الشاعرة الكردية فينوس فائق لـ (الزمان): لطالما كانت مشاعرنا عصية عن البوح وكنّا ضحايا القسوة –  عامر كامل السامرائي

فينوس فائق
عامر كامل السامرائي

الشاعرة الكردية فينوس فائق لـ (الزمان):

لطالما كانت مشاعرنا عصية عن البوح وكنّا ضحايا القسوة

اجرى الحوار :عامر كامل السامرائي

تتحدث الشاعرة الكردية فينوس فائق التي تكتب غالبا باللغة العربية، عن متعة التجربة في الكتابة بلغتين ، وتمر على أبواب في الحياة تقف امامها مندهشة قد تفتح بابا او تتسلق جدارا ، لكنها في النهاية ترنو الى« اعماقها مع كل نظرة توحي لها بلحظة شعرية، لا بديل لها . الشاعرة التي اختمرت تجربتها عبر اكثر من عقدين في الغربة عن وطنها، تتنازعها الآلام والهواجس والامنيات في كل قصيدة، تحاول الإمساك بها ، وقد تكون مدفونة في الوطن البعيد القريب او تحلق في سماوات كل الأوطان. وهذا الحوار في ضوء صدور ديوانها الجديد، ابعاد اللامسافة .

{ اللغة هي مفتاح الانتماء القومي. وانت كردية وتكتبين باللغة العربية كذلك ببلاغة، فبأي لغة يأتيك وحي الشعر؟

– اللغة، خصوصا اللغة الشعرية في تقديري لا علاقة لها بالانتماء القومي. فأنت عندما يأتيك الإلهام تكون قد تحولت إلى كائن آخر، وكائن خارج مدارات القومية والإثنية و الإنتماءات و الألوان، تنتمي فقط للغة الشعر، تتحول إلى كائن شعري، منغمس في ذاتك داخل لحظة شعريية بهية، كائن يفكر بشكل آخر ويعبر بطريقة أخرى لا يمكن التكهن بما تتنجه في لحظة التجلي. هكذا أنا عندما يكون الكلام عن الشعر.

كوني أتقن اللغة العربية إلى جانب لغتي الأم/الكردية، فهذه أكيد نعمة، وتوفر لي مساحتين للتعبير وإمكانية التعبير وتسجيل أحاسيسي بلغتين. الوحي يأتيني بلغة الشعر، أما تحويل الإلهام إلى لغة شعرية مكتوبة فيعتمد على الصورة الشعرية التي تقال في لغة ويصعب التعبير عنها في لغة أخرى. اذن بالنهاية الصورة الشعرية هي التي تتحدد الأدوات والتقنية الشعرية وتحتم علي استخدام اللغة العربية او الكردية.

{ في مجموعتك الأخيرة الموسومة أبعاد اللامسافة تكتبين عن الوطن بلوعة، فأي وطن تقصدين؟

– أقصد الوطن بكل تفاصيله الذي في خاطري منذ الطفولة، الذي يتمثل بالأرض والناس، الماضي بكل جماله و قبحه، البقعة الجغرافية التي ولدت عليها و سميتها الوطن، صورة الوطن الأبهى الذي في أعماقي و الذي تمنيت لو كان هو وطني، الوطن الذي هو عبارة عن نظام الحكم و مؤسسات الحكومة المسؤولة عن الإنسان و توفير الحياة التي يستحقها. فعندما تعجز سلطة عن أن تقدر الإنسان ككائن مقدس يختزل كل معاني المواطنة الشريفة و الآمنة، يكون مفهوم الوطن في مأزق و يجب علينا أن نقف إزاءه، و نلجأ إلى إبتكار صورة أخرى للوطن، إما ببشاعته فنتنكر له، أو أجمل مما هو في الواقع فنتغنى به. و الشاعر يتأثر بكل صغيرة و كبيرة، و يعبر عن كل ما يحدث حوله بالشعر. فمفهوم الوطن بالنسبة لي  في السنوات الأخيرة أصبح موازيا لمفهوم الله في البعض من دلالاته، من حيث أنه فكرة تقيم في أعماقنا، تختلف عن ما علمونا أو فرضت علينا.

