قراءة في كتاب ناصر هاشم بدن – باقر الكرباسي

قراءة في كتاب ناصر هاشم بدن – باقر الكرباسي

جماليات الخطاب الموسيقي و أثره النفسي في مسرح الطفل

ترتقي الموسيقى بالحياة مثلما ترتقي الفلسفة بالفكر ، وهي تعبر في معناها عن عميق الروح ، وولادتها تأتي من تجانس أحاسيس عدة تنطلق من فعل اَلّهةِ ما، وهي كما وصفت في التدوينات الأولى :

(الأصوات المتناغمة التي نريد بها أن نستحضر الآلهة ) ، وفعلاً كان السومري يحث من خلال صوت الموسيقى الروح الهائلة الأخرى التي يظن أنّها مخبأة في مكان ما من زوايا العالم ، لهذا بدأت الموسيقى مع بداية الفهم الوجودي لأشياء الحضارة ، و ربما تكون هي اللصيق الأول للغة حيث أدركت الدراسات أنّ تناغم الموجودات الطبيعية في عناصر عدة كهديل الحمام ، و خرير الماء ، و هدير العاصفة ، مثلت لدى الإنسان سياقات صوتية عبر بها عن ردود السيطرة على شيء ، ويمكن أن نرى تصوير الألواح الباقية أنّ المرأة السومرية لا تحمل ولدها إلاّ على الجهة التي يقع فيها القلب ، و هذا اكتشف بعد آلاف الأعوام من العلماء، أن صوت القلب ينبض بها حس موسيقى خاص يدفع الطفل الى الهدوء و النوم ، ولقد تركت لنا المدونات كثيراً من الترتيلات و الأغاني و الأشعار التي تمت بهاجس الموسيقى

إلى الحياة والمجتمع في سومر نعيم عبد مهلهل ، الآداب السومرية ،ع1، 2007.

    و الموسيقى  قديمة العهد في نظم التعليم و التربية ، إذ نجدها في الحضارة الصينية القديمة و الحضارة الهندية قديماً ، كما نجدها بآلاتها و قوانينها عند البابليين و الآشوريين الى جانب الفراعنة في مصر لدرجة أن كهنة مصر استعملوها في تربية جيل كامل بشحذ هممهم حتى تم طرد الهكسوس من بلادهم ، و الشيء نفسه استعمله الدوناتيون في الجزائر لمحاربة الرومان عن طيق الأغاني الجماعية والفردية، وعندما أخذت الحضارة اليونانية من علوم الموسيقى و آلاتها عن الآشوريين و الفراعنة ، أصبح للموسيقى عندهم وضع خاص و مهم في المنهج المدرسي ابتداءً من القرن الخامس قبل الميلاد ، كما أكدت الفلسفة اليونانية على تنمية وتثقيف العقل بالموسيقى عند أفلاطون ، ومن ثم جاء أرسطو فأكد على الجانب الجمالي التذوقي للموسيقى ، وبالنسبة للديانات الثلاث ، نجد أن التراتيل اليهودية ترتكز أساساً على علم الموسيقى من أقدم العصور وما زالت لحد اليوم في أماكنهم العبادية ، أمّا المسيحية التي تحفظت الى حد ما في البداية من الموسيقى ، فسرعان ما تغيرت النظرة و ارتبطت الموسيقى  بالديانة المسيحية ،و أدخلتها الكنيسة ضمن العلوم : الحساب والهندسة و الموسيقى و الفلك ، أمّا بالنسبة للإسلام فنستذكر مقولة الفيلسوف ( أبو حامد الغزالي ) : (ومن لم يحركه الربيع و أزهاره، والعود و أوتاره ، فهو فاسد المزاج ليس له علاج )، ووصلت الموسيقى عن المسلمين الى درجة غير مسبوقة اذ أستخدمها الأطباء في معالجة مجموعة من الأمراض العقلية و العضوية .

