
على مائدة الملوك لسعد محسن
سردية الحدث ومتغيراته
محمود خيون
لقد إستطاع الكاتب والباحث سعد محسن في كتابه الموسوم ( على مائدة الملوك ) أن يسلط الضوء على اهم حقبة من تأريخ العراق السياسي المليء بالمفاجات والمفارقات العجيبة والغريبة التي ظلت إلى يومنا هذا شاخصة في ذاكرة العراقيين من الجيل الذي توارث تسلسل الأحداث من خلال شخوص كانوا قد هظموا تلك الفترة وتذوقوا طعمها بحلاوته ومرارته من خلال السرديات التي يتلوها الأجداد إلى الأبناء وهكذا تستمر فصول تلك الحكايات…. وفي مقدمة الكتاب أشار المؤلف سعد محسن بأن الكتابة عن الملوك والرؤساء والشخصيات السياسية والاجتماعية مسألة خطيرة ومثيرة للجدل والخلاف في عالم اليوم…مشيرا إلى أن الناس تعشق الحكايات الطريفة حتى وان علموا زيفها وقد تكون الحكاية من بذرة الحقيقة في الاصل إلا إنها تحرف وتضخم من قبل مختلقي الإثارة أو الذين يخدمون مصالحهم الشخصية أو الدينية أو السياسية وتغدو الحكاية مختلفة تماما عن بداياتها ومهما يكن الحديث عن تلك القصص والطرائف التي جمعها الكاتب واختار منها ما هو قريب إلى الحقيقة والواقع تظل تصاحبها الشكوك في مصداقيتها..إلا أن في ما جاء في كتاب( على مائدة الملوك) يأتي بمثابة سرد حقيقي لإحداث عاشها العراق وتلمس معطياتها الإيجابية وظلت آثارها التاريخية قائمة إلى يومنا هذا تتحدث عنها الأكاديميات واصحاب الإختصاص بالتاريخ القديم لبلاد مابين النهرين وماجرت عليها من ملاحم وقصص مثيرة للغاية.
اعماق الماضي
ويصف الكاتب والباحث سعد محسن أن كتابه (على مائدة الملوك) يعيد القاريء إلى أعماق الماضي القريب حيث يتعرف على طبيعة الحياة في بغداد في زمن كان فيه المواطن يعيش الحياة على بساطتها…مضيفا بأن العائلة العراقية كانت أيام زمان تعيش حالة الاطمئنان والألفة والمحبة داخل المحلة الواحدة…وان سكان بغداد كانوا يتحلون بالبساطة والطيبة وحب الخير…والمراة العراقية البغدادية تعيش في كنف عائلتها بطمأنينة واحترام وكانت أكثر رقة بملابسها المحتشمة…وكانت أجواء الحياة في بغداد أكثر رومانسية رغم بساطتها…
ويشير الكاتب والباحث سعد محسن ان أيام زمان كانت سيارة الباص الحمراء والتي يطلق عليها البغادة إسم ” الامانة” أكثر انتشارا في شوارع بغداد حيث يستقلها المواطن للتنقل داخل بغداد وبأسعار زهيدة لا تتجاوز الخمسة عشر فلسا… وفي الجانب السياسي تحدث المؤلف سعد محسن عن حياة الملك فيصل الأول وهو أول ملك حكم العراق للفترة من 1921إلى 1933 … واثار فيصل الأول مع ابيه فيما يعرف بالثورة العربية الكبرى متحالفا مع الدول العظمى لتحقيق استقلال الوطن العربي عن تركيا بزعامة حزب الإتحاد والترقي ذو الميول العنصرية والعرقية والذي مارس سياسة التتريك ضد العرب..كما تحدث المؤلف سعد محسن عن قصة زواج الملك السري وعن حكايات طريفة عنه وحكايته مع السيرك البلجيكي وحكاية غرق قصر الملك وصولا إلى محاولة قتل الملك فيصل الأول.
كما تحدث الكتاب عن سيرة المسؤولين في الدولة العراقية بدءا من رئيس الوزراء عبد الرحمن النقيب وعبد المحسن السعدون الذي أقدم على الانتحار وكتب وصيته لولده علي…( أن الأمة تنتظر الخدمة.. والانكليز لا يوافقون ليس لي ظهير…العراقيون الذين يطالبون بالاستقلال ضعفاء وعاجزون وبعيدون كثيرا عن الاستقلال…هم عاجزون عن تقدير أمثالي أصحاب الشرف ،يظنونني خائنا للوطن وعبدا للانكليز…. ثم تناول حياة رئيس الوزراء جعفر العسكري وياسين الهاشمي وناجي شوكت.. ثم تناول المؤلف حياة الملك غازي بن فيصل الأول وهو ثاني ملوك العراق وكانت فترة حكمه من 1933 إلى 1939وكان ذو ميول قومية عربية كونه عاش تجربة فريدة في طفولته حيث كان شاهدا على وحدة الأقاليم العربية ابان الحكم العثماني…كما تطرق الكتاب إلى لغز وفاة الملك غازي الذي إنتهت حياته في حادث سيارة غامض عام 1939 عندما كان يقود سيارته فصدمت بأحد أعمدة الكهرباء التي سقطت على رأسه بحادث مازال يثير الكثير من الغموض.. كما تطرق المؤلف عن نهاية الملك فيصل الثاني والوصي عبد الإله وعن حكاية رئيس الوزراء الباشا نوري السعيد واسمه الرسمي محمد نوري وأبوه سعيد أفندي كاتب في محاسبة الولاية وولد نوري السعيد في محلة حارة الميدان في قلب بغداد عام 1888وكان شجاعا وحازما قال عنه لورنس ان ماتحلى به نوري السعيد من شجاعة وثقة ورباطة جأش هي التي جعلته زعيما مثاليا متميزا… وتطرق المؤلف أيضا لحكايا طريفة حدثت للباشا…
كما تحدث المؤلف سعد محسن عن نهاية الباشا نوري السعيد وآخر وجبة طعام تناولها.. إذ يقول سكرتيره الشخصي العقيد الركن فاضل العزاوي ذهبت إلى الباشا فوجدته يتناول( ثريد البامية) تناولت معه وكانت هذه آخر وجبة عشاء يتناولها بهدوء وفي صباح اليوم التالي حدثت الثورة وهرب نوري السعيد ولم ينفذ الإتحاد الهاشمي بسبب قيام الثورة وقتل نوري السعيد..
كتب شيقة
ومما تقدم فأن كتاب (على مائدة الملوك ) يعد من الكتب الشيقة والدسمة بكل ما احتواه من معلومات مهمة واخبار عن الأحداث والمجريات الخطيرة التي مرت على العراق والمؤمرات والدسائس التي حيكت ضده ومازالت .
كما وان الكتاب يعد وثيقة مهمة وتأريخية يمكن الاعتماد عليها لمن يريد الاستزادة في المعرفة والعلوم فيما يخص التغيرات الكبيرة والحاسمة التي عاشها هذا البلد وبشخوصها المتـــــعاقبة التي سجلت حضورا ومكانة يشهد لها التأريخ .























