أرمينيا تصوّت للسلام والإصلاح والتنمية –  حسين فوزي

أرمينيا تصوّت للسلام والإصلاح والتنمية –  حسين فوزي

صوت قرابة 1370000 ناخب أرميني لتجديد ولاية رئيس الوزراء المستقيل السيد نيكول باشينيان، وسجلت وسائل مراقبة الانتخابات مشاركة أكثر من نصف الناخبين المقدر عددهم بـ 2600000 ناخب في يوم الانتخابات الأحد الماضي 20 حزيران الجاري. وبذلك يكون أكثر من 56 بالمئة  من المقترعين قد جددوا ثقتهم برئيس وزرائهم الذي جاؤوا به على أثر ثورة الربيع في نيسان 2018.

والمعنى الرئيس المستخلص من نتائج الانتخابات هو أن المواطنين الأرمن متمسكين بمشروع الإصلاحات الذي يمثله رئيس الوزراء، الذي بموجبه صوتوا لتحالف “خطوتي” الذي يتزعمه باشينيان،وأفادت لجنة الانتخابات المركزية الأرمينية ، بعد استكمال فرز الأصوات فجر اليوم الاثنين 12/10/2018 إن تحالف “خطوتي” الذي يضم حزب باشينيان “حزب العقد المدني”، حصل على 70,45 بالمئة.

وللمرة الأولى في تاريخ أرمينيا لم يستطع الحزب الجمهوري الحاكم منذ انفصال أرمينيا عن الاتحاد السوفيتي عام 1991 تحقيق تمثيل في البرلمان في انتخابات 2018 إذ حصل على 4,7 بالمئة من الأصوات فقط، ولم يتمكن من اجتياز عتبة 5 بالمئة المطلوبة لدخول البرلمان.

لكن جمهورية أرمينيا عاشت “انتفاضة” شعبية ضد حكوماتها الإصلاحية بزعامة السيد نيكول باشينيان، الذي جاءت به ا في ثورة سلمية  في نيسان 2018 لى السلطة على أمل أن يحارب الفساد ويحقق إصلاحات تحقق حياة أفضل للأرمينيين، على أثر تمكن القوات المسلحة الأذربيجانية من تحرير إقليم ناغورني قره باغ وتدمير غالبية القوات المسلحة الأرمينية ومعداتها وإخراجها من القتال، كذلك هروب المليشيات الموالية للاحتلال الأرميني،  أدى إلى اندلاع غضب عارم لدى أوساط الشباب المتحمسين والمحافظين بدعم من القوى التي هزمتها الثورة الإصلاحية السلمية عام 2018.

ولجأ الصحفي السابق رئيس الوزراء الحالي باشينيان إلى الاستقالة وإجراء انتخابات مبكرة لاحتواء الغضب الشعبي وحسم شرعية سلطاته أو تولي منافسه من جيل ما قبل ثورة الربيع وتحرير ناغورني قره باغ السلطة، التي جرت يوم الأحد 20/ حزيران الجاري. وشارك في الانتخابات 25 حزبا وتكتلا سياسيا؛ وهو أكبر عدد في تاريخ البلاد، ويقدر عدد الناخبين بمليونين و600 ألف لاختيار أكثر من 100 عضو لولاية مدتها 5 سنوات في تصويت على أساس التمثيل النسبي. وتطلع باشينيان إلى الحصول على نسبة 60 بالمئة لكن الاستطلاع الوحيد المتاح توقع أن لا يمنح حزبه “العَقْد المدني” سوى 25 بالمئة بعد حزب كوتشاريان الذي توقعوا له أن يحصد 29 بالمئة من الأصوات. ومن أجل حشد شعبي لدعمه وبرنامجه الإصلاحي وضمناً التعايش السلمي مع أذربيجان، دعا باشينيان مواطنيه إلى التصويت لمنحه “تفويضا فولاذيا”. وقال -الخميس الماضي- إن “الأرمينيين يرون أن هناك قوى تثير مواجهات سياسية، وحربا أهلية”.

حكمة وذكاء

ويبدو واضحاً أن العواطف هي التي تحكمت بالشارع الأرميني في مهاجمة سلطة رئيس الوزراء الإصلاحي باشينيان، الذي كان من الحكمة والذكاء في تجنيب شعبه المزيد من الخسائر باتخاذه قراراً شجاعاً بالانسحاب إلى الحدود الدولية مع أذربيجان، بعد أن خسرت القوات المسلحة الأرمينية وفق التقارير الرسمية قرابة 7000 قتيل، من أصل شعب تعداده اقل من 4 ملايين نسمة يعيشون في وطن لا تزيد مساحته على 29743 كم2.

