
التشرينّيون إلى أين ؟ – لويس إقليمس
بين متفائلٍ لحدّ النشوة والثقة ومتشائمٍ لحدّ اليأس والإحباط تتراقص كالسراب المجهولِ العنوان أحلامُ العراقيين بكلّ مشاربهم وطوائفهم وتوجهاتهم الدينية والعرقية والطائفية. فوسط ما يجري من انتكاسات متكرّرة على الصعيدين الأمني والسياسيّ المضطربَين بسبب تغوّل قوى الميليشيات والفصائل المسلحة الخارجة عن سلطة القانون والتي لا تدين بولائها لقوةّ الدولة ودستورها وقوانينها بل للجارة الشرقية في كلّ شيء، يقف الشعب العراقي حائرًا متسائلاً إن كان مصيرُه سيبقى معلَّقًا في مهب الرياح العاتية لسنواتٍ عجافٍ أخريات، أم سيأتيه الفرَج مُهَروِلاً من حيث لا يدرون. ولكن كيف، وبأية وسيلة سيحصل هذا؟ ومتى سيتمّ وضع سكّة البلاد على قطار الإعمار الصحيح والبناء الفكري والحضاري والأخلاقي لشعبٍ أفقدتهُ قياداتُه السياسية الفاسدة بمعظمها وأحزابُ السلطة الفاشلة ولاسيّما الدينية منها غالبيةَ سماتِ التمدّن والتحضّر والأخلاق والعلم والتربية منذ سقوط النظام السابق الذي كان السبب فيما جرى بعد أحداث 2003. وصحّتْ اليوم الكلماتُ القوية الطنّانة ” كلها منّه، مصايبنا وطلايبنا، من صاحبنا كلها منّه” التي أنشدها الفنان الهزلي الناقد “عزيز علي” في واحدٍ من أروع منلوجاته الوطنية والذي ينطبق بحق على صناعة رأس النظام السابق وقبله قادة الانقلاب المشؤوم على النظام الملكي. وذات المقولة تسري اليوم على النظام المحاصصاتي المقيت بشأن ما يجري من أحداث مأساوية بسبب سلوكيات أحزاب السلطة والميليشيات المسلحة والفصائل الولائية المنفلتة المستقوية بها والمنضوية في إطار ما يُسمّى بالحشد الشعبي التي تفرض سطوتها على إدارة الدولة العراقية خارج السياقات الدستورية والقانون، مستغلّة فتوى المرجعية الجهادية الكفائية التي أُخرجتْ عن سياقها ومفهومها حين دعتْ إليها في ظرفٍ وطنيّ حرجٍ لإنقاذ البلاد من كابوس الدواعش الذي ثبتَ، بالوقائع والوثائق التي بدأت تتوالى وتتوارد من مراكز القرار، إنتاجَه وتمويلَه وتوجيهَه بالشراكة بين إدارة فريق أوباما سيئ الصيت وإيران الجارة المنتقمة من كلّ ما هو عراقي وعربي.
