حروف متوهجة.. كتاب جديد للصدر

حروف متوهجة.. كتاب جديد للصدر

محمد الموسوي

هذه الحروف التي تتكوّن منها الكلمات ، وهذه الكلمات التي تتكوّن منها  الجُمَل ، وهذه الجُمَل التي تكتنز بالمعلومات والأحاسيس والعواطف  ، فهل تراها تُشْبه بعضها بعضاً ؟

إنّ كلّ كتابة تمثّل كاتبها فَحَسْب ، ولا توجد كتابات متشابهة إلاّ عند مَن يُقلِّد الآخرين  !إنّ نَفَس الكاتب ووعيه وما يحمل من قِيَم ومبادئ ترتسم بين كلماته  ، ولذلك تجد القارئ يختار في القراءة إلى ما تميل إليه نفسه من الكتابات  ، وكثيراً ما نجد أنّ هناك عشاق الكاتب الفلاني لأن كتاباته تلائم امزجة هؤلاء القرّاء.

وكتابات سيدنا العلاّمة السيد حسين السيد محمد هادي الصدر،  حفظه الله  ، أثيرة عندي،  وأنا معجب بأسلوبه وأفكاره وطروحاته السياسية والإجتماعية والأدبية  ، لذلك فأنا من المتابعين الدؤوبين على ملاحقتها والتعليق عليها،  كما يكون التلميذ حينما ينطق حول كتابات أستاذه  ، فهذه الكتابات فريدة في مساراتها وأسلوبها وطريقة تناولها للأحداث،  وطرحها للمعلومة التاريخية  ، فهي تختلف اختلافاً جذرياً عن الكثير ممن يطرقون أبواب الكتابة،  ولكنهم بحاجة إلى امتلاك ناصية هذا الفن الجميل  ، فن المقالة،  فتكون كتاباتهم قد فقدت أهم أركانها وهي التأثير في القارئ. وتمتاز كتابات سيدنا العلامّة الصدر،  حفظه الله  ، بما يُصطلح عليه ( السهل الممتنع ) فيتصوره البعض سهل المرام  ، ولكنه حين يحقق ويدقق يراه في غاية البراعة والبلاغة  ، وهذا ناتج من تمكّن العلامّة الصدر  ، حفظه الله،  من أدوات الكتابة من جميع أطرافها  ، فهو أستاذ الفقه  ، وهو الشاعر المُجلّي،  وهو المجاهد الوطني في حياته الجهادية داخل العراق وخارجه  ، وهو صاحب جريدة ( المنبر ) تلك الجريدة التي كانت من أبرز الأصوات المدوّية في أيام المعارضة خارج الوطن ، وقبل هذا وذاك فهو ذلك الإنسان الألمعي والاريحي،  وصاحب  رسالة إنسانية  ، يعيش عصره بكل وجوده وكيانه  ، ويتفاعل مع الأحداث بما فيها من مرارة أو حلاوة ، ويعطي رأيه بكل ثقة  ، وبتلك الروح الإنسانية المهذبة من نزغات الأنانية  ، والمكتنزة بروح الإسلام الأصيل  .وبين يدي الآن الجزء السابع والستون من ( موسوعة العراق الجديد  ) وهو يُبحر بنا بين( حروفه المتوهجة ) في عوالم متنوعة وجميلة يربطها الإيمان بالله سبحانه  ، والإيمان بالوطن،  والإيمان بالإنسان  ، وتلك هي الثلاثية التي تدور كتابات سيدنا العلامّة الصدر  ، حفظه الله  ، في مداراتها الأنيقة  ، وهي مدارات تنثّ علينا من أريج هذه الحروف المتوهجة  ، ومن قلم مغمّس بالحب والإيمان والإبداع.

ولادات  ووفيات

إنّ المتابع لكتابات سيدنا العلاّمة الصدر  ، حفظه الله  ، يلاحظ أنه حريص أشدّ الحرص أن لايترك مناسبات الولادة أو الوفاة لأئمة أهل البيت عليهم السلام  ، إلاّ وله لمحات واستذكارات لهم  ، وهنا يذكر الإمام جعفر الصادق عليه السلام  ، بذكرى استشهاده  ، وفي هذا يذكر عدة مواقف للإمام عليه السلام  ، ومنها،  روي إن رجلاً جاء للإمام الصادق عليه السلام وقال له : وقع بيني وبين قوم منازعة في أمر  ، وأني أريد أن أتركه فيقال لي  : إنّ تَرْكَكَ له ذُلّ .

