ظلّ في الظهيرة – علي إبراهيم

ظلّ في الظهيرة – علي إبراهيم

ألقى نظرته الأخيرة على الشارع  الذي سيفصله عن الحرب .كانت الذكريات تطبع صورها كلّ يوم ،ولكن متى سيبثّها صوراً للآخرين ..وكم من الناس سيحتاج اليهابعدما أخذ التلفاز يبّث صور المعركة كلّ ساعة.

كانت الدبيسات آخر ملاذات الحرب التي وصل إليها ليتسلّم كتاب الإنتداب للوظيفة .ثمّة محال لبيع العطور على الطريق تسحب بائعات الحليب من اطراف المدينة إلى الزينة والأصباغ هكذا إختلط عليهنّ الجمال الطبيعيّ لديهنّ من تحوّلات الحرب ،كانت اواني الحليب حجّة مصطنعة للإنتقال من محل لآخر ريثما تصل السّيارة التي ستقلهنّ إلى الريف .ينظرن إلى البقرات على موعد ليوم آخر قد يحمل أحلاماً تتحقق.

كان هو الآخر مَن حملته السّيارة التي إستاجرها ،كان يحسّ بأنّ حجاباً قد حجزه عن اهوال المعركة على أرض تلك المدينة وذاق مرارتها .تذكّر يوماً منها صورة كالآتي بينما خفّت وطأة المعركة فجأة إندفع يحمل القزان ليجلب لمجموعته الأكل،كان بسطاله ينغرز في الأرض الرّمليّة ذات الكثبان المتموّجة عند طريق الجثث بملابسهم الخاكي منظر عادي يتكرر هناك .يرجع نفس الطريق ،تُرفع الجثث ،تصمت المدافع  كرّ وفرّ السماء صافية .والذكريات تفتح ابوابها لكّل حديث حتّى عند هزيع الليل ،لم ينتهِ الحديث الذي سيفصله عن الحرب .صاح السائق:عليك ان تعبر إلى الجهة الثانية ،انتطر هناك لتركبَ الحافلة القادمة إلى العمارة .كان مطر ذلك اليوم ينشر رذاذه المتواصل ،صعد الحافلة بنظرات الرّكاب.كانت البذلة الخاكي هي مَن ميّزت

هويّته،لمح المقعد الفارغ آخر الحافلة .كانت النافذة تستدرجه إلى شارع الحرب مع بدء الصّداع ياكل رأسه بعد شهرين من إجازة النزول ،اصابته الفرحة حينما إنطلقت الحافلة في الإشارات الخارجيّة على الطريق يقرأ البصرة مائتي كيلومتراً .المطلوب ساعتين لوصوله إلى البيت الذي تركه قرابة الشّهرين .هناك سيجد الحديقة التي اثمرت ،واصبحت مرتعاً للعصافير تتجاذب صوتها لحن الحياة ،والعشق العصفوريّ الشديد العتب مِن كثرة السقسقة ،هو متى سيجد ذلك يوما ما؟ بعدما أطلق سراح قلبه من الرعب والقسوة والتي يواجهها كلّ يوم  .كانت النافذة السوداء هي مَن اسدلت الستارعلى قلبه .وجميل أن يروّض المرء نفسه ويقرّب قلبه من الحدّ الذي غاب عنه .

قرأ بشغف اللوحة  الخضراء المثبّتة على الطريق الباقي خمسة وعشرون كيلو متراً شعر بأنّه قريب من مدينته

التي سمع عنها الكثير من نشرات الأخبار ،هكذا هي الحرب تاكلُ اهلها ،وتبعث الرعب بين الازقّة والاسواق ،كان سائق الحافلة ينحدر نهاية الجسر ليتوقّف فجأة على صوت يشفط الأرض قائلاً:,تستطيعون النزول لدقائق حتى  اصلّح العطل اسفل الحافلة ،كنّا نقف على أرض خضرة ينتشر فيها النخيل مسافات قليلة .