اعمال فنية

    يصنف إتين سوريو الفنون وفقاً للكيفيات الحسية الغالية في الأعمال الفنية ، فاللون مثلاً هو الصفة الغالبة على التصوير، و البروز أو الحجم هو الصفة الغالبة في النحت ، و الحركة في الرقص ، و الصوت في الموسيقى ، وقد خلص سوريو الى حصر سبع كيفيات هي : الخطوط و الأحجام و الألوان و الإضاءة و الحركة و الأصوات المفسرة في اللغة و الأصوات الموسيقية الخالصة ، وعلى أساس كل كيفية من هذه الكيفيات التمثيلية قدم سوريو فنين إثنين أحدهما ينتمي الى فئة الفنون المحكية أو التمثيلية و الآخر ينتمي الى فئة الفنون التجريدية أو الموسيقية ، ويرى الدكتور مصطفى سويف في كتابة (العبقرية في الفن) : ( أن للفن آثاراً اجتماعية هائلة ، إذ أنّه يغير شخصيتنا وتجربتنا في مجالات الحياة ويجعلنا أكثر حكمة و سمواً ، ويعمق رؤيتنا لذواتنا و ذوات الآخرين ، إن للفن وجهاً موضوعياً أساسياً وهو اقتراب لا اغتراب ، و لقاء معقود و موعد مضروب ، لأن المبدع والمتلقي (متضايقان ) كالأستاذ والتلميذ و الزوج والزوجة و الأب و الإبن يأخذ كل من الآخر حقيقته و معناه ) ص 70 . ونستخلص مما تقدم أنّ الموسيقى وسيلة تربوية راقية ، وأداة تثقيف سريعة الانتشار ، وهي أيضاً سلاح ذو حدين ، إما للفتك و التدمير الثقافي و الحضاري أو للسلم وتنمية العقل للسمو الحضاري.

  الكتاب الذي اقدمه للقارئ العزيز هو ( جماليات الخطاب الموسيقي و أثره النفسي في مسرح الطفل ) للأستاذ المساعد الدكتور ناصر هاشم يدن. الفنان والأكاديمي في جامعة البصرة ، في طبعة الأولى سنة 2016 ، بمئة و ستين صفحة من القطع المتوسط ، يقول مؤلف الكتاب في مقدمته : ( إرتبطت فنون الموسيقى بالمسرح منذ القدم بل ومنذ النشأة الاولى لفن المسرح في عصور الإغريق القدماء ، وتعد الموسيقى أحد العناصر الأساسية الجمالية المهمة في العرض المسرحي و لهذا اهتمت جميع المدارس المسرحية التي ظهرت فيما بعد أمثال : المسرح التعبيري و المسرح البريشتي و المسرح السياسي و غيرها ، بالموسيقى و جماليتها في العرض ، و تنوعت طرق تقديم الموسيقى و استخدامها في العروض المسرحية ، فقد تنبه المربون  الى دوره في حياة الطفل وتنشئته و إعداده للمستقبل ، إذ أكدت الدراسات النفسية على أنّ الطفل يميل و منذ الأشهر الأولى للموسيقى ولهذا تمت الكتابة لمسرح الطفل عل أساس الموسيقى و الغناء و تحويل الحكايات و القصص إلى إسلوب غنائي محبب للطفل) ص5 . يتألف الكتاب من خمسة فصول ، يتحدث في الفصل الأول عن ( الجماليات في الطبيعة و الفنون ) قائلاً : ( يدخل الجمال في تفاصيل حياتنا بدقة، ومنذ أن خلق اللَّه سبحانه و تعالى الكون خلق الجمال معه ، وتجلى جمال الطبيعة في الأرض و الجبال  و النبات و أنواع الطيور و انسياب المياه و غروب الشمس …. الخ) ص9 ، وفي موضع آخر يتحدث الدكتور عن الجمال  قائلاً : ( ولفهم الجمال وجهات نظر مختلفة أو متباينة و تدخل مسألة الذوق و الوعي في فهم واستيعاب الجمال ، و ينطلق الجمال والإحساس به من النفس  الواعية وكما قال الشاعر أيليا ابو ماضي ((و الذي نفسه بغير جمال لا يرى الوجود شيئاً جميلا)) ومن هنا تنطلق فلسفة الإحساس بالجمال و فهمه و لهذا فإنه ليس للجمال نموذج مثالي ففكرة الجمال مع كل نشاط فني مبدع ، وكل عمل فني هو في حدّ ذاته كشف جديد عن وجه من وجوه الجمال) ص11 ، وينتقل المؤلف في الفصل نفسه الى ما قاله الفلاسفة العرب عن الجمال قائلاً : ( و اهتم فلاسفة العرب بالجمال  وماهيته وقدموا نظرياتهم فيه فمثلاً يقسم (الغزالي) ظواهر الجمال الى ثلاثة مستويات (( حسية ، ووجدانية ، وعقلية)) ويؤكد أنّ الجمال الحسي هو الذي يدرك بالحواس ((السمعية و البصرية )) أمّا الجمال الأسمى عنده فإنه(( يُدرك بالعقل والقلب و القلب أشد إدراكاً من العين)، ص13 وعن الجمال في فن المسرح يتحدث المؤلف قائلاً : ( أمّا عن الجمال في فن المسرح فإنه يبدأ من لحظة كتابة النص الدرامي ، و يشكل الحوار الأنيق جزءاً من جماليات المسرح ، فيما تكون أو تؤسس الفكرة أو القيمة الجمالية الأولى ، وتأتي الشخصيات و الممثل و الإخراج كعناصر جمالية أخرى تبنى على اساس النص ويبدع كل متخصص في مجاله في تقديم الجماليات المسرحية) ص 15 ، وفي الصفحة (21) ينتقل المؤلف في كتابه الممتع هذا الى تسليط الضوء على جماليات لغة الخطابات الموسيقية محللاً عناصرها الأساسية وهي : الإيقاع واللحن والتوافق الصوتي و القالب الموسيقي و السرعة الموسيقية و الزخارف الموسيقية و جماليات الحركات التعبيرية ، شارحاً عن كل عنصر جماليته وما قاله الفلاسفة  و الأدباء عن هذه العناصر ، و سأقف عند العنصر الأخير و ماذا قال عنه المؤلف : (تعد الحركات التعبيرية المرئية((الرقص)) خطابات موسيقية مهمة استخدمها الإنسان منذ القدم للتعبير عن أفراحه و أحزانه و طقوسه ، وما الاحتفالات الدينية الإغريقية قديماً إلاّ طقوساً تعتمد الرقص و الشعر ، و كذلك في جميع الحضارات و الأمم الأخرى ) ص 75 .