بعد تفاقم الأوضاع وتكرار ذات السياسات الفاشلة للحكومات العراقية المتعاقبة وبلوغ الغضب الشعبي مداه الأقصى، جاء الحراكُ التشريني في موعده نهاية تشرين الأول 2019 ليقول كلمة الشارع: كفى انزلاقُ الأوضاع إلى ما لا تُحمدُ عقباه، وكفى انتهاكًا لسيادة الوطن وعراقته وحضارته وإرثه الثقافي والديني والإتني والتعددّي المتميّز في كلّ شيء. نقرُّ أنه لم يكن من السهل إدامة هذا الحراك الاحتجاجيّ الوطني الساخن سخونة الشارع الغاضب. فقد حاولت جهاتٌ عديدة ركوبَ موجته لتحسين صورتها بوجه النقمة الشعبية العارمة التي زادت وتيرتُها وتعددت مطالبُها مع تزايد انتهاكات الميليشيات والفصائل الولائية التي سعتْ لقضم أصابع الناشطين وردع مطالبهم وإسكات صراخاتهم بأية صورة أو وسيلة أو أداة متيسرة، وما كانت أكثرها ممّا نسمع ونشاهد ونترقب. وماتزال ذاتُ الأيادي القذرة تنشط أينما تحين الفرصة للنيل من إرادة المحتجّين الذين يزدادون يومًا بعد آخر بالرغم من وسائل التهديد وعمليات الخطف والاغتيال والتغييب التي طالتهم ولم تتوقف لغاية الساعة، فيما الدولة تقف عاجزة عن وضع حدودٍ لهذه الجرائم المتراكمة والمتواصلة بالرغم من الوعود التسويفية التي أطلقتها وماتزالُ بالكشف عن مصير الشهداء المغدورين والقتلة الذين تحتضنهم أحزابُ السلطة وتغطّي على جرائمهم وتستخدم سطوتها ونفوذها على القضاء العراقي كي لا يقوم بدوره المستقل في معالجة هذه الانتكاسات القانونية. وهذه مشكلة كبيرة لا تليق بتاريخ القضاء العراقي ولا بشخوصه، لاسيّما وأنّ أولى القوانين على وجه الكرة الأرضية صدرت من أرض الرافدين وطبّقها الملك حمورابي بقسوة شديدة آنذاك، وأضحتْ منارًا ونموذجًا ومصدرًا للقوانين الدولية فيما بعد. فالدولة التي لا يتفاعل فيها القضاء مع صوت العدالة والمساواة في تطبيق القوانين وتنفيذ الأوامر لا بارك الله فيها ولا تستحقّ تسميتها بدولة.
بين الدولة واللادولة
كلُّ ما نادى به الثوار التشرينيون أنهم طالبوا بعودة وطن مفقود، “نريد وطن”، أي بدولة تحترمُ مواطنيها. وهذا من أبسط حقوق أي مواطن يعيش في أية بقعة من أرض الله الواسعة. فمَن ليس له وطن أو دولة تحميه وتضمن حقوقَه، ليس له كيانٌ ولا هوية ولا يمكن أن يشعرَ بصدق الانتماء إليه. كما أنّ مَن يعيش بلا وطن حرّ ومستقلّ وسيدِ نفسه، إنّما كأنه مخلوق عشوائيّ لا يستشعرُ بالحياة السويّة الكريمة التي تليق ببني البشر. فيما الحياة مجانية من عند خالق الأكوان وليست منّة من أحد ولا مكرمة من حكومة ولا فضلاً من ساسة ولا هدية من سلاطين وحكام واباطرة وملوك الأرض. كما أنّ الوطن عندما يحتضن أبناءَه ويحرص على رفاهتهم من دون تمييز ولا منّة يكون مثل الدجاجة التي تحتضنَ كتاكيتها الصغار وتحميهم من شرّ الأعداء وغدر الغرباء ومكيدة الدخلاء. وهذا واجب الدولة الطبيعي تجاه مواطنيها. إنّما هذا لم يحصل في بلاد الرافدين منذ الغزو الأمريكي المتعجرف لغاية الساعة. ففي كلّ مرّة ينتفض فيها الثوارُ السلميون، يتلقون وعدًا من السلطات الرسمية بالحماية وملاحقة المجرمين أزلام أحزاب السلطة، بينما تغدرُ بهم أدواتُها الأمنية الخارجة