
جانب بغداد .. النشأة والتكوين
من السور المدوّر في الكرخ إلى السور المقوّس بالرصافة .. دجلة يسقي تاريخ بغداد
محمد مظفر الأدهمي
شيد الخليفة العباسي ابو جعفر المنصور بغداد المدورة على ضفة نهر دجلة في جانب الكرخ وسكنها عام 145 هـ ،لتكون عاصمة الدولة العربية الاسلامية في العصر العباسي الاول ، وقد شهدت هذه المدينة العريقة العطاءات الحضارية التي ابهرت العالم في وقت كانت اوربا تعيش عصر الاقطاع والتخلف وتغط في دياجير الظلام ، فكان عهد الخلفاء العباسيين ابو جعفر المنصور وهارون الرشيد والمامون نبراسا للعلم والمعرفة والتقدم والتطور الحضاري في شتى الحقول والمجالات.
وقد امتد هذا العصر سبعون عاما الى ان توفي الخليفة المامون عام 218 هجرية /833 ميلادية ليقوم المعتصم ، وهو الابن الثالث لهارون الرشيد بنقل العاصمة من بغداد المدورة الى سامراء بعد ثلاث سنوات من استلامه الخلافة، لان اهل بغداد اشتكوا من تصرفات حرسه وجنده الاتراك بعد ان اصبحوا مصدرا للفتن والقلاقل في المدينة ، ففقدت بغداد المدورة مكانتها السياسية وألقها كعاصمة للدولة العربية لاسلامية التي تمتد حدودها من الصين الى المغرب العربي .لكنها بقيت مدينة اقتصادية وزراعية مهمة .الا ان عمرانها وسورها وقصورها قد بدات بالتدهور خصوصا بعد فيضان نهر الفرات عام 941 م، ، بسبب انهيار السد المقام على نهر عيسى ، فدخلت المياه شوارع وازقة وبيوت المدينة المدورة وما حولها فدمرتها، ثم اعقب الفيضان إعصارمدمر في العام نفسه فنزلت صاعقة على قبة المنصور الخضراء المجاورة للجامع فاسقطت راسها، وهي القبة التي شيدها المنصور لتطل على المدينة بكاملها ، واصبحت القبة ماوى للبوم والغربان عندما هجر الخلفاء العباسيون بغداد المدورة بعد وفاة المامون ونقل المعتصم مقر العاصمة الى سامراء،التي استمرت عاصمة للخلافة العباسية مدة نصف قرن من الزمن ، حكم فيها ستة خلفاء هم المعتصم والواثق والمتوكل والمنتصر والمستعين والمعتز ، وقد شهدت سامراء سيطرة حرس الخلفاء التركي على مقاليد الامور بحيث انهم تدخلوا في شؤون الخلافة ، فقاموا بقتل الخليفة المتوكل ونصبوا مكانه ابنه المنتصر ، ولم يدم حكمه سوى ستة اشهر أعقبه المستعين الذي استفحلت في عهده سيطرة قادة الحرس الاتراك ، فلم يتحمل الخليفة المستعين ذلك واخذ يتحين الفرص لانقاذ الخلافة من تسلط القادة العسكريين الاتراك وجبروتهم، فلجأ الى العناصر العربية الذين نقلوه سرا من سامراء الى بغداد الشرقية ،المعروفة اليوم بالرصافة، والتي كانت قد نمت بعد ترك الخلفاء المدينة المدورة،ونصب الاتراك في سامراء الخليفة المعتز وهيأوا انفسهم للهجوم على بغداد الرصافة بهدف انهاء حكم الخليفة المستعين فيها المنافس للخليفة المعتز في سامراء . فأعد المستعين العدة مع مؤيديه وانصاره للدفاع عن انفسهم في بغداد ،. وقامت الحرب بين الطرفين ، لكن المعركة انتهت بهزيمة المستعين ونصر المعتز الذي نصبه قادة الحرس الاتراك خليفة في سامراء . وهكذا بقيت سامراء العاصمة الادارية ، واستمرت مقرا للخلافة في زمن الخليفة المعتمد الذي كان قد قد زار منطقة بغداد الشرقية قبل سنوات ووجد فيها ارملة الخليفة المامون( بوران) تسكن القصر الجعفري و قد بلغت من الكبر عتيا ، وعندما ماتت ، جعل من القصر مقرا له واعلن عن رغبته في نقل عاصمة الخلافة من سامراء الى بغداد الشرقية المعروفة الان بالرصافة ،وهكذا ومنذ اواخر القرن الثالث للهجرة /التاسع الميلادي اصبحت بغداد الشرقية وعلى مدى 350 عاما عاصمة العباسيين ولم ينقل مقر الخلافة منها بعد ذلك ابدا.
