التوظيف اللغوي والنزوح إلى الذات والترفع على اليأس – عادل سعد

ثلاث رسائل جامعية عن منجز حنون مجيد

التوظيف اللغوي والنزوح إلى الذات والترفع على اليأس – عادل سعد

ان تكون هناك شخصية ثقافية عراقية موضوعاً لدراسات جامعية متقدمة تتناول احداثيات تجربته الادبية  فان لهذا الامر ما يؤكد ثراء هذه التجربة ورصيدها المعرفي مع غزارة نوعية امينة على حيثيات الواقع

لقد لـفَتت نظري ثلاث رسائل جامعية للماجستير اقتصر موضوعها  على  منجز الاديب حنون مجيد  وفق رؤيات تحليلية توخت الكشف عن تمرسه والدلالات  الكامنة التي تترفع عن الحضورالساذج

اعرف حنون من سنوات طويلة  شخصية دمثة ، ليس من انتظاراته  ان يكون تحت النظر ، زاهداً بأية مظهرية او عروض جاه ،اما

رسائل الماجستير التي تناولت ما انجزه فهي:-

  • سردية القصة القصيرة جدا ً، حنون مجيد انموذجاً… للباحثة رغد محمد سعيد حسن عام 2016 جامعة كركوك
  • بناء الشخصية في قصص حنون مجيد…. للباحث حيدر عبد الامير صابط عام 2018
  • الفضاء الروائي في رواية (موت الام) لحنون مجيد ، للباحث حسين علي مهدي موسى، 2021 وبتفصيل لمضامين هذه  الدراسات الجامعية اجد انها ذهبت الى الامساك باعماق الشخصيات وفضاء الحدث  بمهمة استقصائية شَمَلتَ  اولاً  التوظيف اللغوي  لصالح تقديم الحدث بأيجاز ميسر مع الحرص على مشروعية ادق التفاصيل لأكتمال الرؤية ، ويحضرني هنا اعتراف للروائي الامريكي ارنست همنغواي حين اختغى لمدة يومين على اساس التفرغ للاستمرار في انجاز جزء من روايته (وداعاً للسلاح) ولم يشغله سوى سطرين فحسب ،  اما التركيز الثاني فقد جاء خوضاً في اعماق الشخصيات والرعاية والعطف الابوي الذي تمرّس فيه غضباً ورفضاً وحنيناً وموساةً  واسئلةً بعضها يظل بدون اجابات   ، ولنا ان نتصور صعوبة مهمة القاص في مد الجسور بين هذه المتناقضات الدرامية على ما فيها من عواصف واحتدام وهدوء وبشارة ايضاً  ، وبالنسبة الى التركيز الثالث فيتعلق بفضاء الحدث  على ما فيه من اندياحات شجن وعواصف لاتعرف  القراءة ، وبؤس ونزوح نحو الامل  ، ونغز ومسوح رضا  ، ووسادات اطمئنان، كل ذلك بنسخةٍ عراقيةٍ معتّقةٍ ولهذا يمكنك تأكيد واقعية الحدث عنده ، ولنا ان نتصور حجم تعقيدات هذا المزيج الثقيل وتليفه ومحاولاته الخروج بأقل الغموض فيالها من مهمة شاقة حقاً .

حنون مجيد في (القصة القصيرة جداً) يتبنى الومضة الشاعرية (المقرمشة) بالواقع وتلك مهمة لايقدر على انجازها الا كاتب يملك سر هذه المهنة المعرفية لأن الجهد يقتضي توريط  الحدث بالشعر،اذ كلما ضاقت مساحة المعلومة تسلل الايقاع الشعري لها  بجينات ترث الاثنين معاً، وهكذا يكون الجنس القصصي القصير جداً اشبه بمغامرة ليس الا ، لأنه يتطلب التكثيف  مع استخدام  واضح للمفارقات المستمدة من الفضاء الواقعي  ، وتمازج للقص  بين العمق والوضوح ، ومع كل مفردات تلك المغامرة يحرص حنون

على تدوين الالتفاتات الجانبية  وملونات العتمة والحفاظ على آليات السرد الحديث بكل ما يحفل به من تقنيات تعامل معها بالمزيد من الحرفية  في براءة اختراع جزئيةهي من ملكيته حصرياً   .

لقد اختار حنون  هذا النوع من التورط  بكل ماتزدحم فيه  مجاهل  الحضور الاجتماعي العراقي من فواجع  وارهاصات وبكاء على الاطلال ورعاية لزهور بعضها لم يغادر مخيلة الكاتب الى الواقع  ،  لكنه لم يفقد الامل في ان يجد مساحة لها  ، وتلك بحق مسؤولية لم يتخل عنها حنون في يوم من الايام مترفعا على اليأس   ،

لا شك، ان اغلب السفر السردي لحنون  تعكس ملامح من شخصيته في معظم كتاباته ، خصوصاً في مجموعاته القصصية ،( تعاقب الفصول  ، البحيرة  ، الطائر، لوحة فنان  ، وردة لهذا الفطور ، الخيانة العظمى  ، يموتون ولا يموت،   السلم والسنونو )، ومع  كل التشعبات الحدثية تتألق وحدة الموضوع عنده من زاويتين  ، الحفاظ على الجوهر، والخروج الممنهج للتوضيح ، وهكذا لولا امتلاكه لرصيد معرفي كبيرفي هذه المهمة العسيرة لما استطاع ان يغامر سردياً  ويشيّدْ نوافذ  مشرعة على الماء بكل مايحفل به من طراوة وامواج وعمق ، وعلى البر بكل مايحتوي من تسطيح وغابات وتظليل  وعتمة  وسَحر  .

اولويات الطيور

وعن صناعة الشخصيات عند حنون مجيد يظل هاجسه منصباً على  التشطيب والتلويح بالمكاشفة وتلك ايضا مهمة سردية محفوفة المخاطر  لكنه يعلن حضوره الطاغي لها بكل جدارة اسوة باولويات الطيور المهاجرة التي لن تثنيها المسافات الطويلة من العبور  .

حنون مجيد صانع محترف يقلّد نفسه اصلا لكنه لاينكر الافادة من الرصيد المعرفي لكتاب سبقوه الى هذه الخبرة الادبية المعقدة  ، يحتفظ بمفاتيح لها ، ويناور على مسافة قريبة جدا من ولَهْ الجنوب العراقي ، ولذلك انصرف اولا الى ( رسم تلك الشخصيات ثم يعرض العالم من خلالها)  مع ملاحظة ان كل شخوص قصصه من اصحاب الدخول المحدودة  ، ان لم نقل الطبقة  المقهورة  .