(الزمان) .. تذكّر وإستذكار – محمد رضا مبارك

 

(الزمان) .. تذكّر وإستذكار – محمد رضا مبارك

في نهاية التسعينات كنت في اليمن وفي مدينة الحديدة متعاقدا مع جامعتها  تدريسيا في كلية التربية ، وكنا نبحث في هذه المدينة البعيدة ما يقربنا من الوطن الذي غادرناه مكرهين ، وقد وجدت وبلا سابق إنذار في المكتبة الرئيسية في المدينة جريدة باسم الزمان ، وهو اسم مألوف لمن يعرف شيئا ما عن تاريخ الصحافة العراقية ، فرحنا بالزمان ، توصل ما انقطع  .. يتداولها الأساتذة ويلتقطونها من بين عشرات الصحف اليمنية والخليجية والعربية ، لا توجد صحيفة عراقية خارج الوطن وفي حقبة الحصار الذي فرض على العراق تتحدث باسم العراق وتكون ممثلة لأبنائه ، كنا حذرين في الحكم على هذا الوليد الذي يدس جسده بين أعرق وأقدم الصحف العربية مثل الحياة والشرق الأوسط ذواتا الإمكانات المالية الهائلة ،منذ ذلك الوقت ونحن والزمان علاقة قارىء شغوف بمطبوع أخذ يفرض نفسه رويدا في الذاكرة العراقية الموجعة ليكون معادلا لشيء فقدناه ومعبرا عن شوق لوطن لا تدري ما الذي سيخبئه القدر له وكأن كتب عليه أن يكون في عبن العاصفة دائما.

عدنا الى بغداد بعد التغيير ، وما يلاحظه أي متطلع أن الصحف ازدادت حتى ملأت الأرصفة ، صحف سياسية ودينية وأخرى لا هوية لها ومعها الزمان التي نعرفها  من المهجر العربي وهي الآن حاضرة كأنها تقول أنا الأول هل تذكرونني ؟ الصحيفة التي صمدت في المنافي لا بد ستصمد في الوطن ، وبدا خطها الفكري والسياسي يظهر شيئا فشيئا ، تغير الظرف واي تغير هو زلزال عظيم في الوطن ..إذ لم يحدث في التاريخ المعاصر أن احتل بلد وهدمت مؤسساته وبالطريقة التي شهدناها جميعا مرحلة قاسية متحدية لصاحب الرأي ماذا يفعل في هذا البحر المتلاطم الذي استيقظت فيه الإثنيات والطائفيات وكل أنواع الإديولوجيا ، حركة لا يشبهها شيء إما ان تنهار بها الشعوب أو تتماسك لا خيار، ولست أريد هنا أن أفصل ماذا تفعل شعوب أخرى لو تعرضت لمثل ما تعرضنا له ، صدمة الاحتلال وصدمة الشعب الذي لم يدرك عمق ما يراد له ، فما ذا فعلت جريدة الزمان ؟ حين انهارت صحف كثيرة بقيت الزمان ، فجزء من رسالتها أن تبقى ،وفي أوج المأساة كانت حاضرة وتعرض العاملون فيها لما تعرضوا له ، ثمن لابد من دفعه فدفعته ، نجحت الزمان في أن تكون جريدة الوطن ، احتضنت أدباء العراق جميعا وأصبخت صوتهم الذي لا ينازع، أبوابها الثابتة علامة من علامات تميزها ، ألف ياء لما يزل فاعلا ، وصدرت منه مجلدات   ..هي مهمة يراد لها أن تكون مميزة فكانت. تحتفل الزمان بصدور سبعة آلاف عدد ، هذه الأيام ، أية حصيلة هذه ، وأي إصرار على المضي في الهدف المرجو …صناعة الوعي مقابل محاولات تدمير العقل ، معنى ذلك أنها حظيت بعناية القراء ، فمضت في طريق الإصدار الصعب في البلد الصعب ، عملت الزمان على أن تضاهي الإصدار العالمي ، وعملت على أن تكون مدرسة صحفية ، جمعتني مع رئيس تحريرها النشيط الأستاذ الدكتور أحمد عبد المجيد زمالة في كلية الإعلام جامعة بغداد، أعواما عديدة ، وكان الطلاب قد وجدوا بتوجيه رئيس التحرير مكانا عمليا يجمعهم ، يتدربون وينشرون ، ويفرحون بأسمائهم الغضة وهي تتوسط الصفحات ،تشجيعا وتهيئة للعمل الصحفي بعد التخرج   .تحية للزمان وهي تنهي شوطا طويلا من عمرها المديد ، ولسوف نجد بعد التجربة الغنية الثرة أن طرقا وعرة أخرى ستعبرها الزمان فبناء الوطن والإسهام في بناء العقل لن يكون إلا صظظظظظظعبا لكنها الصعوبة المحببة حين يكون الهدف ساميا.

الخطاب الإعلامي وبناء الهويّة