عن سلطتها والمنفذة لأجندات سلطات ونفوذ أحزاب السلطة وميليشياتها وفصائلها المسلحة التي تعيث في أرض العراق فسادًا منذ استقوائها بفتوى المرجعية وتشكيل ما يُسمّى بالحشد الشعبي الذي أطلقوا عليه سمة المقدّس زورًا وبهتانًا. وفي حقيقة الواقع، أثبت هذا التشكيلُ الدخيل صفتَه الموازية لقوة الحرس الثوري الإيراني كي يكون أداةً تنفيذية وقوة ضاربة بأيدي الأحزاب الولائية التي تخشى فقدان مكاسبها في أية لحظة وتسعى لاستخدام مثل هذه الأدوات الخارجة عن القانون في تسويق أجنداتها وديمومة مصالحها وتمويل مشاريعها الفئوية والطائفية والشخصية. وقد كشفت التحقيقات المسرّبة عن اللجان والهيئات التحقيقية التي شكلتها حكومة الكاظمي خجلاً، الشيءَ الكثير من هذه الوسائل والأدوات. لكنها اصطدمت بإعاقات وصعوبات كثيرة ومعقدة من لدن أحزاب السلطة ومَن يُديرُ دفتها ويوجّهُ أنشطتَها ويكفلُ تحقيق أجنداتها على الأرض. وهذا ممّا وضعَ القائد العام للقوات المسلحة في مأزقٍ بين سعيه لفرض هيبة الدولة وتطبيق القانون وبين خياره بالامتثال لرغبات أحزاب السلطة الولائية التي تفرض سطوتَها عليه. فكلّما يعدُ ويسعى للحدّ من نفوذ هذه الأطراف المنفلتة خارج سيطرة الدولة، زادت من ضغوطها عليه وعلى فريقه للتراجع عن أية قرارات لا تخدمها. ومنها أن حكومة الكاظمي اكتسبت صفة “حكومة التراجع” عن القرارات. كان اللهُ في عونه!
حتمًا، لن يتراجع ثوارُ تشرين عن مطالبهم المشروعة باستعادة الدولة من أيدي العابثين بمصيرها من الذين يسعون لخلق واقع حال “الّلادولة” عبر فرض أجندات الجارة الشرقية في إبقاء مصير البلاد بأيدي العابثين بأمنه وسيادته وجعله تابعًا ذليلاً لها وسوقًا استهلاكية دائمية رائجة لمنتجاتها. كما أنّ هذه الجارة “المقدسة” وقفت بوجه إقامة أية صناعة وطنية وأعاقتْ بإصرارٍ اية جهودٍ لتطوير أية حقولٍ أو أراضٍ من شأنها تنمية وتأمين سلّة العراق الغذائية، وذلك خوفًا من توقف تدفّق العملة الصعبة التي ساهمت بتأمين ميزانيتها منذ 2003 والتي بسببها صمدتْ وقاومت العقوبات الاقتصادية القاسية التي فرضها الغازي الأمريكي للأسباب المعروفة للقاصي والداني. ومهما حاول أصحابُ السلاح المنفلت فرض مصالهم الولائية بقوة السلاح وغيره، فإنّ عزيمة ثوار الانتفاضة في ازديادٍ مضطرد ولن يصيبَهم الإحباط واليأس ولن يعرفوا التراجع عن مطالبهم المشروعة بطرقهم السلمية. ف”الدنيا تُؤخذُ غلابًا وليس بالتمنّي” وانتظار يدِ القَدَر لتفعلَ فعلَها. أمّا الوطن واستعادة هيبته وسيادته تبقى من أولويات المطالب، ليس للثوار في ساحات التظاهر في عموم البلاد فحسب، بل لجميع العراقيين من المتعاطفين مع الثوار والغاضبين على استشراء فساد السلطات الأربع، وحتى من أنصار وأتباع الميليشيات والفصائل المنفلتة ممّن سئموا من السلوكيات غير الرصينة لهؤلاء وممّن أساؤوا إلى سمعة المقاومة الحقيقية التي تنادت لصوت المرجعية الرشيدة. فقد أثبت الخارجون عن سلطة الدولة والعابثون بالقانون ولاءَهم الفاضح للدولة الجارة الشرقية وتنكّروا لشرف بلدهم وعزته وتاريخه وحضارته وإرثه الطويل المميّز بين الشعوب.
