
إحتفاءً بصدور مجموعته الجديدة
خضير الحميري ما بين الكاري .. كاتير ورسوم مندسّة
بغداد – علي إبراهـيم الدليمي
عن منشورات أحمد المالكي في بغداد، صدرت المجموعة الكاريكاتيرية الثانية للفنان خضير الحميري، تحت عنوان (رسوم مُندسّة) التي أحتوت على أكثر من (270) صورة تعبيرية.. من بعض ما نشره في الصحافة الورقية داخل العراق وخارجه.. والحميري، كما هو معروف، أحد أعمدة فن الكاريكاتير في العراق، الذي بدأ مشواره الفني منذ نهاية العقد السبعيني وحتى كتابة هذه الأسطر..
فنان الكاريكاتير الراحل مؤيد نعمة أختصر مسيرة خضير الحميري، قائلاً: “رسام كاريكاتير حقيقي إجتهد وثابر ووصل”.
نعم.. الحميري فنان عميق المغزى، فهو إنسان فنان أولاً وأخيراً، لكنه مبدع يتمتع بذكاء متميز، وهو يتناول الموضوعات الحياتية اليومية ليحولها بالتالي إلى صيغة لذيذة ونحن نشاهدها، وقد تعيش فكرتها معنا طوال العمر.. جرب عدة أساليب فنية وكلها كانت جميلة ومؤثرة.. ليستقر على أسلوب متفرد ومتواصل.
انواع افتراضية
الكاتب الساخر حسن العاني، يؤشر في مقدمة هذه المجموعة، قائلاً: “… على أية حال، إذا تجاوزنا هذه الأنواع الإفتراضية، فلا يجوز أن نعبر مسألة بالغة الأهمية في إعتقادي، وهي إن الحميري فنان شديد الذكاء، وعلينا عدم مغادرة لوحته بسرعة، فثمة ما يختبئ في زواية ما، يقتضي الملاحظة والتدقيق لكي تكتمل الرؤية…”.
في إحدى مقابلاته الصحفية، يؤكد الحميري: “.. ما منحني إياه هذا الفن.. فهو الإنشغال الدائم في تأمل الأشياء من حولي، مجتمع، سياسة، حركة الناس.. ومنحني محبة أعتز بها من الناس…”. وفي لقاء أخر، يستشف الحميري: “أميل دائماً إلى تكثيف الرسم الكاريكاتوري سواء من حيث الخطوط أو عدد الكلمات المرافقة، غير اني لست متحمساً لتجربة كل رسومي من التعليقات، فالكاريكاتير “الصحفي” في كل العالم غالباً ما ترافقه الكلمات وذلك لأنه يتناول حدثاً ما، وقد تكون المعالجة ناقصة دون إستخدام التعليق، غير أن هنالك نوعاً من الكاريكاتير تختص به المجلات الثقافية وصالونات المعارض المتخصصة، كونها تمثل حالة إلتقاء لرسامين من لغات متعددة…”.
في 30/أب/2019 نظمت مؤسسة رؤيا للفنون، على أروقة (دكانة رؤيا) في شارع المتنبي، معرضاً شخصياً للفنان خضير الحميري، بعنوان (كراسي) والذي ضم (36) صورة كاريكاتيرية، استلهم فيها موضوع رمزية (الكرسي) بمعناه الفكري والمعنوي، وما يختزله من أبعاد سياسية وإجتماعية.. وقد قدمت المؤسسة كلمتها في معرض الحميري: “تقدم مؤسسة رؤيا للثقافة المعاصرة، المعرض الشخصي لفنان الكاريكاتير خضير الحميري، ويحمل عنوان “كراسي” يضم المعرض 36 عمل كاريكاتيري تحمل ثيمة واحدة حيث أمعن الفنان خضير الحميري على فكرة مختزلة في الكرسي تبوح لتفضح سلوك بشري أناني وممارسات تكاد غاية في اللا إنسانية متوشحة بالقسوة الباردة، يفسر لنا عن طريق العبث بالأشكال ليعطي جوهرة الفكرة الكامنة تحت هيكل العمل والمعنى الحقيقي الكامن خلف شكل الكرسي والذي أبتعد عن غرضه الوظيفي وهو الجلوس من أجل الراحة وعقد المجالس في البيت أو في المقهى أو العمل وليعكس بصورة تخطيطية بسيطة وبشخوص مدغمة الملامح حتى لا يقع في إحراج التجاوز على شخوص بعينها.
انه يتناول حالة عامة لا يخص بها أحد بل يرسل إيحاءات نقدية قمة بالرقي إلى أفراد تسير بالشعوب إلى اللا معلوم من خلال اللعب بالمقدرات والثروات وعلى غرار المثل القائل “أياك أعني فسمعي يا جارة”، أعماله المرأة التي تعكس هذا المتزاحم من التناقضات والثوابت انها رسالة مختزلة في مخطط.
لقد برع الفنان خضير الحميري ولسنوات عديدة في إيصال هذا المفهوم من خلال نشره لأعماله في مجلات مهمة تصدر داخل العراق ومنها الأشهر “مجلة الف باء” وصحف ومجلات أخرى محلية وعربية منها صحيفة “العرب اليوم” التي أنظم إليها في منتصف التسعينات من القرن المنصرم ولاقت أعماله الفنية من الكاريكاتير إستحسان الجمهور والنقاد حيث تناول مواضيع متنوعة بثت بسخريته اللاذعة المؤدبة ما يدور في الشارع وحيث تربى على أعماله أجيال عديدة.