{ الشاعر وجدان أمته، غير أن الوجدان حالة نفسية تؤثر على العاطفة أكثر مما تؤثر على الفكر. هل هذا ينطبق على فينوس كشاعرة متعددة الانتماء؟

الشعر بالنسبة للشاعر مرآة ذاته و إنفعالاته و أحاسيسه، ثم مرآة و وجدان أمته، لأن الشاعر لا ينفصل عن ما حوله من تجارب إنسانية تحدث حوله. و الجانب الأكبر من الشعر هو ثمرة العواطف و الأحاسيس. الإنتماءات المتعددة في النهاية تصب في مفهوم الإنسانية و تحقيقها من خلال ما نفعله و نعبر عنه. و أنا من خلال “إنتماءاتي المتعددة” أسعى لإبتكار لغة تليق بالإنسان الذي هو خليفة الله على الأرض. بالنهاية هذا هو الفكر الذي يتأثر بالإنفعالات و الحالة العاطفية.

{ هل تختلف مشاعرك أثناء الكتابة بلغتك الأم (الكوردية)، عنها عندما تكتبين بلغة أخرى، بالعربية مثلاً؟

– كما قلت اللغة الشعرية لغة بحد ذاتها، ولغة التعبير إنما وسيلة لتسجيل أحاسيسنا، وبالنهاية الشعر هو متنفس، ولطالما أؤكد على أن مشاعري إنسانية بحتة فإنها لا تتغير بتغيير لغة الكتابة والتعبير. المشاعر هي هي نفسها، إنما نحتاج بالنهاية للغة للتعبير.

{ هل كل الشعر هو عبارة عن تفاعل شعوري مع تجربة حدثت في مكان وزمان ما، كالحب، والحزن، والخيانة، والذكريات؟

– أكيد، مع كل تجربة ذاتية أو غير ذاتية يتفاعل الشاعر فيكون النص، وهذا لا يعني أن الشاعر في كل الأوقات يكون جاهزا أو مستعدا لأن يكتب نصا شعريا عندما يتأثر بحدث ما. لأن المشاعر تكون أحيانا عصية على التعبير. بمعنى أن الشاعر يكتب عندما يكون منفعلا أو متأثرا بصدق ما يعيشه أو ما يحدث في محيطه.

{ لم أقرأ فرحنا في قصائدك التي إطلعت عليها، إنها تتكلم عن ضعف المرأة، وتسلط الرجل، عن الحزن والشقاء، والعتاب بمهارة عجيبة. فهل الحداثة تستوجب رصد كل هذه الأوجاع البشرية؟

– هي ليست الحداثة التي تستوجب رصد أوجاع البشر بقدر ما هي اللحظة الشعرية التي تصل إلى ذروتها إزاء وجع يصيبنا أو يصيب من حولنا. وإذا تنظر إلى العالم من حولك تجده يزداد قساوة يوم بعد يوم. برغم كل تلك التطورات والوسائل التي من المفروض إخترعها البشر لأجل سعادة البشر، غير أنه وبنفس الوتيرة تتصاعد نسبة الجرائم ويبتكرون أحدث الطرق و التقنيات و الأسلحة لقتل البشر، حتى صارت الأرض أكثر الأماكن المرعبة للعيش عليها. هذا ليس تشاؤما بقدر ما هو رؤية واقعية لما يحدث الآن في العالم. أنا لا أصور المرأة على أنها مقهورة وضعيفة، إنما هذا هو الواقع القاسي الذي تعيشه المرأة. أنا لا أبتكر صورة موجعة للبشرية، إنما هو واقع يتسبب في آلام البشر.

{ هل لمشاكسة السياسة والدين في القصيدة تأثير على شهرة الشاعر إعلامياً؟

– سابقا كنا نقول أن من يكتب بإفراط عن الجنس و الدين و السياسة إنما يبحث عن الشهرة. ومَن يكتب بهدف الشهرة ليس بشاعر، فالشعر الذي يحمل رسالة يجب أن يكون شعرا غنيا بفكر يحمله الشاعر. الرقص مثلا لا يحتاج موقفا فكريا، إنما الشعر الحقيقي يقوم على فكر ومبادئ تحمل الشاعر مسؤولية أكبر من مجرد الشهرة. بالمقابل و للأسف هناك وسائل إعلام هي غالبا حزبية تصنع الشاعر النجم، فمن تقرب من الحزب الفلاني وأعلن انتماءه هو انخرط في الأجواء الحزبية والسياسية و إن كان بشكل غير مباشر فله النصيب الأكبر من النجومية من خلال الإعلام الذي بات اليوم يلعب دورا كبيرا في صنع شهرة لشخص من لا شيء. عن نفسي أبعد ما أكون من مجرد مشاكسة الدين والسياسة، بقدر قربي من أوجاع الناس.

