
(الزمان).. بوصفها وثيقة تاريخية
عمر علي حيدر
_لي سابق معرفة وتجربة شخصية مع صحيفة الزمان – باعتباري قارئاً- تعود إلى ثمانية عشر عاماً خلت، فبعد أن طويت مرحلة الصحف السابقة، تدفقت الزمان مع الصحف الجديدة مثل: المشرق، المدى، المؤتمر، طريق الشعب، العدالة، التآخي، وغيرها، لا أنكر أن الزمان كانت على رأس الصحف التي كنت أشتريها يومياً، فأتعرف بها عن قرب إلى أخبار العراق التي غيبها الاحتلال بتسريح الصحافيين، وإغلاق مؤسساتهم وصحفهم المختلفة، وتحويلهم مع الجيش والقوى الأمنية إلى عاطلين عن العمل بقرار مدير سلطة الاحتلال المؤقتة سيء الصيت بول بريمر.
ثم تجددت علاقتي مع الزمان لكن هذه المرة باعتباري باحثأً، فقبل عامين احتجت وأنا أسطر كتابي الموسوم (مذكرات شيخ جامع – صور اجتماعية عن الجوامع والحياة البغدادية خلال الاحتلال الأمريكي البريطاني للعراق 2003-2004) إلى تأييد مذكراتي في الكتاب بحوادث منوعة، لكن أرشيفي (المتروك) في بغداد لم يسعفني بالكثير مما احتفظت به سابقاً من أعدادها، فقمت بتتبع أرشيف الزمان الذي لا يوجد للأسف في مكان واحد في بغداد، أو يمكن أن يحتفظ بجميع الاعداد، فكانت لي جولة على المكتبات العامة كالمركزية والجامعة المستنصرية ومكتبة باب المعظم وما تيسر من الأعداد في هذا المكان أو ذاك في بغداد، حتى أغنت كتابي، وقوّت حجتي، وسطعت ببرهاني، لكنها لم تشبع نهمتي لعدم حصولي على جميع الأعداد، وسأواصل البحث عما لم أصل إليه حتى أرتوي منها، لا سيما الأعداد التي صدرت في شهري شباط/ فبراير – لغاية نهاية آيار/ يونيو من العام 2003.
ويختلف الأمر حينما تدخل على الزمان باحثاً لا مجرد قارئ، فستكون حينذاك أمام حياة كاملة للعراق، تروي لك باليوم والتاريخ والحدث كل ما مر عليه من خطوب ومحن، وإذا أضفنا أهمية الصور الفوتوغرافية فستكون الرحلة حافلة، فيها الجميل وأكثرها المؤلم، ولكي تكون الصورة أقرب، فهذه بعض العناوين التي دونتها من الزمان عن سنتي2004-2003 كي أكون أكثر تعبيراً وواقعية عما اردت بيانه:
1- مجهولون طردوا مرضى مستشفى الأمراض العقلية واغتصبوا النزيلات.
2- لص في حي الشعلة يندم على تسليم مسروقاته ( 7 مجمدات و 4 ثلاجات) بعد فتاوى التحريم، ويعيد سرقتها من مجمع أقيم بالقرب من حسينية الشعلة. والتحالف يحبط محاولة للسطو على مسرح النجاح.
3- طباعة الورقة المالية الواحدة خارج العراق تبلغ قيمة 172 دينارا وداخله 5 دنانير فقط.
4- تركيا تشتري أطلال الجيش العراقي.
5- الجنود الأمريكان يساومون الراغبين بزيارة مخبأ صدام باستيفاء 100 دولار عن كل زيارة.
6- قوات التحالف تقبض على دورية نجدة تبادلت إطلاق النار مع عمال محطة وقود.
7- تراجع في عمليات التجميل وتزايد في عمليات التقويم لمعالجة تشوهات الحروب وحوادث السيارات والإطلاقات النارية.
- صدام يعتزم خوض الإنتخابات والحكومة تتجه لإطلاق رموز في نظامه. وغيرها كثير ووفير.
لا يسعني وأنا أتحدث بعجالة عن أثر صحيفة الزمان في المشهد العراقي عامة والبغدادي خاصة، سوى أن أوجه دعوة لطلبة الدراسات العليا والباحثين والكتاب في أن يبحثوا المزيد عن أحوال العراق في تلك السنوات من أجل أن يرسموا خريطة جديدة للأجيال القادمة تتيح لهم معرفة ما جرى، وتضعهم على الطريق الصحيح الذي يحمي الهوية الثقافية، ويعزز الشعور بالإنتماء، والوفاء لهذا الوطن الكبير.
