كامل حسين .. ذاكرة اللون الخالدة

كامل حسين .. ذاكرة اللون الخالدة

أنمار كامل حسين

على مدى تجربة فنية تمتد إلى أكثر من نصف قرن، إحتفظ الفنان ?امل حسين، ببريق تألقه وجمال روحه، وعذوبة نفسه الطيبة، وثمة تداخل منطقي بين رؤيته للفنون. وموقفه من الحياة المتسارعة التي تمضي على عجل دائما. ذلك أن الفنان اختار السكن في مملكة الفن والعيش بين مواد الرسم، بقناعة شخصية راكزة، وكما نعرف بان الفن وكل أفرع الثقافة والآداب، تلزم تفهماً معمقاً لمعنى الحرية، كما تتطلب نوعاً من الصدق مع الذات ومع العمل الفني أيضاً وذلك لن يكون ما لم يكن هذا الفنان مؤهلاً من الجوانب الادائية ومكتسباً لخبرات ومهارات متقدمة، وكامل حسين – ليس بوصفه وآلدي الذي خرجت إلى حيز الوجود من صلبه فقد ?نت أحث الخطى لإقتفاء أثره وتتبع مساراته وإشتغالاته في شؤون الآداب والثقافة وبخاصة الإنهماك في عوالم الشعر والادب ومختلف الفنون. ولكل ذلك سأسمح لنفسي بأن أكون شاهداً على رحلته مع فنون الشعر و الرسم على حد سواء.

منذ أن تفتحت عيناي على الحياة كنت أرى لوحات كثيرة معلقة على كل جدران بيتنا، وكنت أبصر ألواناً مختلفة تتشذر ببريقها في كل مكان من البيت، وكانت رائحة المذيبات والألوان تنفد في الهواء مع تنفسي بينما كانت أنغام الموسيقى السمفونية والأوبرالية تصدح بهيبة ووقار في فناء الدار، وعلى الرغم من الظروف الإقتصادية القاسية التي كنا ن?ابد محنة العيش خلالها، إلا إن إرادة الفنان على المضي قدماً في منهجه اليومي متحدياً كل الظروف القاهرة، خلقت حياةً خاصة بلا تكلف أو تصنع أو مبالغة، لا لشيء، الا ليقف متحدياً لمواجهة شظف العيش ومحاولة العيش الافتراضي المتنعم وصناعة نمط من الحياة مختلف تماماً عن الواقع الذي ينبغي أن يكون، ولا يمر يوم إلا وكان الفنان يرسم، يقرأ ويسمع الموس?يقى ويتابع إحتياجات البيت بدقة متناهية، دون أن يتجاهل شيئاً على الاطلاق، ولكل فردٍ من الاسرة نوع خاص من المتطلبات، كان يعطيها على أكمل وجه وبحب بالغ .ولو حاولنا سبر أغوار حياة الفنان ?امل حسين وسعينا لإقتفاء أثره وتتبع مساراته الفنية والفكرية لتلمسنا حقائق تلامس المعاني الجوهرية التي اسهمت، بل حتمت عليه بأن يكون فناناً مع سبق الإصرار.