بغداد العاصمة
استقر الخليفة المعتمد على الله في القصر الجعفري ، فصار مقرا رسميا للخليفة العباسي ، وعندما استلم المعتضد بالله الخلافة ازدهرت بغداد الشرقية في عهده وان كان قصير الامد ، فقد اعاد تنظيم حكومة المدينة واصلح القضاء. واهتم المعتضد ببناء القصور على ضفة نهر دجلة الشرقية ، فوسع القصر الجعفري واصبحت الاراضي التي تقع الى شرقه حدائق غناء ، وابتنى قصر الفردوس واقام فيه حديقة للحيوانات الوحشية وبركة ماء ، كما ابتنى قصرا ثالثا اسماه قصر الثريا يتصل بالقصرين السابقين بنفق ، وكانت سيدات القصر وجواريهن يتجولن فيه ، ووضع المعتضد قبل نهاية عهده اسس قصر التاج الذي اصبح فيما بعد مقرا لخلفائه . ذولم يكتف المعتضد بهذا ، بل التفت الى بغداد المدورة المهملة ، فقام بهدم قسم من قصر باب الذهب القديم ليوسع الجامع الملاصق له.
واستمرت المشاريع العمرانية في عهد الخليفة المكتفي بالله والتي كان والده المعتضد قد قام بها في بغداد الشرقية ، فاكمل المكتفي قصر التاج على نهر دجلة ، وزين واجهته بحجر مزخرف جلبه من ابنية طيسفون المدائن، واقيمت في بساتين القصر قاعات عدة وبيوت صيفية وقبب عرفت احداها بقبة الحَمَّار لها طريق مُدَرًجَة الى الاعلى ليستطيع الخليفة ان يصعد دون تعب ليتمتع بمناضر دجلة وبساتينها ، وابتنى المكتفي في قصر التاج جامع الخلفاء وفتح ابوابه للناس جميعا فاصبح الجامع المفضل لاهالي بغداد.
تولى الخلافة العباسية من بعد المكتفي اخاه الاصغر الملقب بالمقتدر بامر الله ،وكان عهده طويلا ،وعلى الرغم من ضعفة في الجانب الاداري الا انه اظهر اهتماما كبيرا في اعمار بغداد ، فجعل الاراضي الواقعة بين قصور الخلافة على نهر دجلة حديقة للحيوانات الاليفة ،وابتنى دار الشجرة ،وقد سميت بهذا الاسم لوجود شجرة من فضة نصبت في فنائه في وسط بركة ماء ،وللشجرة ثمانية عشر فرعا تقف على اغصانها طيور صنعت من الذهب والفضة .
الحكم الاجنبي
لم تستمر ايام بغداد الجميلة الهادئة ، حين بدأت مرحلة من التدهور الامني مع خلافة المقتدر نفسه عام 908 م/297 هـ ، اي في مطلع القرن العاشر الميلادي اواخر القرن الرابع الهجري ،فقد ادى تدهور الادارة الى ضعف نفوذ بغداد على الاقاليم البعيدة بالتدريج ، وعم الفساد البلاد ، ولعل اسوأ وجه من اوجه حكم الخليفة المقتدر ظهور التعصب المذهبي وما خلفه من آثار سيئة في حياة بغداد التي غالبا ما تضرجت شوارعها بالدماء بسبب ذلك الصراع دون ان تتمكن سلطة الخليفة من ضبط الامن والامان ، فكثرتمرد الرعاع والفوضويين والغوغاء ، ولم يعد باستطاعة اهل بغداد الحصول على مواد التموين ، فشاع الغلاء والقحط واستمر شهورا . وهكذا ومع ضعف سلطة الخليفة العباسي وعدم تمكن الخلفاء من وضع حد لهذه الفوضى والاضطرابات التي استمرت 43 سنة ، جاء الاحتلال الاجنبي من الشرق ، فاحتل البويهيون بغداد عندما دخلها بعسكره احمد البويهي عام 945 م/ 334هـ الذي اهان الخليفة المستكفي بالله واجبره على منحه لقب (معز الدولة ) على اساس انه اعز الدولة العباسية بعد ان كانت ذليلة.
لم يكن احتلال البويهيين للعراق انقاذا من الفوضى ، بل عززوا الفساد شانهم شان اي محتل اجنبي ، ونتيجة لسوء التصرف باموال الدولة ونهبهم اموال الخزينة لمصالحهم الشخصية اوجد البويهيون الاقطاع العسكري، فصار الجند وضباطهم يُقطَعون اراض زراعية لاستثمارها لان الحكومة البويهية لم يعد لديها اموال لدفع الرواتب . ولذلك عانى اهالي بغداد من الغلاء ، ووصل الامر في بعض الاحيان الى اكلهم الميتة والقطط والاعشاب مما سبب انتشار الامراض وكثرة الموتى وبيعت العقارات برغيف خبز ، فهجر الناس بغداد بعد ان سمح المحتلون البويهيون للغوغاء باستباحتها .