اتخذ من منهج السخرية الساخطة على الواقع أسلوب للرفض والبوح يرسمها كما هي الحقيقة ولكن بطريقة ساخرة ترهقه حين يرسمها ولكن الألم يخف حين البوح في معرضه الشخصي هذا.
أما رؤية الحميري في تجربته مع: “(الكرسي) من أشهر الأثاث وأكثرها ألفة وإستخداماً في حياتنا، فهو موجود في المقهى والرصيف والمطعم والمطبخ والصالة والمدرسة والدائرة والعيادة والوزارة وقاعة الإستقبال وقاعة المغادرة وقاعة البرلمان، وقاعة الإمتحان، وقاعة الإنتظار، غير أنه أختصر (وربما شُوهَ) رمزياً على نطاق واسع بدلالة السلطة والهيمنة والنفوذ!
وقد كان الكرسي حاضراً في مخيال الفنان التشكيلي لأسباب جمالية وفلسفية عديدة، ويُعد كرسي (فان كوخ) الأشهر بين الكراسي المرسومة، كما يُعد الكرسي ذو الرجل المكسورة أمام مبنى الأمم المتحدة في جنيف (لدانيال بيرست) الأشهر بين الكراسي المنحوتة، ودخل الكرسي في أعمال العديد من الفنانين الآخرين، كبطل رئيسي للعمل الفني أو بصفة كومبارس، كما كان حاضراً في الأعمال الأدبية أيضاً (قصص وأشعار ومسرحيات) بدلالته الرمزية أو الإجتماعية أو السياسية، ممدوحاً مرة ومهجواً عشرات المرات، وقد تطور الكرسي تاريخياً من حجارة كبيرة طاب لأحد أجدادنا الأقدمين الجلوس عليها بعد أن شعر بألم في ركبتيه، إلى (مسطبة) من الطين أو الحجر صنعها وطورها لاحقاً إلى (دكة) ثم (تخت) فكرسي بأربع قوائم بلا ذراعين ولا سند، وبعد فترة نبتت له ذرعان وإتكأ على مسند عريض، ثم آلت الأمور أخيراً إلى كرسي يهتز ويدور ويمشي و.. يطير أحياناً!!.
قابلية جيدة
الحميري من مواليد/ محافظة بابل 1955 بكالوريوس إدارة وإقتصاد/ جامعة بغداد – 1981 ماجستير علوم إقتصادية/ معهد البحوث والدراسات العربية – بغداد 1989، أقام معرضه الشخصي الأول، (وهو طالب) على قاعة الشهيد ممتاز قصيرة في كلية الإدارة والإقتصاد/ جامعة بغداد عام 1978 الذي أفتتحه الأستاذ حسن العلوي، قائلاً في رسومه: “ان معرض الفنان خضير ينم عن قابلية جيدة في فن الكاريكاتير وله أسلوب مميز وأن كان يحمل بعض تأثيرات رسامي الكاريكاتير عندنا مثل رائد وبسام”. عمل رساماً للكاريكاتير في مجلة ألف باء (1979- 2003). نشر رسوماته في أغلب الصحف والمجلات العراقية فضلاً عن نشره في صحف ومجلات عربية خارج العراق. صدرت له عام 1988 مجموعته الأولى (كاري … كاتير) من ضمن سلسلة كتاب ألف باء، ضمت مجموعة من رسومه المنشورة في المجلة. رسم العديد من الزوايا الكاريكاتيرية في الصحف والمجلات منها: (لو، روتين التعقيد، شعيط ومعيط، مسامير، شاهدت، قرصة، السنارة، بيهه ان، كاري كاتير، قريباً من السياسة، هلاوين..). حصل جائزة معرض أولمبياد اليابان السابع، الذي أقامته جريدة يوميوري أكبر الصحف اليابانية. شارك في العديد المعارض المحلية التي أقامتها نقابة الصحفيين العراقيين ووزارة الثقافة والاعلام لفن الكاريكاتير وفن الملصق السياسي.. فضلاً عن مشاركاته العالمية: (بلغاريا، المكسيك، بلجيكا، اليابان، مصر، المغرب).
في السادسة عشرة من عمره، شاهد أول رسومات جريدة الثورة وقتذاك تأثر بها كثيراً.. ليندس هو في الكاريكاتير وأبعاده الإنسانية.
وأخيراً نستأنس بما كتبه الفنان الراحل منصور البكري، مع رسمه صورة للحميري وقد علق عليها: “خضير فنان كاريكاتير محترف وغزير الإنتاج وأفكاره مذهلة، وهو بطل من أبطال الكاريكاتير العراقي، يطل علينا يوميا برسوم جديدة ناقدة ولاذعة، لم يترك موضوع سياسي أو إجتماعي إلا وانتقده بأسلوبه الخاص به والذي لا يشبه أي اسلوب آخر، مواضيعه ساخرة مضحكة ومبكية بنفس الوقت فجعل الشعب العراقي يعض اصبعه الذي تورط وانتخب الأحزاب التي سرقته وخانت الأمانة، خضير إنسان محب لأصدقائه ومخلص لعمله وكريم جداً، ففي زيارتي إلى بغداد وبعد إجتماع عملناه لكل رسامي الكاريكاتير العراقي دعانا جميعاً إلى سمك مسكوف على أبو نؤاس، وهذه هديتي له تعبيراً عن محبتي وإحترامي له ولانتاجه الغزير عسى وأن أوفي جزء من وفائه ومحبته للناس.. أتمنى لصديقي العزيز خضير الحميري الصحة والعافية والإبداع المستمر وطووووووووول العمر”.