والحقيقة المهمة هي أن أية إصلاحات ما كان لها أن تؤتي ثمارها في ظل استمرار التوتر العسكري مع أذربيجان بسبب احتلال إقليم رئيس من أراضيها وتهجير مواطنيه، ولم يكن في وسع باشينيان الأقدام على الانسحاب طوعاً وسلمياً من إقليم ناغورني ، لأنه كان يعرف حجم التعصب والانفعال العنصريين بين أوساط محافظة كثيرة، بالرغم من طبيعة أرمينيا الجبلية المغلقة بدون منفذ بحري، واقتصاد فقير تعوزه الموارد، مع حقيقة أن شعبه يتمتع بكفاءات فنية متميزة، هي رأسماله في الإصلاح والنهضة، لكن التعصب يقوض ويقيد طاقات البناء.

وفي تحليل سياسي اجتماعي اقتصادي لمسار الأحداث التي تفجرت بعد انسحاب الجيش الأرميني إلى الحدود الدولية المعترف بها وفق وثائق الأمم المتحدة والحدود السياسية المرسومة للبلدين حتى زمن الاتحاد السوفيتي، فأن موجة الغضب الشعبي الذي حفزته مشاعر قومية ودينية لا تخلو من التعالي، لن يخدم طموحات شعب أرمينيا في البناء والتقدم، فالمطالبة بالتشدد في التعامل مع أذربيجان، في ظل قدرات عسكرية وتحالفات إقليمية، صاغتها باكو بذكاء رئيسه الراحل حيدر علييف وخلفه الرئيس إلهام علييف، من تحرير أراضيها، يعني هدراً لطاقات شعب أرمينيا وموارده، وعزوف عن الإصلاحات المطلوبة التي تطلعت لها ثورة 2018.

وعلى الرغم من كل الخلافات التي نشبت بين رئيس أرمينيا الحالي أرمين سركيسيان ورئيس وزرائه المستقيل باشينيان، فأنه لم يستطع التغاضي عن حقيقة أن “التحريض على الكراهية والعداوة” غير مقبول، داعيا مواطنيه إلى التصويت “بنزاهة وحرية”.

ومعروف أن العراقيين عرفوا الأرمن منذ الحرب العالمية الأولى وقبلها، حيث استوطن مواطنون أرمن في إحياء معروفة في بغداد والبصرة وبعض الأرجاء الأخرى بمجموعات اقل، ويشهد العراقيون للأرمن بالكفاءة الفنية في مجالات الأجهزة الكهربائية والتصوير والعديد من المهن الفنية الأخرى، كما أن للأرمن جاليات أخرى متنفذة في الولايات المتحدة واليونان ولبنان، ويقدر عدد المواطنين الأرمن في “الشتات” ما يزيد على 250 إلف مواطن، اغلبهم من موسري الحال، بالأخص في الولايات المتحدة.

ثورة ربيع

وكانت الآمال المعقودة في أن تؤدي ثورة ربيع 2018 إلى الكثير من التغييرات في حياة الأرمينيين، من خلال برنامج بناء يبدأ بالإصلاحات والشفافية في مراقبة مراكز قوى الفساد السياسي والهدر، لكن حماس التعصب وعدم احترام التعايش السلمي مع الجارة أذربيجان عرقل، وقد يطيح، بكل الآمال الكبيرة في مستقبل أفضل، ما لم تع الجماهير الأرمينية بأن لا حل غير التعايش السلمي على أساس احترام سيادة الدول، ذلك أن الحليف الرئيس لأرمينيا، روسيا، رفض حماية استمرار الاحتلال لأراض أذربيجانية. كما أن موارد أرمينيا غير مؤهلة لخوض الصراع مع أذربيجان، ما لم تحظ بموارد من قوى دولية، وهو ما لا يمكن حدوثه حالياً، في ظل متغيرات عديدة، ضمنها الاتجاه إلى إحياء الاتفاق النووي الأوربي للخمسة الكبار + 1 مع إيران، والميل إلى تهدئة الصراع في منطقة الخليج العربي وامتداداته لضمان تدفق الغاز وبقية موارد الطاقة والسلع بين الكبار الستة والمنطقة.

وعليه فأن نتائج الانتخابات الحالية توفر تفويضاً لباشنيان وحزبه “العقد المدني” والأطراف المتحالفة معه البناء على الانسحاب من أراضي أذربيجان، في التفرغ لمهمة تنمية الاقتصاد الوطني وتوفير موارد مستدامة للتنمية.