انهار حكم البويهيين في العراق عندما استنجد الخليفة العباسي القائم بامر الله بالسلطان السلجوقي طغربل بك، فكانوا أهون الشرين لان بغداد شهدت استقرارا في مرحلتهم وانتهى عهد الفوضى واعمال الغوغاء ، الا ان لعنة الطبيعة كانت لاهالي بغداد بالمرصاد ، فقد حدث فيضان هائل في دجلة اغرق المدينة في آخر سنة من حكم الخليفة القائم بامر الله عام 466 هـ /1073 ميلادية .ومما زاد في فداحة الكارثة ان طغيان مياه الفيضان حدث ليلا عندما انكسرت السدة ، فتدفقت المياه في الشوارع والبيوت ، وسقطت الابنية ، وصار قسما كبيرا من بغداد الشرقية خرابا ودمارا ، وعندما انتهى الفيضان كان لابد من اعادة اعمار بغداد في عهد الخليفة المقتدي بامر الله الذي خلف جده القائم بامر الله سنة 1074 م/467 هـ .
بناء سور بغداد الرصافة وابوابه
كان الخلفاء العباسيون واهالي بغداد يتطلعون الى اليوم الذي سيتخلصون فيه من الحكم الاجنبي السلجوقي ، فكان لهم ما ارادوا عندما ضعف السلاجقة نتيجة الصراع فيما بينهم على الحكم والسلطة في دولتهم السلجوقية ، وقد بدأت مظاهر التخلص من هيمنة السلاجقة وسلطتهم في عهد الخليفة المستظهر الذي خلف اباه المقتدي عام 1094 م /487 هـ ، الذي شهد عهد هذا الخليفة بداية انحسار سلطة السلاجقة في العراق واخذ سكانه العرب يتهياون للنهوض ،واصبحت لهم مكانة مرموقة ، وباشروا باعادة اعمار بغداد الشرقية ببناء سور متين لها لحمايتها من اي هجوم يقوم به السلاجقة من جديد، ويذكر المرحوم د مصطفى جواد ان بناء السور بدأ في عهد الخليفة العباسي المستظهر بالله سنة 488هـ/1095 م حسبما يذكر ابن الجوزي في كتابه المنتظم ، ولم ينجز السور الا في عهد الخليفة المسترشد بالله سنة 517هـ/1124 م ،اي ان بناءه استمربشكل متقطع مدة 29 سنة. وقد امتد السورالمقوس حول بغداد من شمالها عند ضفة نهر دجلة في منطقة باب المعظم حاليا ، وامتد حولها الى جنوبها عند ضفة نهر دجلة في منطقة الباب الشرقي في ساحة التحرير حاليا .وكان عبارة عن جدار سميك مبني بالطابوق والجص والنورة بعرض خمسة امتار ونصف ، وللسور مسنايات لحمايته من الفيضانات ،ويحيط به خندق ياخذ الماء من نهر دجلة عرضه 5?50 متر . وللسور 117 برجا.
ساهم اهل بغداد في بناء السور باموالهم واعمالهم ، وكانت واجباتهم مقسمة حسب المحلات ، حين خصص لكل محلة اسبوع للمساهمة في بناء السور الذي استغرق بناؤه مدة حكم سبعة خلفاء عباسيين .لقد كان العمل طوعيا اضطلع به اهل المحلات البغدادية ، وسط احتفالات شعبية تدق فيها الطبول والاهازيج .
وكان للسور اربعة ابواب ،الباب الشمالي ويسمى باب السلطان ،او باب المعظم وبينه وبين ضفة نهر دجلة 12 برجا .وتدل صورته على انه كان بشكل حصن صغير مستطيل الشكل يتوسطه باب وفوق الباب اماكن للحراسة والدفاع ، وله برجان عاليان لهما مزاغل لرمي السهام على العدو.
اما الباب الثاني فيسمى باب الظفرية او الباب الوسطاني الذي ياتي بعد باب السلطان ، ويتالف الباب من برج ذو مظهر اسطواني الشكل من الخارج بينما له ثمان اوجه من الداخل .ويستقر هذا الباب على اسس متينة بعمق 3 امتار , وله قنطرتان على خندق السور ، وكان يتميز عن غيره من الابواب بالفخامة والمتانة والقدرة على مقاومة الاعداء .
واطلق على الباب الثالث اسم باب الحلبة لوجود حلبة سباق في مكانه قبل انشاء السور ، وعرف عند اهل بغداد بباب الطلسم لوجود نقش حجري في اعلاه بصورة رجل يمسك تنينين من لسانيهما ، اضافة الى نقوش وزخارف اسلامية .ويمكن القول انه كان يقع بمحاذات محلة الشيخ عبدالقادر الكيلاني .وقد هذا الباب السلطان العثماني مراد الرابع عندما طرد الفرس الصفويين من بغداد في القرن السابع عشر الميلادي للحيلولة دون دخول بغداد من جهة بلاد فارس ..اما الباب الشرقي فاطلق عليه اسم باب كلواذى.