لا أبالغ إن قلت، أن الزمان نقلت إلى التاريخ محتوى (خبرياً وتحقيقيأ ومقالياً) وصوراً فوتوغرافية هائلة الأهمية والدقة بما يمكن اعتبارها وثيقة تاريخية حية لا تقل أهمية وأثراً عن المحتوى الذي نقله الطبري 310 هـ، وابن الأثير 630 هـ، وابن كثير 774 هـ، وغيرهم، وإن على الدارسين والباحثين تحويل ذلك المحتوى إلى مراجع تاريخية تصف بدقة الأحوال الاجتماعية والسياسية والإقتصادية والأمنية والفكرية والأدبية والفنية والثقافية والرياضية والتراثية وكل ما يمكن من الأبواب التي تحتاجها أجيالنا القادمة.
وأنا اتحدث عن الزمان، لا أنكر من باب العدل والإنصاف دور صحف أخرى أسهمت في نقل الصورة المهنية الجيدة عن المشهد العراقي آنذاك كالمشرق والمدى، وغيرهما مما لم أقف عليه، أو تسنح الفرصة بالتعرف إليه.
ويسجل للزمان أيضاً أنها قدمت شهداء للعراق، وعملت في ظروف أقل ما توصف أنها خطرة، وعاشت مع كل عراقي أجواء متذبذبة الأهوال والفتن والأخطار والتحديات لتخرج صباح كل يوم إلى قرائها بنبض جديد يسلط الضوء على شعب لن يموت، وثقافة لن تزول، ومنهجية لا تسير سوى على الطريق السوي، طريق سبق أن سار عليها كامل الجادرجي، وروفائيل بطي، ومحمد مهدي البصير، وتوفيق السمعاني، وسجاد الغازي، وطه البصري، وشهاب التميمي، وغيرهم.
وأنا اعدد مباهج الزمان، أتمنى أن يتاح أرشيفها كله على موقعها الإلكتروني منذ انطلاقتها وليس من العام 2008 لان احداث 2003 الى 2008 لم تكن طبيعية على الصعد كافة، وهو طموح أعلم أنه سيتحقق ذات يوم لأن الزمان تعرف أهميته، وتعرف أكثر أنه لا مسؤولية أكبر من نقل الحقيقة، وإتاحتها للأجيال اللاحقة.
ختاماً، من حق الزمان أن تفخر لأن الذي يقود مؤسستها (نِطّاسي) بارع هو الرائد سعد البزاز، ومن حقها أن تفخر لأن الذي يرأس تحرير طبعتها العراقية أكاديمي مرموق ومهني مُلهَم هو د. أحمد عبد المجيد، ومن حقها أن تفخر بأقلام عراقية ممتازة تكتب فيها على غرار أساتذتي الموسوعيين مثل الفيلسوف الرائد البروفيسور طه جزاع، وأستاذي الرائد زيد الحلي الذي يمثل نسيجاً وحده، ولازلت أراه مؤسسة أعلامية تمشي على رجلين، وأساتذة آخرين مثل السادة: المفكر حسن العلوي، والسيد حسين الصدر، ود. إبراهيم خليل العلاف، والرائد محسن حسين، ود. كاظم المقدادي، ود. ياس البياتي، والأستاذ عبد الحسين شعبان، والأستاذ وليد الزبيدي، والسيدة ندى شوكت، وغيرهم، مع كوكبة رائعة من المراسلين، ونخبة من أفضل المنفذين من مدققين لغويين ومصممين ومحررين.
يحسب للزمان أيضاً أن بابها لم يوصد بوجه أحد، فقد فتحته للكبار أمثال عبد الرزاق عبد الواحد مثلما فتحتها لشباب وشابات كثر، إن في تنوع الأسماء التي تكتب في الزمان، وتنوع الموضوعات المطروحة يؤشر على أن هذه الصحيفة هي بنت الشعب، وأن بابها مفتوح للجميع، وأن بقاءها راسخ، وصدارتها مستمرة، وألقها مضمون.
للزمان أقول: دمت يا جميلة، ودام هذا الألق العراقي الجميل، وعقبى العدد مليون ان شاء تعالى.