{ هل عزوف النقاد وقلّتهم وراء ندرة الشعر الحقيقي؟ أم هناك أسباب أخرى إجتماعية مثل التخلف الثقافي والأمية؟

– بالتأكيد غياب النقد الرصين وقلة النقاد ممن بإمكانهم إعادة الإعتبار للشعر عبر بحوث ودراسات نقدية بناءة هو ما ساعد على توفر هذه الأجواء المربكة التي إختلطت فيها المفاهيم الأدبية الحقيقية التي تربينا عليها، وبات كل من كتب نصا ونشره في صفحته في الفيسبوك يسمي نفسه شاعر. وبهذا الخصوص أقول دائما أن الشعر بخير، إنما غياب النقد وانعدام الاعرف والقيم الأدبية الحقيقية هي التي تضع الشعر في مأزق وتعلن موته.

{ قرأت لأحد النقاد قولاً، يذكر فيه أن ما يكتبه الأديب يمثل تاريخه النفسي. في الكثير من قصائدكِ نجد الماضي حاضراً بذكرياته، فهل هي حالة من الياس من الحاضر ومن المستقبل، أم هي استحضار وتخليد؟

– الشاعر لا يكتب تأريخه الشخصي، وإلا كانت سيرة ذاتية. أنما هو الحنين إلى كل ما مضى وترك لدينا أثرا سعيدا أو حزينا، ومقارنة ما حدث وما يحدث. ربما هو استحضار، وتخليد أحيانا، وأحيانا استحضار، وانتقاد. بالنهاية الشاعر موجود في قصائده إما من خلاله تفاصيل وإن كانت صغيرة من تأريخه الشخصي أو من خلال فكره ومعتقداته الشخصية.

{ هل للتفاؤل نصيب في قصائدك؟ ففي قصائدك يتلمس القارئ اليأس والحزن، وفي أحيان كثيرة القنوط.

“يوماً

 سأكتب عن هذا الغرق/ وتأريخ هذا البلد/ وحكاية كل هذا الزيف

سامزق كل الكتب/ وأخرج عارية من الحكمة، / من الثقافة/ من البصيرة”

إلى أن تنتهي   بالقول:

“ومن نفسي التي لا تعجبني تفاصيلها”

نعم للتفاؤل نصيب لا بأس به في قصائدي، فبمرور الوقت تنضج التجربة الأدبية، حين يصطدم الشاعر بمفاهيم وأشياء لم يفهمها في مراحله البدائية. إن كان الحديث عن مجموعتي الأخيرة أو تجربتي الشعرية في السنوات العشر أو أكثر الأخيرة، فهي كما أشرت سابقا يعود السبب في الكثير من القنوط واليأس والحزن إلى تغيير وتيرة الحياة بشكل عام نحو السيء والأسوأ، وأنا لم أعزل نفسي عن باقي البشر على هذه الأرض، أكتب تحت تأثير تجربة ذاتية أو تجارب أخرى في محيطي أو على مستوى العالم. كمثال: عامي 2020 و2021 كانا وما يزالان أسوأ تجربة إنسانية منذ عقود خلت. فلو تراجع نصوص الشعراء تجد كما كبيرا من التشاؤم والحزن واليأس لما آلم بالبشر من بؤس وحزن بسبب جائحة كورونا، عليه تجد التجربة الشعرية تنتقل من مرحلة إلى أخرى وتتغير معالمها. أحاول أن أكون متفائلة، وأفشل كثيرا.

{ ترجمتُ قصيدة للشاعرة الصومالية وارسان شيري بعنوان “المنزل” تقول في مقدمتها:

 (تقول الأم أن هناك غرفاً مغلقة داخل كل امرأة؛

مطبخ للشهوة، وغرفة نوم للحزن، وحمام للامبالاة.

يأتي الرجال أحياناً يحملون مفاتيح،

وأحياناً يأتون ومعهم مطارق.)

