ولكل زمانٍ.. زمانُ – طه جزاع

ولكل زمانٍ.. زمانُ – طه جزاع

بصدور العدد 7000 من  ” الزمان ” تكون هذه الجريدة قد قطعت أشواطاً طويلة من عمرها الفتي ، بعضها طبيعي وايجابي وسلس في مسيرة العمل الصحفي ، والآخر في منتهى الصعوبة والسلبية والتعقيد ، وكلما ارتفع سقف التوقعات بأن ” الزمان ” التي أصدرها سعد البزاز لأول مرة في لندن مطلع نيسان / ابريل العام 1997 ستتوقف مثلما توقفت الكثير من الصحف التي صدرت في فورة ظهور الصحف والمجلات العربية المدعومة من حكومات وجهات عديدة في لندن وباريس ، تطل الزمان على قرائها ، لتعلن عن نفسها ووجودها وهويتها وهواها ، وحياتها المستمرة مع تعاقب الأزمان .

 ” ويوم ولدت فكرة اصدار جريدة الزمان ، كان من الحماقة أن يغامر بإصدار صحيفة كبرى فرد هو مجرد شخص واحد أيقظ الغضب ما كان يحلم به طويلاً ويخطط له مراراً ولم يفعله ، فإذا به يختار منافسة صحف كبرى تقف وراءها دول ومشايخ ومخابرات جاءت إلى لندن حيث مربط العرب الهاربين من اوطانهم بحثاً عن الحرية أو بحثاً عن الوجاهة ” : سعد البزاز ، حكاية هذا الزمان .

ربما ، بل من المرجح ان البزاز لم يختر ” الزمان ” اسماً لصحيفته اعتباطاً أو استسهالاً أو عفو الخاطر ، إنما استحضر في ذهنه تاريخ الصحافة العراقية في عهد الحريات النسبية المتاحة التي حصلت عليها في بعض سنوات العهد الملكي ، فاسترجع منارات في واحة تلك الديمقراطية التي مرت مثل نسمات هواء عابرة في فضاء الصحافة ، واستذكر زمان ابراهيم صالح شكر وصحيفته ” الزمان ” التي صدرت في تموز عام 1927 لكنها لم تعمر طويلاً ، ولم تصدر سوى 44 عدداً ، بعد أن تم تعطيلها لمرتين ، الأولى خريف عام 1927 في عهد حكومة جعفر العسكري ، والثانية والأخيرة في أيلول من العام التالي ايام حكومة عبد المحسن السعدون ، كما استذكر زمان توفيق السمعاني وصحيفته ” الزمان ” التي أصدرها عام 1937 : ” مستغلاً – كما يؤكد الدكتور مليح صالح شكر في كتابه تاريخ الصحافة العراقية في العهدين الملكي والجمهوري – شهرة هذا العنوان للصحيفة التي أصدرها إبراهيم صالح شكر عام 1927 – 1928  ولم يكن ابراهيم قد تنازل عنها له ، بل سبق له التنازل عنها لصديقه روفائيل بطي ، ولم يتنازل بطي هو الآخر للسمعاني عنها ، كما يقتضي قانون المطبوعات لسنة 1933 الذي ينص على أن عنوان الصحيفة هو حق شرعي لصاحب الامتياز ولورثته من بعده ” … غير أن البزاز اختار لزمانه أن تصدر في لندن ، بعيداً عن قانون المطبوعات العراقي وعن أصحاب الامتياز والورثة الشرعيين وغير الشرعيين ، لتكون صحيفته أول صحيفة عربية تحمل هذا الاسم في عاصمة الضباب ، وثالث زمان في تاريخ الصحافة العراقية التي أسست لزمان صحفي جديد .

