البروفيسور ناجح الراوي .. وسام على صدر العراق – عبد الستار الراوي

البروفيسور ناجح الراوي .. وسام على صدر العراق – عبد الستار الراوي

عندما نتحدث عن العالم الجليل البروفيسور ناجح الراوي، فإننا نتحدث عن نهضة العراق وعن هويته الحضارية، وعن صفحة مضيئة في تاريخ وادي الرافدين، الذي شيد بعلمائه ومبدعيه موقعه الريادي وحضوره العلمي على امتداد الوطن العربي وعلى صعيد الهيئات الأكاديمية في العالم.

(1)

يعد كتابه (محطات.. وذكريات) سردية كبرى، ويشكل معجماً فريداً من نوعه وفي بابه يكتظ بالأمكنة والأزمنة وسلسلة مديدة من الأسماء الوقائع ويضم لائحات غنية بالأسماء والشخصيات وكان حريصاً أن يقف بإكبار أمام مقام معلميه في مراحل دراساته المتتالية، وصفاً طويلاً من المعلمين والمدرسين والأكاديميين، وكان باراً بأساتذته الذين تلقى تعليمه على أيديهم، ويتميز بسلاسة الأسلوب، وجمالية التعبير، تتداعى الأحداث وتتالى المرئيات في تسلسل إيقاعي منظم، مفعم بالحيوية، مما يجعل القارئ يتفاعل مع النص وكأنه جزء من المشهد.

(2)

أولاً: معرفة الذات لدى الراوي:

رحلة الحياة والعمل: كانت الطفولة أولى حلقاتها النفسية والتربوية والبيئية، منذ السنوات  الأولى في قرية الرومية، حيث ولد في بيت عريق سليل العلم والعرفان والريادة الروحية، فجده الأكبر الشيخ الجليل رجب الكبير، أبرز أعلام التصوف الإسلامي في القرن الثامن عشر ورائد محو الأمية وتعليم الكبار في قرية راوة، فقد خصص الشيخ الجليل، قبل أكثر من مائتي سنة، زاوية في مسجده (الذهب) لتعليم القراءة والكتابة، ولعلها المبادرة الأولى من نوعها بتاريخ التعليم المدني في العراق.

ومن رحاب القرية الوادعة وأجواء الأسرة الروحية وجد الطفل نفسه ميالاً إلى المعرفة وتحصيل العلم، كان مزوداً بخبرة البداية، لحظة  التقط فيها أول خيوط النور يوم ختم القرآن الكريم، فشرعت أمامه الأبواب للتعليم المنظم  خطوة أخرى لبناء الذات وتنمية القدرات المعرفية، وهكذا واصل مراحل التعليم المدرسي في راوة وعانة حتى منتهاها، لينتقل، بعدها، إلى دراسته الأكاديمية الأولية والعليا، وأدرك الراوي أن الإنسان مزيج من قدرات وملكات شخصية، وهو بامتلاكه العقل يمكنه التحليل وبناء المنطق، وقد عرّف الذات بأنها الوعي والإدراك الحسي الذي يأتي من البحث وراء مسببات الأشياء، والوجود، وتالياً، فإن الحياة قائمة على البحث، والتفكير والمعرفة التي تُكوّن الوعي والإرادة، وقدرة ذاتية على إنتاج حلول عملية، وبالقدرة ذاتها يستطيع تحويل  مجهولات العلم إلى معلومات، والتمييز بين الخطأ والصواب، ويحسن التعامل معهما.

ثانياً: المعرفة

لدى الراوي رحلة بلا انقضاء، فالإنسان الذي ينشد الظفر بالحقيقة في عالم الذكاء الرقمي وثورة المعلومات، يبقى تلميذاً في الحياة والعمل سواء بسواء، فالتعلم المستمر يعني بحثاً من دون توقف، واستيعاباً بتجدد، يليه التمثل الخلاق والتفكير الابتكاري وما يترتب عليه وعلى مآلاته من نتائج التقنية لبناء القاعدة العلمية القادرة على الانتقال من استيراد التقنية إلى انتاجها، وهو المنهج التطبيقي الذي حرص الراوي على ترسيخ تقاليده في المؤسسات العلمية التي عمل فيها خبيراً وعالماً وقائداً إدارياً.

ثالثاً: المنهج:

 في مذكراته، يؤكد الراوي أهمية منهج العمل العلمي في التنمية الشاملة وضرورة أن يكون لكل مؤسسة في البلاد برامجها وأولوياتها من حيث التخطيط الدقيق، وتقدير الاحتمالات، شرط أن يقترن ذلك كله بالعزم الإرادي للعاملين، وتتبدى المسؤولية الجوهرية في تحقيق (الجودة) التي لا حدود لها.