هوس الرسم

فمذ كان في سن العاشرة كان مهووساً بالرسم، وكانت أنامله الدقيقة تخط على جدران البيوت ملامح الكائنات الخليقية، بشراً في حركات مختلفة، حيوانات، أزاهير وطيور، وكانت دفاتره وكتبه عبارة عن متن وحاشية المتن هو النص المقرر رسمياً والحاشية هي شخبطاته وتعليقاته وبصراحة أن هذا يشبه إلى حدٍ بعيد سياقات الإشتغال على المخطوطات العربية والإسلامية، أعتقد إن الفنان تستحوذ عليه طاقة خفية هائلة، كأنها طاقة كونية مذهلة، وبذا كان متعدد الاهتمامات ومتنوع في التوجهات بين الآداب والفنون وهذه الطاقة تشتعل في داخله مثل الجذوة المستعرة، وكان يعلم جيداً مد?ات خطرها، فان لم يستطع تفريغها على النحو الأمثل، وإحالتها إلى طاقة ابداعية فلا بدّ إنها ستحترق بداخله، وإذا كان اليوم الواحد بصيغته الزمنية المعتادة، يمثل 24  ساعة، مقسمة على ساعات الليل والنهار فان يوم كامل حسين يجب أن يكون ب 48  ساعة، لا سيما إذا أخذنا بنظر الاعتبار مستويات إنجازه الفني وتنوع إنشغالاته المختلفة.كان لوالدتي الشاعرة والتشكيلية ليلى عبد الأمير رفيقة دربه الأثر الكبير في تحفيزه على تقديم المزيد من العطاء وتقول عنه: كان كامل حسين بعد أن ينتهي من أحد لوحاته يدخل معنا في نقاشٍ حول الكتابة عن تجربته الكبيرة والحافلة بالمنجزات، تلك التجربة المتسلسلة بأبعادها الكونية منذ نشأته ومنذ أن دب فيه الوعي، إذ إنها تختلف عن التجارب الاخرى بخصوصيتها وإعتمادها على الفكر والرسم، وكما يقول كامل حسين على الفنان أن يكون مفكراً قبل أن يكون رساماً وكان يرد عليها ويقول: لا بدّ أن أرسم ما يحتدم في مخيلتي وأشبع ذاتي وكان يتحدث عن أسلوبه المستمر بالتطور نحو الحداثة، إذ انه كان فناناً متجدداً يبتعد عن النمطية والتكرار في أعماله وهذا ما يميز إسلوبه، في فترة السبعينات حين كان طالباً في أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد كان يتميز بين أقرانه بميوله نحو الحداثة في الرسم وفي حواره مع أستاذته آنذاك حول هذا الامر كان يفسره ويقول: ان الحداثة تسحبني بشكلٍ تلقائي دون قصد، تجعلني أفكك الموديل وأعيد تركيبه كما يفعل الشاعر بالحروف والكلمات ليجعلها منسجمةً مع ذاته.

فنان متميز

كان الفنان كامل حسين من المتميزين في دفعته ومن العشرة الأوائل وكان يستخدم إسلوب الحداثة منذ ذلك الحين سواء برسم الموديل أو الانشاء وتخطيطاته بقلم الرصاص والفحم، وكان الطلاب يتجمهرون حوله حين يرسم ولم يكن يبخل عليهم بمساعدة أو نصيحة بروحٍ رحبة، وهذا ما لفت أنظار أساتذته إليه من الفنانين الكبار أمثال كاظم حيدر وفائق حسن وشاكر حسن آل سعيد، فكانوا يعطونه الحرية المطلقة في الرسم لأنه طالب وفنان متميز، هكذا كان الفنان كامل حسين مليء بالأفكار ويؤمن أن الفن واللوحة قضية كونية عظمى تهم المجتمع، لذلك يعد من الأسماء المهمة في التشكيل العراقي وهذا ما يثبته الاثر الفني الكبير الذي تركه لجمهوره ومحبيه لما كان له من فكر نير وثقافة راكزة، كل ذلك دعاني مع بعض الأصدقاء والمحبين لإنجاز مؤلف فني بعنوان كامل حسين .. فن الرؤية والموقف هذا الكتاب الذي يلخص حياة الفنان كامل حسين وسيرته وأعماله الفنية والذي سيصدر في الأيام القادمة، ساهم في هذا المنجز خيرة كتاب ونقاد الفن في العراق أمثال: جاسم عاصي، حسن عبد الحميد، جواد الزيدي، شوقي الموسوي، الآء الخيرو، وصلاح عباس، واستجابوا لنا مشكورين وقدموا للكتاب نصوصهم المهذبة والراقية محققين إستقراءً متماسكاً مع حقائق الفن لدى كامل حسين، مضيئين فصولاً هامة من تجاربه الفنية المختلفة، كما عهدنا تصميم الكتاب للفنان المبدع سمير مرزه الذي له تجارب بارعة في هذا الميدان، لقد تضافرت كل الجهود مجتمعة لتقديم تلك الخلاصة النقية التي تبرز أهمية الأعمال الفنية والرؤى الفكرية والفلسفية، كل ذلك نقدمه كجزء من عملية رد الوفاء لفنان كبير أفنى عمره في سبيل تقديم النوع الفني المتسم بالإبداع والمواقف المثيرة للإعجاب على الرغم من كونه مانحاً وسخياً بعطاءاته الثرة على أمل أن نحقق له حلماً مؤجلاً كان يراوده منذ سنوات.