هي اذن صحيفة جديدة ، في عالم جديد ، وأفق جديد ، وهوى جديد .. صدرت في لندن وعيناها على الوطن ، وما أن حانت الفرصة لتصدر طبعتها العراقية ، فإنها لم تتأخر أبداً ، فكانت من أوائل الصحف التي صدرت في طبعة من البصرة – حين كانت الجريدة تطبع في مطابع البحرين – وطبعة لاحقة ومستقرة تحريراً وطبعاً ، في بغداد برئاسة الصحفي المخضرم الدكتور احمد عبد المجيد بعد التاسع من نيسان العام 2003 . ولما كان الوطن يخضع للاحتلال الأميركي البريطاني ، فقد كان حجم التحدي شديدا، ليس في مفاصل العمل اليومية فحسب ، إنما في نوعية الخطاب الموجه للجمهور ، وفي نقل الأخبار ، وصياغة التقارير ،  وصولاً إلى اختيار الصور المناسبة ، في بيئة عراقية وطنية حساسة ترفض الاقرار بواقع الاحتلال ، وتحتقر الرضوخ لقوانين المحتل وأساليبه الوحشية ، واجراءاته التعسفية ، وتعمده الاساءة لكرامة المواطنين وحرياتهم وحياتهم ، فضلاً عما كان البلد يشهده من تمزق في النسيج الاجتماعي ، وصراع سياسي ، وتناحر حزبي ومناطقي وطائفي ، أججته ممارسات المحتلين وأتباعه ، ومن فوضى عارمة وانفلات أمني مخيف ، تحت انظارهم وبرعايتهم وتشجيعهم ، بهدف تخريب البنى التحتية الاساسية ، وتدمير وسرقة الممتلكات العامة والخاصة بحراسة الجنود الأميركان الذين كانوا يراقبون المشهد من فوق دباباتهم وهمراتهم بمتعة واسترخاء ، إن لم يشاركوا في عمليات التدمير والنهب بحماسة واندفاع .

هكذا كان التحدي الذي واجهته ” الزمان ” في سنوات الجمر العراقية ، وهو تحدٍ خطير قد يؤدي إلى عواقب وخيمة لأي صحيفة وللعاملين فيها ولكتابها ومحرريها ، إن لم يستخدم رئيس التحرير خبرته وحنكته لقراءة الواقع قراءة صائبة ، ويحرك أدواته بحس ثاقب وذكاء ، ويتعامل مع محيطه بحذر شديد تعامله مع قنبلة موقوتة حملها مضطراً بين يديه ! . وقد نجح الزميل عبد المجيد على امتداد 18 عاماً بقيادة سفينة ” الزمان ” في طبعتها العراقية إلى بر الأمان ، ووسع من قاعدة كتابها ، ووثق من أواصر علاقاتها مع صناع القرار ، ونوع في مصادر أخبارها ، ورسخ من حياديتها ومهنيتها واستقلالها ، وواجه أزمتها المالية بسبب ندرة الاعلانات بقدرة فائقة على المناورة ، وصبر على اعادة ترتيب البيت الزماني من دون المساس بثوابت الصحيفة وهويتها وهواها ، يسانده في ذلك عدد محدود من المحررين والمراسلين والفنيين والاداريين ، وضعوا ثقتهم به ، ومضوا معه باتجاه ترسيخ تقاليد ثقافية لا تكتفي بنشر نتاجات عشرات الكُتاب والأدباء والأكاديميين والصحفيين والفنانين وعموم المثقفين ، إنما الاحتفاء بكتبهم ومؤلفاتهم واصداراتهم الجديدة في اصبوحات تكريمية مشهودة ، يعقبها في عدد اليوم التالي اضاءة شاملة مصورة للفعالية تدخل ضمن الوثائق المهمة التي يحتفظ بها المحتفى ويفتخر بها طوال حياته .

أمام 44 عدداً من جريدة ” الزمان ” أصدرها صالح شكر قبل اغلاقها بعد عمر قصير ، وأمام عمر متقطع قضته صحيفة ” الزمان ” 1963 – 1937  التي أصدرها توفيق السمعاني صاحب مطبعة ” الزمان ” وقد تولى ادارتها نجله موفق السمعاني بعد رحيل والده ، تبقى صحيفة ” الزمان ” التي اصدرها سعد البزاز في لندن عصية على الزمان ، وتحقق بصدور العدد 7000 رقماً استثنائياً طموحاً ، وتواصل اصدارها بعناد وحيوية وتجدد عبر طريق سالك يمتد من لندن إلى بغداد .

 ولكل زمانٍ …. زمانُ .