   واعطى الدكتور ناصر هاشم عنواناً للفصل الثاني هو (الخطاب الموسيقي في المسرح ) شارحاً في بدايته التدرج التاريخي لهذا الخطاب الى أن يصل العصر الحديث فيقول : ( كما وظهر نمط أو نوع آخر من أنماط العروض المسرحية التي تبنى اساساً على استخدام الخطاب الموسيقي وهو ((الباليه)) ومن ثم ازداد الاهتمام من أجل تطوير فن المسرح و الأوبرا فقد اجتمعت فنون الدراما مع الموسيقى و الغناء حيث تتزاوج فنون الشعر و الدراما و الموسيقى و الغناء و الديكور ، وبهذا فإن للخطاب الموسيقي في المسرح أثره الكبير في تطور الفن  الدرامي ) ص 85 ، و يتحدث في الصفحة (86) عن الشاعر الأسباني لوركا قائلاً : ( أمّا عن الشاعر الإسباني لوركا فهو الآخر قد أكد على أهمية الخطاب الموسيقي في العرض المسرحي وتجلّى ذلك بوضوح في مسرحية (عرس الدم ) ففي بيت (ليوناردو) نجد زوجته وأمها يغنين (أغنية مهد ) وكسائر أغاني المهد فهي مليئة بالألم و الهاجس من الكارثة ، ولكنها من أجمل أغاني لوركا ) وبعد أن يستعرض مؤلف الكتاب الخطاب الموسيقي في المسرح الألماني والامريكي ينتقل الى عالمنا العربي قائلاً : ( أمّا عن عالمنا العربي فقد اهتم  فنانونا الرواد كثيراً بالخطاب الموسيقي في المسرح  ، إذ يعد الخطاب الموسيقي في مسرحنا العربي عنصراً اساسياً وذلك بسبب ميل الشعب العربي للغناء و الطرب ولهذا ركز الرائد المسرحي أبو خليل القباني على الخطابات الموسيقية المسموعة و المرئية و اعتمدها كأساسيات في عروضه فقد ملأ مسرحياته بالأناشيد التي تغنى وبمشاهد الرقص )ص90، وينتقل المؤلف الى الحديث عن نشأة المسرح الفني في القاهرة مستعرضاً صوت (منيرة المهدية) والذي أسماه (مرحلة المسرح الغنائي ) و تحدث أيضاً عن الفنان الشيخ سيد درويش ودوره الكبير في إدخال جماليات الخطاب الموسيقي للمسرح العربي اذ استلهم التراث الشعبي في مصر وصاغه بعبقرية و بنى ألحانه فأنتح المسرحيات الغنائية و الأوبريتات الكثيرة ، و تحدث عن محمد عبد الوهاب وسيد مكاوي مستعرضاً اعمالهم الفنية ، ويقول المؤلف عن العراق :  ( أمّا في العراق فكان للخطاب الموسيقي دوره الكبير في العروض المسرحية منذ بداياتها ، ومع الأيام صار الفن المسرحي في العراق من الأنشطة الثقافية و الاجتماعية المهمة فنشطت الفرق المسرحية وقدمت العديد من العروض المسرحية التي لا تخلو من الخطابات الموسيقية في بنائها ، ويعد الفنان حقي الشبلي من أوائل الفنانين العراقيين الذين أرسوا قواعد الفن المسرحي الحقيقي في العراق  وذلك بالتعاون مع الفنان العربي جورج أبيض عند زيارته للعراق مع فرقته عام 1921م فقدموا مسرحيات عديدة منها ( في سبيل التاج ) إذ كان يتخلل الفصول أناشيد وطنية ينشدها الشباب)، ص95 ،وفي الفصل الثالث يتحدث الدكتور ناصر عن الطفل وعلم النفس مستعرضاً الجوانب الفنية المؤثرة في نفسية الطفل وتحديداً الخطابات الموسيقية  ومدى تقبله لذلك الفن ، ويقول : ( يلعب الفن دوراً مهماً في هذا الجانب و يسهم مساهمة كبيرة في طرح عناصر الجمال  بأبسط صورة للأطفال  من أجل إعدادهم للمستقبل  ولتقبل الحياة بعناصرها الجمالية ويسهم أيضاً في تخليص الطفل من بعض الصفات السيئة ) ص105 .

