الدلالات الرمزيّة في رواية أراجيح الياسمين

 الدلالات الرمزيّة في رواية أراجيح الياسمين

 إلتباسات معنوية لا نصية

عـلاء لازم العيسى

 يرى قسمٌ من النقّاد أنّ واقع الإقبال على دراسة الرّواية كان نتيجة لقناعة الباحثين بأهميّتها في الفكر الإنساني المعاصر ، بعدّها الأقدر         ـــ ضمن فنون التعبير الأخرى ـــ على امتلاك آليات التعبير عن هموم ومشاغل انسان العصر ، وبقدرتها ـــ أيضًا ـــ على معالجة مواضيعه وإشكالاته الوجوديّة والواقعيّة المعقّدة . وبما أنّ خطاب الّرواية ـــ كما يرى ميخائيل باختين ـــ ثريٌّ بتعدد الأصوات واللغات ، فهي تحوي أجناسًا أدبيّة كالقصص والأشعار والمقاطع المسرحيّة ، وتستقطب النّصوص البلاغيّة والعلميّة والدّينيّة ، ممّا يجعلها قابلة لاحتواء أيّ نوع ، اتجّه الرّوائيّون العرب للتراث الصّوفي ينتهلون من مادته الخام ، وينابيعه الفيّاضة . فهل كانت رواية ( أراجيح الياسمين ) للروائي زيد عمران      ( ط1 ? دار المكتبة الأهليّة في البصرة / 2021 ) أراجيح صوفيّة كما ذكر مؤلّفها أم لا ؟ وما هو موضوعها ، وما هي آليات السّرد التي استخدمها في بلورة الدّلالات الرّمزيّة في روايته لتوصيل رسالته إلى القارئ ؟ وما مضمون هذه الرّسالة ؟ .

   صراعان

وظّف زيد عمران نوعين من الصّراع في روايته : الصّراع مع الذات نحو التكامل الروحي والمعرفي ، وهذا ما ذكره حاكيًا عن أحد أبطاله    (( يرى الكون كخطوات طفل يتعثّر ثمّ يقف ثمّ يسقط ثمّ يمشي خطوتين ثمّ يقع ثمّ يمشي مسرعًا خمس خطواتٍ ثمّ يقع على مؤخّرته ثمّ ينهض ثمّ يجري . هو يدرك بأنّ الوجود كامل وروحه هي من يتكامل )) ( ص28 ) فالمحرّك الحقيقي للتكامل ـــ من وجهة نظره ـــ قائم في ذواتنا وليس لدفعة خارجيّة . أمّا الصّراع الثاني الذي وظّفه المؤلّف فكان مع الآخر تحت أيّ عنوان من العناوين وإن كانت معتقداتنا أو رغباتنا النفسيّة (( لقد تعلّم بأنّ الحريّة هي أن لا يكون عبدًا لأيّ شيء . لا لبشر أو خرافة أو معتقد أو رغبة نفسيّة أو حاجة بشريّة جسديّة )) ( ص82 ) . ثمّ حرّك المؤلّف أحداث الرّواية باتّجاه تحقيق فكرة الخلاص الذاتي بالحبّ والشوق إلى المعرفة ، لكنه ختمها بإجهاض هذا الحبّ بفقدان الحبيب سومر في عاصفة بحريّة ( ص183 ) ?  وتغييب حبيبته دلمون التي لم ينفعها جدالها مع أبيها رئيس الكهنة ( السّانكا أوتونابشتم ) في مذبح المعبد ودفاعها عن حبها وحبيبها سومر ( ص197 ) ودفاعها عن حريّتها في تقرير مصيرها بطريقتها الخاصّة مع السّانكا الجديد (( من جعلكم تختارون لنا أيّ عالم نعيش ومتى يجب علينا أن نموت ؟ ، أنتم تكفرون بالآلهة التي تعبدونها تجعلون من أنفسكم آلهة وتطالبوننا بعبادتكم . أنا لا أريد الخلاص ولا الحريّة ، أنا مقتنعة تمامًا ببشريّتي وعجزي عن الطّيران ، كلّ ما أريده أن أكون صاحبة الاختيار فيما يخصّني )) ( ص203 ) . نعم لم ينفعها دفاعها في دفع الموت عنها. فهل هي اشارة من المؤلّف إلى موت الأحلام والإرادة عند الفرد والمجتمع ، أم إلى الازدواجيّة الوقحة عند رموز السياسة والدين بين التنظير والتطبيق.   شخصيّات بلا أسماء

