
الجنون فنون – حسين الصدر
-1-
العُجْبُ بالنفس والعشيرة قد يصل الى حدٍّ يساوق الحماقة والجنون ، فما قُوْلكَ في مَنْ يرى نفسه خيرَ الناس كلهم ؟
ولا يكتفي بذلك بل يُقسم بأغلظِ الايمان على صواب رأيه ..!!
-2-
وقد تُنكر ما ذكرناه وتقول :
ومَنْ هو هذا المغرور بنفسه ؟
فنقول :
اليك القصة :
زار الجاحظ مع أحد الهاشميين أبا الربيع الغَنَويّ ، فقال له :
” من خيرُ الخلق يا أبا الربيع ؟
فقال :
الناسُ واللهِ “
يعني انّ الانسان هو خير مخلوقات الله
فقال له الجاحظ :
” ومَنْ خير الناس ؟
قال :
العربُ واللهِ “
وهكذا فَضّل العرب على كُلّ القوميات بقول مطلق ..!!
فسأله الجاحظ :
” فَمَنْ خيرُ العرب ؟
قال :
مُضَر واللهِ “
فسأله الجاحظ :
” فَمَنْ خيرُ مُضر ؟
قال :
قَيْس واللهِ “
فسأله الجاحظ :
ومَنْ خيرُ قَيْس ؟
قال :
أعْصُر واللهِ “
فسأله الجاحظ :
فمن خيرُ أعصر ؟
قال :
غنيّ واللهِ “
ثم ٍسأله الجاحظ :
” فمن خَيرُ أعصر ؟
قال :
غنيّ والله “
وأخيراً سأله الجاحظ :
” فمن خير غنيّ ؟
قال :
أنا واللهِ “
فقال له الجاحظ :
” فأنت خيرُ الخلق ؟
قال :
اي واللهِ “
راجع معجم الأدباء / ج16 ص 86
-3-
والأن :
قد تسأل وتقول :
وهو هناك مَنْ يبلغُ به الإعجاب بنفسه الى أنْ يكون كأبي الربيع ؟،
أم أننا في الألفية الثالثة قد تجاوزنا أمثال تلك النماذج ؟
والجواب :
إنّ بعض مَنْ سجلوا الأرقام القياسية في الفشل الفظيع، مازالوا مُصّرِين على أنهم الأجدر والاحق بتسنم مقاليد الأمر، ولم يَكْفِهم ما اجترحوه مِنْ خطايا وأخطاء ، وهؤلاء عندي يفوقون أبا الربيع الغنوي نرجسيةً وذوباناً في الذات، وحرصاً على أنْ تكون كلمتهم العليا، لا في النطاق الشخصي فحسب، بل في النطاق السياسي والاجتماعي ، وهم بهذا يُضيفون أرقاما جديدة الى أرقام نادرة سجلها لنا التاريخ، وما هذه الحالة الاّ الجنون بعينه .
انهم مجنونون ولكنهم لا يشعرون .
واننا بهم مبتلون
انا لله وانا اليه راجعون .
