كانت امرأتان تقتربان منه،عيناهما ضيقّة باسئلة كثيرة يكشفها الحزن الذي سوّد وجه كلّ منهما ،كان من الأسئلة الموجّة إليه.

_هل وجدت قتلى ؟

_نعم .إجاب مسرعاً وجدت الكثير .قالتا بصوت واحد :إذن هو مَن كان هنالك ضمن القتلى .

_ هل تاكّدت من كلامك ،قالت الأخرى ؟

_نعم كانت المعركة نذير شؤم تاكل منّا نحنُ اللابسين  الخاكي ،تلتقطنا عند القصبات والمدن ،كنٌا نتشّبع بالموت عن طريق الصمت ،والهمس،والإشارة ثمّ البُكاء ،ولكن عمّا تتحدّثان ؟ وهل نزل هو أرض الطيب والفّكة في العمارة لزم الصمت المرأتينِ لحظات بعدها اخذت شفتاهما  تردد كلمات متبقّية وهما تصعدان الحافلة .

مقبرة المدينة

قالت أحداهما :بالأمس كُنّا نقف على قبره في مقبرة المدينة ،وهو باللوحة المثبّتة له .اسمه وتاريخ إستشهاده قاطع الطيّب ،شعلنا الشموع وقرأنا له آيات وادعية .اكدّت الثانية الكلام بهزّة من رأسها .

قال والآن ماذا تقولين :أقول أنّه مَن فارقنا خلال الشهرين الماضيين ،كان يتحسّس لحظة وقوفه بعيداً عن الجبهة،والحياة التي كشفت له عن كلّ لحظة من سنوات ضائعة ،هكذا خيّل اليهما منظر القبر إنّ النفوس تتلاقى  هل كان شبيهاً له حتى تتذكّر أنّه امامها؟هل كانت صورته شبيهاّ بصوته ،صورته هي ما تبادرت إليها ؟لباقة لسانه في حضور الجواب المناسب .كان يظنّه خلفه عند إحدى الجبهات  فإذا ما مال جانباً على صوت شديد اصابه بما تشظّى من الآلة الحديديّة المتّجهة نحو قلوبنا ..اسئلة لا تنتهي ،والعجيب إنٌها تدور على السنتنا كُلّ يوم نرويها دون معرفة سبب المجيء إلى هذه الكثبان ،وتلك الوديان .

قطع السائق طريق الاسئلة الكثيرة ،تسابقوا في صعود الحافلة ، كانت النافذة مكانه ،ولكنّ الذكريات التي توالت عليه انتهت لحظة جلوسه إلأّ من نظرات للمرأتينِ اللّتين جلستا وسط الحافلة التي اسرعت لتقضي هي سلسلة شريط الجسر حين حاولت المراتان استنطاقه عن الظّل الثاني للحياة،ولكن لماذا له بالذات يوم لبس الخاكي

يتنقّل بها من مكان لآخر .ابصر الشارع الذي سيوصله إلى البيت ،كانت عيناه تنظر إليهما بترّفق، كانتا تنظران له بشفقة قد تنتهي بعد لحظات .

سمع صوت أحدهما تقول للثانية:نسي كتاب إنتدابه،كان يحّس بالضيق يراوده ،وهو يهّم مغادرة الحافلة ،ولم تنفّك عيناهما تنظران إليه بحِدّة ماذا ستقول هاتان المراتان بعدما يترك السّيارة عند التقاطع؟آه هي نفس النظرات  السابقة والتي ارغمته على الحديث.!

نزل مسرعاًإلى الشارع المؤّدي إلى البيت ،اسرعت المراتان بعده بالتزول كان يحسّ خطواتهما وهمهمةصوتيهما قريبة منه ..هو… هو. كانتا تسرعان خلفه ،فيما أخذ هو يسير عِبر الازّقة بعدما ترك الشٌارع العام يتوارى خوفاً من ظِلّ المرأتينِ ،اخذ يتحسّس  جسمه ،وحقيبته .كانت المرأتان تسيران في شارع آخر وكان صوتهما يتردد..هو… هو آخر ما التقطه سَمْعهُ في الظهيرة ..