  ويعطي المؤلف للفصل الرابع عنواناً هو ( الطفل و الخطاب الموسيقي ) إذ يتحدث فيه قائلاً : ( إن الشعر موسيقى وفية تنغيم وايقاع ، والاطفال يميلون الى التنغيم والإيقاع والكلام المقفى من نعومة أظافرهم ، وكلنا يتذكر أغاني الاطفال التي يتوارثونها من التراث الشعبي جيلاً بعد جيل في ألعابهم ورسومهم ) ص107،

عناصر اساسية

وفي موضع آخر من الفصل نفسه يقول : ( وهنا تكمن أهمية الخطابات الموسيقية في تربية وتنشئة الطفل وإعداده ، إعداداً سليماً للمستقبل ، ولهذه الاهمية الموسيقية للأطفال بشكل دقيق من حيث النص الشعري واللحن كعناصر أساسية وما يتبعها من عناصر تكميلية أخرى ) ص110 .

وكان عنوان الفصل الأخير ( مسرح الطفل نشأته ، تطوره ، إنتشاره )

ويبدأه بالحديث عن مسح الطفل في الصين والهند وعصر الإغريق معرجاً بعد ذلك على انجلترا ومدى اهتمام الإنكليز والدول الإشتراكية بهذا الفن قائلاً :

( فقد إهتمت الدول الإشتراكية  إهتماماً كبيراً بمسرح الطفل بناء على التوجهات الفكرية والسياسية والأيديولوجية أمثال إلاتحاد السوفيتي وألمانيا ، ففي عام 1918 تأسس مسرح الطفل في روسيا وتعد السيدة ( ناتالياسانز ) رائدة ومؤسسة لمسرح الطفل في الاتحاد السوفيتي وقد أوصلته الى مجده وشيوعه عالمياً ) ص116 ، ويستعرض المؤلف في فصله الأخير هذا نشأة مسرح الطفل في الدول العربية ويذكر أسماء ومؤلفي المسرحيات في ذلك العهد ، ومن ثم يأتي الى العراق قائلاً :

( ففي العراق نشطت الحركة المسرحية عموماً وخصوصاً بعد عودة رواد المسرح العراقي من دراستهم خارج القطر ، وشهد بداية السبعينات نهضة ثقافية وفنية واسعة للحركة المسرحية والموسيقية والأدبية … وغيرها ،

وكان لبعض فنانينا المسرحيين الرواد إهتماماً بمسرح الطفل فقد دشن قاسم محمد بمسرحيته ( طير السعد ) التي أخرجها للفرقة القومية للتمثيل عام 1970 إلانطلاقة السليمة لمسرح الأطفال في العراق ) ص130 ، بعدها يأتي المؤلف الى الفرق المسرحية وأسماء المسرحيات ومؤلفيها وتاريخ عروضها ويذكر البصرة أيضاً

قائلاً : ( وفي محافظة البصرة قدم المخرج الدكتور كريم عبود عدداً من العروض المسرحية للطفل منها مسرحية ( مقالب ثعلوب ) من تأليف الفنان الراحل جبار صبري العطية وقدمت في سنة 1988 ) ص137 ، وفي نهاية الكتاب يصل المؤلف الى نتائج دراسته هذه بنقاط أربعة يراها مهمة في ارتباط الخطاب الموسيقي بعروض مسرح الطفل اذ يعدها من العناصر المؤثرة في نفسية الطفل .

كتاب الدكتور ناصر هاشم بدن كتاب ممتع عند قراءته للمعلومات القيمة التي يذكرها عن المسرح في العالم والوطن العربي كذلك ما يخص الخطاب الموسيقي ومسرح الطفل ، ووجدته قد اعتمد على مراجع مهمة لدراسته من الكتب والدوريات والبحوث العلمية .