
لفظة القصص والحديث – سدير حسام كريم
إنّ القول بوجود التّرادف لابدّ أن يخصص في اللغة فقط، وليس في القرآن الكريم وساحته الواسعة؛ لأنّه كتاب أحكمت آياته من لدن عليم خبير ، وكان دقيقاً في اختيار الألفاظ ، فكل لفظة لها دلالة خاصة في سياق قرآني معين، لايمكن أن يؤديها غيرها.
ولابدّ من التّنبيه على أنّ هناك مترادفات نصّت كتب اللغة على أنّها من هذا الباب، لكن تدبّر المعنى بدقة يهدي إلى وجود فروق لغوية دقيقة بينها، ولعلّه من الأوفق أنْ تعدَّ هذه الألفاظ متقاربة المعاني وليست متطابقة تماماً ، وكان أبو هلال العسكريّ قد عُنِي بذكر الفروق اللغوية بين اللّفظتين تأكيداً لمذهبه في رفض القول بوقوع التّرادف في اللّغة، قال في مقدمة كتابه(الفروق في اللّغة):”كلّ اسمين يجريان على معنى من المعاني وعين من الأعيان في لغة واحدة، فإنّ كلّ واحدٍ منهما يقتضي خلاف ما يقتضيه الآخر، وإلا لكان الثاني فضلاً لا يُحتاج إليه”، وعليه فإنّه على رأيه لا يجوز أنْ يكون اللّفظان يدلّان على معنى واحد؛ لأنّ في ذلك تكثيراً للغة بلا فائدة فيه، فهناك فرق بين القصص والحديث ، وبين لفظتي الضعف والوهن في القرآن الكريم.
وردت لفظة القصص والحديث في سياقات متنوعة من القرآن الكريم من هذه السياقات (هل أتاك حديث الغاشية) سورة الغاشية : (1) وفي قوله تعالى: (إذا أسرّ إلى بعض أزواجهِ حديثاً) سورة التحريم :(3)، و(كلا نقص عليك من أنباء الرُّسل) سورة هود:(120) و ( نحن نقص عليك أحسن القصص) سورة الزمر 🙁 23)، وأصل القصص في اللغة العربية يقول الراغب الاصفهاني (ت 502ه) في كتابه المفردات في غريب القرآن :” تتبع الأثر ، والأخبار المتتبعة كما قال تعالى في سورة آل عمران آية : 62: (إن هذا لهو القصص الحق)، فسمي الخبر الطويل قصصاً لأن بعضه يتّبع بعضاً حتى يطول وإذا استطال السامع الحديث قال هذا قصص، أما الحديث في اللغة يذكر ابن فارس في كتابه معجم مقاييس اللغة :”كون الشيء لم يكن . يقال حدث أمرٌ بعد أن لم يكن ، والحديث من هذا ؛ لأنّهُ كلامٌ يحدثُ منه الشيء بعد الشيء”، فالحديث يكون عمّن سلف وعمّن حضر ويكون طويلاً وقصيراً ويجوز أن يُقال القصص ، نتوصل إلى أنّهُ لا يوجد ترادف في القرآن الكريم بين لفظتي (القصص والحديث) ، فهم مختلفان من حيث المعنى بوجود بعض الفروق الدلاليّة الدقيقة بينهما، ذلك أنّ القصص يقصد به الحديث الطويل المتتبع بعضهُ بعضاً، ويكون عن سلف فقط بدليل قوله تعالى (وكلاً نقص عليك من أنباء الرُّسل)، والحديث يكون عن الماضي وعن الحاضر، ويكون طويلاً أو قصيراً ، ويكون الحديث عن ذلك الأمر الذي يتلو بعضهُ بعضاً أو غيره.
والفرق بين الضعف والوهن ، الضعف في اللغة يقول عبد الرؤوف بن المناوي صاحب كتاب التوقيف على مهمات التعريف:” الضُعف بالضم في البدن وبالفتح الضَّعف في العقل والرأي”، والوهن في اللغة يقول ابن منظور في لسان العرب:”الوهن : الضعف في العمل والأمر وكذلك في العظم ونحوه”، وفي القرآن الكريم وردت كلمتا الضعف والوهن في سياقات مختلفة من القرآن الكريم من هذه السياقات ما جاء في سورة النساء آية 28 بقوله تعالى:(يُريد الله أن يخفف عنكم وخُلق الإنسان ضعيفاً)، فقد وصف الانسان بالضعف من حيث الخلق؛ لأنّه خلق من ماء ، وخلقه هذا من عند الله تعالى ، أي لا دخل للإنسان وإرادته فيهِ، فالإنسان لا قدرة لهُ على الخلق، أما بالنسبة لكلمة الوهن منها ما جاء في سورة آل عمران آية (139) قال تعالى:( ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين)، ففي هذه الآية دعوة للمسلمين بعدم ترك قوتهم والاتصاف بالوهن، خصوصاً وأنهم الأعلون، فالأصل فيهم القوة؛ لكنهم انصرفوا عنها، فيتضح أنّ الوهن هو نقص القوة وعدم القدرة على التحمل تبعاً لذلك، وهذا النقص يكون من فعل الشيء بنفسهِ أو غيره بهِ.
نستنتج من ذلك أنّ لفظتي (الضعف ، والوهن) يختلفان من حيث المعنى ؛ ذلك أن الضعف يكون أصلاً في الشيء وهو انعدام للقوة، في حين أنّ (الوهن) هو نقص للقوة دون انعدام لها، ما ينجر عنهُ نقص في التحمل ، فهذه الفروق الدلاليّة الدقيقة بين اللفظتين توحي إلى لا مجال للقول بتّرادف هاتين اللفظتين حسب ما جاء في السياق القرآني.
مما تقدم نجد أنّ لا ترادف بين الإلفاظ الواردة لوجود فروق دلاليّة دقيقة بينهما لمن يدقق النظر فيهما ، والترادف واقع في اللّغة ؛ ولكنّه نادر وهو خاص باللغة دون القرآن الكريم.