  ومن اللافت للنظر في أراجيح زيد عمران أنّ مقياس التنكير كان متحكّمًا في الفصلين الأول والثاني من روايته فيما يخصّ كلّ أسماء الشّخصيات ، فلم يهتمّ بالتعريف بشخصيّات روايته ، ولم  يضع أسماء شخصيّة خاصة بها ، بل اكتفى بإطلاق أسماء المهن أو الوظائف والرتب الدّينيّة عليهم ، مثل ( طبيبتك ، الممرّضة الشمطاء ، الصّيّاد ، معلّمي ، منجّمة الملكة ، النخّاس ، قسّيس ، راهب بوذي ، صاحب الخان ) ، وربّما اكتفى بالصفة كما في اختياره للقدّيسة والعابرة ، أو الاعتناء بألفاظ القرابة فقط كالأمّ والأب وهذا ما ورد على لسان بطله الهجين (( أنا مزيج من صراع الآلهة ، من أمّ قشتاليّة مسيحيّة ، سبيّة حربٍ انتصر فيها أبي العربيُّ المسلم القادم من مِصر ))  ( ص99 ) . والأغرب من هذا كلّه أنّه ترك البطل الرئيس لروايته غفلًا عن التسمية والتعيين أيضًا ، فما هي الدّلالة الرّمزيّة هنا لتنكير الأسماء ؟ والّذي أظنّه إنّه إرادة الانفلات من محدوديّة الزمان والمكان وتوظيف التنكير بلاغيًّا للتعميم .

   سرد داخل السّرد

ومن الأشكال البنائيّة التي ضمنها زيد عمران روايته ما يعرف بـ  (التوالد الحكائي ) ، إذ أنشأ سردًا داخل سرد ، وكان السرد عن طريق راوٍ يسرد بضمير المتكلّم المفرد ، ويسمّيه جونات راويًا مشاركًا في الحكاية ، شخص حاضر له دوره في أحداثها ، يتمتّع بهويّة مرجعيّة ، وهو أحد حرّاس الملك أورنمو ملك سومر ، وابن كبير الكهنة ، وهو يتكلّم عن سرداب الموت ، وكؤوس السم المقدّس ، وعبور بوّابة العالم السّفلي ، والتحكّم بالأرواح والقلوب ، واستغلال الدّين من قبل كهنة المعبد ( ص190 وما بعدها ) .

أراجيح والتراث الإنساني

 وبعد قراءة حصيفة للرواية المذكور أقول : بأنّني لم أقرأ في (( أراجيح الياسمين )) رواية ذات طبيعة صوفيّة ، بمعنى وجود علاقة تناص قائمة بين النصّ الصوفي كمرجعيّة خاصّة ، والنص الروائي كنصٍّ لاحق ، أو نصيّة موازية تتعلّق بالعلاقات بين النص ومحيطه النصّي المباشر أو غير المباشر ، والمتمثّلة بالعناوين والمقدّمات والتصديرات والهوامش ، وغيرها من النصوص القصار ، كما نجد في غيره من الرّوايات ، كرواية ( كتاب التجلّيات الأسفار الثلاثة ) للروائي المصري جمال الغيطاني ، الذي صدرت طبعته الأولى سنة 1990 ? أي قبل أكثر من ثلاثين سنة ، فقد وضحت هويّة الرّواية منذ عتبتها الأولى ( العنوان الرّئيس )، كما احتلّ التناص المباشر للنصّ القرآني ، وتوظيف القصّة القرآنيّة مساحة واسعة في تجلّياته . وكذلك في رواية ( قواعد العشق الأربعون ) للكاتبة التركيّة إليف شافاق التي صدرت طبعتها العربيّة الأولى سنة 2012   إذ تناولت فيها مواضيع الحبّ والعشق بين الشرق والغرب ، والرّوحي والدنيوي ، كلّ ذلك من خلال رواية قصّة جلال الدّين الرّومي وشمس التبريزي . ومثل الروايتين السابقتين كانت رواية ( الخيميائي ) للروائي البرازيلي باولو كويلو ، الذي ابتدأ روايته بآيات من انجيل لوقا ، ثمّ عرّج ـــ في مقدّمته لسلسلة رواياته الصّادرة باللغة العربيّة ـــ على قصّة مقتبسة من موروث التصوّف في الاسلام ، واستعمل في روايته شخصيّات ذات مواهب روحانيّة خاصة ، يكثر ذكرها في قصص مشايخ الصوفيّة .  وفي حقيقة الأمر أنّ فكرة رواية (( أراجيح الياسمين )) تجربة متعدّدة الثقافات تنتمي إلى السياق الإنساني الذي لا ينتمي إلى دين معيّن أو إلى زمان ومكان معيّنين ، فقد تعامل المؤلّف مع الزمن كمادة سائلة ، فهو يتحرك بخفّة بين الماضي السحيق والحاضر المعاصر دون فواصل ، فالسردان يتداخلان ، ولهذا فقد قسّمت فصول الرواية الثلاثة إلى مشاهد غطّت آلاف السّنين . كما أنّ فكرة ( الزهد في الدنيا والبحث عن المعرفة والعبور إلى عوالم أرقى ) نزعة من النزعات الإنسانيّة العامة التي لا ترتبط بالتصوّف الإسلامي فقط . نعم ربّما وجدنا بعض الخوارق ، مثل تحوّل العابرة إلى بالونة مضيئة ثمّ إلى قطّة أليفة ( ص 56 و61 ) أو بعض الاقتباسات المعنويّة ، لا النصيّة ، لبعض أفكار فلاسفة الإسلام ورجال التصوّف ، مثل موقف من الموت وانسلال الروح في قصّة حي بن يقظان ( ص65 )  أو فلسفة الولاية التكوينيّة والتصرف بالموجودات التي تمنح لبعض الصالحين ( ص63 ) أو قصة المعراج والسير والسلوك إلى الله ( ص 68).