع نصاً من سطورها أملأ ألا اخذل القراء أو أبدو مبالغاً في انطباعاتي ازاء مجمل ما عرضته بشأن الرواية:

 (يا أنهار ، يا أيتها الجميلة، الراقية، المتألقة، المغمورة بالضوء و بالموسيقى ، يا ذات الشامة الصغيرة أسفل شفتك السفلى، يا ذات الشعر الأسود الطويل المنسرح بفوضاه المغرية، يا ذات الأصابع البيضاء الماهرة بإستخدام النغم، كيف لي أن أنساك لحظة واحدة؟ أنت لست شيئاً عابراً يمر في مشهد الحياة ثم يطويه النسيان. أنت مبعوثة السماء لمهمة على الأرض: تحويل كل شيء إلى موسيقى.

ولقد اديت هذه المهمة على أفضل وجه. كلما تذكرتك يا أنهار أحس بصوت شيء ثمين جدأ ينكسر في قلبي). وهذا المقطع ليس بكاء حاراً.

 بل هو اكتشاف ودعوة الى استثمار الفرص وتنجنب اهدارها، تحت أي ضغوط أو مسببات.