(لم أجد رجلاً مسالماً قط)

مثل هذه التشخيصات وجدتها في قصيدتك الموسومة “في الطابق العلوي”.. عن أي النساء تتكلمين؟

– أتحدث عن واقع إنساني مؤلم، حتى وإن كانت حالة واحدة يكفي إن رأيناها بأعيننا أن نتأثر بها. وأنا كتبت هذه القصيدة تحت تأثير منظر إمرأة حامل – تقيم في الطابق العلوي فوق شقة والدتي في ألمانيا- كان الرجل ضربها بشكل عنيف، كنا نسمع صراخ المرأة الجنوني وزعيق الرجل المرعب، ظل يضربها حتى سالت الدماء من وجهها ورأسها. رأيتهم عندما حضرت الشرطة، إذ كنت أنظر إلى المشهد من البلكون عندما سحبوا الرجل إلى سيارة الشرطة وكانت ملابسه ملطخة بدماء المرأة. ونقلوا المرأة بسيارة إسعاف إلى المستشفى. إزاء مثل هذه الحادثة أفكر، ترى كم إمرأة تعيش في مثل هذه المعانات في هذه اللحظة؟ ضرب إمرأة من قبل رجل لا يقل بشاعة عن المجاعة التي تموت بسبب الملايين، أو هذا الفايروس الذي يحصد يوميا ألاف الأرواح في العالم. يجب أن تكون هناك وقفة إزاء مثل هذه الحالات. أنا أتكلم عن الرجل الإنسان كيف يتحول إلى وحش والمرأة الإنسانة التي تتحول في لحظة إلى فريسة قد تدفع حياتها مقابل جزئية بسيطة من حقوقها كإنسانة. المرأة الضعيفة التي صنع المجتمع ضعفها وزرع فيها كل الخوف والرعب وعدم القدرة على مواجهة قساوة الحياة بعيدا عن الرجل.

{ تحتاج الترجمة لقراءات كثيرة، ناهيك عن اختيار الأجمل والأفضل، كيف تجدين وقتاً للمطالعة والكتابة والترجمة، وأن تكوني ربة منزل أيضاً؟

– جميل أن تكون حياتنا مزدحمة، نقتنص الفرص، نباغت الوقت عندما يلامس نص إحساسنا، نراوغ بين إنشغالاتنا. تخيل لو أننا نكرر نفس الفعل خلال اليوم، كأن نقرأ فقط، أو نكتب فقط، أو نركز فقط على الترجمة. أستمتع كثيرا بينما أنشغل باعداد الطعام في المطبخ، و في رأسي نص أريد كتابته، أو أفكر في نص أعجبني فآخذ الدفتر و أترجم بينما أقلب الرز على النار. المسألة هي التحدي. أنا لا أؤمن بالتفرغ الكامل لأمر ما، أو ربما لا أتقن فن التفرغ لمهمة معينة. كما أنني لا أخلط الأمور ببعضها و في نفس الوقت لا أقوم بشيء على حساب شيء آخر. فمن أجل أن أنجز ترجمة نص مثلا لا أوقف إنشغالاتي اليومية. إنما أقتنص الفرص. كوني ربة منزل لا يلغي إحساسي الشعري و لا شغفي بالقراءة. إنه ببساطة تحد. أتحدى نفسي أولا، و أنجز ما علي إنجازه.

عندما كنا صغارا، كنا نلعب و نذهب لتناول الأكل، ثم نذهب للمدرسة، و ننجز واجباتنا المدرسية، في خضم كل هذا كنت أنا من دون كل صديقاتي مولعة بالقراءة، لم أفضل القراءة يوما على تلبية حاجة ما لوالدتي أو على وقت أقضيه مع صديقاتي. أؤمن بأن الحياة اليومية يجب أن تكون خليطا من كل الألوان.

{ بماذا تنصحين المرأة، وبماذا تنصحين القارئ بشكل عام؟

– لا أرى نفسي في موقع أنصح به أي إنسان بالغ بأي شيء و إن كان من بد أن أقول شيئا، فإني أقول أن علينا نحن النساء أن نصادق أنفسنا و نحب ذواتنا و نحترم آدميتنا قبل كل شيء، حتى نتعلم كيف نفرض على الآخر أن ينظر إلينا نظرة إنسانية.  أقول للقاريء أن القراءة فن، كأنك تختار المدن التي تزورها بذوق رفيع من أجل المتعة و الإطلاع و الإكتشاف. القراءة باب و مفتاح في ذات الوقت.