سيادة الدولة
قد تكون الانتخابات القادمة فيصلاً ما بين تحقيق سيادة الدولة والّلادولة. ولكن ممّا يُخشى منه، استخدامُ أموالِ الدولة ووسائلها وأدواتها السياسية من جانب أحزاب السلطة ومّن يواليها خارجيًا ومَن يساندها داخليًا من رعاع القوم بدفعٍ من أصحاب العمائم والمغرضين الذين بدأوا يسوّقون أبواقَهم الطائفية والمذهبية للتحذير من فقدان الامتيازات والمكاسب وخسارة الأموال والجاه والسطوة والمناصب في حالة عدم تدوير نفاياتهم في الانتخابات القادمة. وهذه مشكلة بحدّ ذاتها. فالمستقلّون والمرشحون المغمورون من ثوار الانتفاضة لا يمتلكون مثل هذه الوسائل للترويج لبرامجهم والتعريف بأشخاصهم لجمهورهم، ممّا يقلّلُ من فرصهم بالفوز. ناهيك عن أدوات الترهيب والتهديد وإطلاق الوعود العرقوبية التي احترفتها أدواتُ أحزاب السلطة في كسب تأييد ناخبيها وإقناعهم بضرورة عدم الإخلال بالتوازن القائم حفاظًا على سطوة جماعة مذهبية معينة ماتزال تعيش تداعيات تخلّفها وجوعها ودوام شعورها بالغبن والظلم، فيما هي التي تتسيّدُ المشهد السياسي الحاكم منذ ثمانية عشر عامًا وتحصدُ الامتيازات التي لم تكن تحلمُ ولو بشيءٍ ضئيلٍ من مكاسبها وبهرجتها عبر إيغالها في أدوات الفساد والسرقة وهدر المال العام وفق مبدأ المحاصصة الذي شرّعته بإسنادٍ من الغازي المحتلّ الظالم.
يبقى القاسم المشترك لكلّ الثوار في ساحات الشرف التي احتضنتها محافظات العراق، إصلاحُ الأوضاع المتدهورة وتقويم المعوجّ، منها وما أكثره. وهذا لا يمكن له أن يتحقق إلاّ بتغيير المنظومة السياسية القائمة من جذورها والتوجّه لاحقًا لتعديل الدستور، وإنْ أمكنَ تغيير الدستور وفق قواعد المواطنة الصحيحة وليس وفق التوافق الديني والمذهبيّ والإتني. فهذه جميعُها لا يمكن لها أن تبني وطنًا قويًا موحدًا ذا سيادة وهيبة وسمعة بجميع قواه وبتعدّد جماعاته وقومياته وأديانه التي تشكلُ فسيفساءَه المميّزة بين الشعوب والأمم. وفي اعتقادي، أن قدرات المنتفضين ماتزالُ قوية، والشعبُ مازالَ يراهن على نجاحها وفعلِها وتأثيرها وسط الجماهير التي يزدادُ غضبُها يومًا بعد آخر بسبب الشعور بفقدان الأمن والأمان والأدوات المستخدمة في استبعاد المبادرات الجماعية والفردية التي تسعى لإحداث التغيير في المنظومة السياسية. فما يلقاهُ ثوّار تشرين من دعمٍ دوليّ وإقليميّ واضح ومن تأييد شعبيّ قد أغاض أحزابَ السلطة ومَن يقف مساندًا لإبقاء الأوضاع على حالها بأيدي أصحاب السلاح المنفلت والفصائل المسلحة الخارجة عن القانون التي تسعى لإدامة زخمها وإبقاء سطوتها ما شاءت الأقدار والجارة الأرجنتينية “المقدسة”. أمّا مَن يراهنُ على اختفاء الثوار من ساحات الشرف ومن خفوت أصواتهم، فهو واهمٌ. فالشعبُ كلُّه إلى جانبهم، مساندٌ وداعمٌ ومتأمِّلٌ بهم خيرًا نحو التغيير والإصلاح.