لقد بقيت هذه الابواب شاخصة حتى بعد تهديم السور زمن الوالي العثماني مدحت باشا عام 1870 ثم ازيلت الابواب بالتدريج، فالباب الثالث ،باب الطلسم بقي شاخصا الى يوم 11 اذار 1917 عندما دخل الجيش البريطاني بغداد فقام الجيش العثماني المنسحب بتفجيره لان فيه مشاجب البارود نسفه العثمانيون .
وفي عشرينات القرن العشرين وبعد تاسيس الدولة العراقية الحديثة تم هدم باب المعظم ، وفي ايار من عام 1937 هدمت امانة العاصمة الباب الشرقي ،باب كلواذى ، تماشيا مع نزعة التحديث ، ولم يبق من ابواب سور بغداد الشرقية الاربعة سوى باب الظفرية ، اي الباب الوسطاني الذي مازال شاخصا الى الان يحكي قصة سور بغداد وخندقه وابوابه المندثرة.
حملة الاعمار
كان حكم الخليفة العباسي الناصر لدين الله طويلا بعد التخلص من السلاجقة ونفوذهم، فقد استمرت خلافتة خمسة واربعون عاما (1180-1225 م) تم خلالها اعمار بغداد وعادت عاصمة ادارية حقيقية، وساد العراق حياة سلم وبناء ،فكان عصر الخليفة العباسي الناصر لدين الله عصر تقدم وازدهار. لقد انشأ الناصر لدين الله بنايات كثيرة في بغداد فيها منافع للناس ،واعاد بناء باب الحلبة ، وبنى سدا في المكان الذي يدخل فيه الخندق المائي الى المدينة لدرء الفيضان،واصلح قبة الشيخ معروف الكرخي ، وحينما دخل الرحالة ابن جبير بغداد وجد فيها جسران .
وكانت المدرسة النظامية في عهد الخليفة الناصر لدين الله مركزا مهما للعلوم ، وقد ذكرها ابن جبير في رحلته الى العراق وزيارته لبغداد ،.وذكر انه شاهد الخليفة الناصر لدين الله في نهر دجلة وهو يتجه الى قصره على ضفة النهر ، ووصفه بانه حسن الشكل جميل المنظر ابيض اللون معتدل القامة ذو لحية شقراء صغيرة، ويضيف ابن جبير ان الخليفة الناصر لدين الله كان يؤثر التحبب للناس والظهور للعامة ،وقد سعد الناس بايامه رخاءا وعدلا وطيب عيش .
كما وصف ابن جبير اسواق بغداد وحماماتها بالقول
(( وبغداد الشرقية حافلة باسواقها العظيمة الترتيب ، تشتمل على بشر لا يحصيهم الا الله ،وفيها ثلاثة جوامع : جامع الخليفة متصل بداره ،وجامع السلطان وجامع الرصافة ، والرصافة هي تربة الخلفاء العباسيين ،واما حمامات المدينة في جانبيها الغربي والشرقي فتصل الى الف حمام ، وفي بغداد من المدارس ثلاثون مدرسة بما فيها النظامية ، ولبغداد الشرقية اربعة ابواب في سور يلتف حولها كنصف دائرة مستطيلة، وبالجملة فشأن هذه البلدة اعظم من ان يوصف .))
ان اشهر من جاء من الخلفاء العباسيين بعد الناصر لدين الله هو المستنصر بالله الذي شيد المدرسة المستنصرية التي ما زالت بنايتها قائمة على ضفة نهر دجلة الشرقية،وكانت تدرس فيها معظم العلوم وفي مقدمتها الطب ،وفيها مستشفى فيه افضل التجهيزات الطبية في ذلك الزمان ، كم كان في المدرسة مطابخها الخاصة وحماماتها ومشروع لاجراء الماءلها ولطلابها ، ومنهم من كان يسكن في اقسامها الداخلية ممن ياتون للدراسة من خارج بغداد او العراق ، وقد اشتهرت المستنصربة بساعتها المائية لضبط اوقات الدراسة والصلاة .
لقد نهضت بغداد في عهد الخليفتين الناصر لدين الله والمستنصر بالله ومن جاء من بعدهما ، وعاشت استقرارا جيدا في فترات حكمهم والتي استمرت 74 سنة الى ان غزا هولاكو بغداد عام 656 هـ /1258 م، واستباحها وقتل اهلها ونهبها وخربها ، واسقط الخلافة العربية الاسلامية ودولتها الى الابد.