إن الإعداد الذاتي والبناء النفسي المتماسك، والشغف المعرفي المتصل والإرادة الحرة، هذه السجايا التي اتسمت بها شخصية الراوي، وجدت تعبيرها الخلاق في ميدان العمل، فقد حوّل الوصايا النظرية، إلى أخلاقيات تطبيقية، وبرامج عمل، فكان الصدق النفسي والتفاني  والإيثار والوضوح الرشيد، تبلور كلها معنى وجوهر المسؤولية، وهو الارتقاء بالعمل من الأداء الوظيفي (الكمي) إلى الجهد الابتكاري، الذي يعزز فكرة البناء الاستثنائي (النوعي)  ويطور آليات الأداء المسؤول، ومن هنا كان للراوي حضور قوي، في مراحل حياته كلها: النظرية والعملية، وطبقا لتكوينه الذاتي، فالراوي لم يسع إلى منصب بعينه، ولم يحاول الظفر بوظيفة بذاتها، بل كانت المسؤوليات تنجذب إليه بوصفه خبيراً كفوءً وعالماً معروفاً  وأكاديمياً رصيناً.

يقول البروفيسور الراوي:

“تسلمت مسؤوليات عميد معهد، وعميد كلية، ووكيل وزارة ووزير، وعلى الصعيد الجامعي تمت ترقيتي العلمية من مدرس إلى أستاذ مساعد إلى أستاذ إلى أستاذ متمرس، بأوقاتها المحددة، من دون تأخير. وعملت سنواتٍ رئيساً لمجلس البحث العلمي، ثم رئيساً للمجمع العلمي العراقي وعضوا فيه، وعضواً مراسلاً في مجمع دمشق، وعضواً مؤسساً في الأكاديمية الإسلامية للعلوم”.

( 3)

الراوي الذي عهدت إليه العديد من المسؤوليات العلمية والمهنية وسجل تفوقاً في إدارتها وتطوير أدائها، يتوقف عند تجربته في مجلس البحث العلمي، إذ يعدّها تجربة فريدة في حياته ويبدي اعتزازاً استثنائياً بها بين محطات العمل التي خاضها، ويتحدث بلغة الأرقام التطوير النوعي الذي أحدثه في بنية عمل المجلس واستراتيجيته، فالمتغير كان كمياً ونوعياً، إذ زاد الملاك من 52 دكتوراه إلى 250 ومن 48 ماجستيراً إلى 350 خلال الحقبة 1980 – 1989 يساعدهم عديد من حملة البكالوريوس الذين زاد عديدهم من 210 إلى 510.

وأصبح ثلث براءات الاختراع التي تسجل من عراقيين هي ملك المجلس، وأخذ المنتسبون يسهمون في الإعلام العلمي، بصفة متميزة.

وأسهم المجلس بتدريب الطلبة فبلغ مجموع المتدربين 2328  طالباً وتفرغ للعمل في المجلس لمدة سنة 78 تدريسياً، تفرغاً كاملاً و218 تفرغاً جزئياً، وأنجزت في المجلس 222 أطروحة بإشراف الباحثين. أصبح المجلس مركزاً للمؤتمرات والندوات العلمية وبؤرة للنشاط اليومي، حيث بلغ عديد البحوث المنشورة 2299 بحثاً وتم التوجيه، تدريجياً، إلى التمويل الذاتي، من خلال العقود المبرمة، فبلغ 1.750 مليون دينار من ميزانية المجلس التشغيلية للعام 1989 البالغة 8.250 مليون دينار والأهم، كمؤشر، إذ ارتفعت إنتاجية الباحث من 0.3 بحث إلى 1.25 بحث للباحث سنوياً، أي خمسة أضعاف خلال تسع سنوات وتحسنت البحوث إلى 38 بالمئة بحوث أصيلة نشر منها 23 بالمئة في مجلات علمية مرموقة خارج القطر، وأصبح لدى المجلس 9 مجلات علمية تستقطب بحوث الباحثين والأساتذة. وأصبح لدى المجلس مختبرات علمية يعتز بها وقاعات محاضرات ومباني وحدائق توفر جواً علمياً مناسباً.

وعن مستويات الإنجاز المتحققة، يلقي الراوي سؤالاً صادحاً: ماذا يعني هذا كله وما هي الأسباب التي أدت إليه؟

أولاً: إن أحد الأسباب يعزى إلى قواعد الخدمة.. تقييم الأداء الجدي في المجلس خلق نوعاً من التنافس بين الباحثين وبين المراكز.

ثانياً: توفير الحرية لدى الباحثين: حرية السفر وحضور المؤتمرات العلمية داخل العراق وخارجه.

ثالثا: انسيابية التعامل الإداري، فالمعاملة تقدم إلى رئيس المجلس وتخرج في اليوم نفسه من دون تأخير، وأهم من ذلك الشعور بالانتماء.. فالباحثون جميعاً شعروا أنهم أُسرة واحـدة.. أسرة المجلس.. وهم حريصون عليها.. وزيارة رئيس المجلس الدورية إلى المراكز والمختبرات والتعرف عن قرب إلى الباحثين وحل بعض مشكلاتهم خلق علاقة متينة بين الرئيس والباحثين. صبح المجلس متقدماً على مستوى الوطن العربي يُستفاد من تجربته ويُقتدى ويُشاد به على مستوى اتحاد المجالس العربية، خلال تلك الحقبة من الزمن، ومن يدخل إلى المجلس يشعر أنه في جو آخر غير الدوائر الحكومية الأخرى. السلام الى روح العالم الجليل في عالمه الأبدي مع النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشـــــُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ  وَحَســــُنَ أُولَ?ئِكَ رَفِيقًا..