فقال له الإمام الصادق عليه السلام :

( إنّ الذليل هو الظالم  ) .

فما أروعها من كلمة  ، وما أعمقها من حكمة  ، لو عقلها الإنسان  !

 ويستذكر يوم المقابر الجماعية الذي خُصص اليوم السادس عشر من شهر أيار من كل عام لشهداء المقابر الجماعية  ، فيقول:

(( على الذين يكثرون من الحنين إلى تلك الأيام السوداء وفارسها أن يجيبوا على هذا السؤال الكبير  :

إذا لم يكن قاتلُ مواطنيه الأبرياء مجرماً فمَن هو المجرم الذي يستحق اللعن؟ )) .

ويتطرق سيدنا العلاّمة الصدر ، حفظه الله  ، إلى أصحاب الفكر  ، فيقول  :(( القادرون على العطاء والاثراء من المفكرين والأدباء ورجال الثقافة…. ليسوا بقليلين  ، ولكنهم ليسوا جميعاً من الناشطين في مضمار التنوير والسعي للتغيير)). ويتطرق سيدنا العلامة الصدر،  حفظه الله  ، إلى نمط من الناس  ، ديدنهم التشكيك بكل شيء  ، وهنا نتذكر في تأريخ الفلسفة الإغريقية جماعة  ( المشكّكين  ) الذين يشكّون حتى في شكّهم !

(( هناك نزعة تشكيكية تستقر في أعماق بعض الناس فتدفع بهم إلى ألوان من  الشكوك والارتياب في أقوال الآخرين وأعمالهم  ! وهؤلاء يَتْعبون  ويُتْعبون  .

إننا مأمورن بمقتضى أحكام الشرع أن نتعامل مع الناس وِفْقَ الظاهر  ، أما الباطن المخفيُّ فلا يعلمه إلاّ علاّم الغيوب  ) .وللوطن حصّته الكبيرة في هذا الكتاب  ، بل هو عموده الفقري  ، وخصوصاً أن العراق يمرّ بمنعطف تأريخي كبير  ، والانتخابات قريبة  ، ولسيدنا العلامّة الصدر  ، حفظه الله  ، رأى صريح في الإنتخابات  :(( إننا مع إجراء الإنتخابات  في موعدها المقرر  ، ومع المشاركة فيها  ، بشرط الإلتزام بمراعاة المعايير الموضوعية المتمثلة بالكفاءة والنزاهة والمهنية والإخلاص  والقدرة على النهوض بالخدمة الصادقة بعيداً عن الانحياز للعامل الطائفي أو العشائري أو الحزبي  ، وما سوى ذلك من العوامل المخالفة لتلك المعايير)).

عصية الالتزام

ونحن نرى أن هذه المعيير عصيّة الإلتزام بهذا  بدون تكثيف الوعي الوطني ومسؤولية المواطن ووعيه لكي يختار الذي يلتزم بالمعايير الوطنية الصادقة ، فلقد شاهد المواطن العراقي كيف كان حال الإنتخابات الماضية  ، وكما يقول سيدنا العلاّمة الصدر،  حفظه الله  :

(( ليس من شأن أصحاب الحس بالمسؤولية أن يلتزموا الصمت إزاء ما يجري في الوطن الحبيب من انتهاب فظيع لخيراته  )) .

إنّ سيدنا العلاّمة الصدر  ، حفظه الله  ، قد شخّص الداء المزمن في العراق الجديد  ، وعلى المسؤولين الانتفاع من هذه الإرشادات والوصايا : (( إنّ أهم أسباب الأزمات والمشكلات( في العراق الجديد  ) غياب النزعة الموضوعية  ، واستحواذ النزعات الحزبية والطائفية والعشائرية والمناطقية على معظم السلطويين)). وقال  ، حفظه الله  :(( من صفات المؤمن أن يُحبَّ  لأخيه ما يحب لنفسه  ، والانانيون جميعاً أبعد الناس عن مقتضيات الإيمان  ، والمشاعر الإنسانية  ، ورهافة الحس الوطني  ، والسمو الأخلاقي  )).