
شهق الناس
(الزمان) بالألوان – ياس خضير البياتي
الصحيفة رسالة ذات معنى، والكاتب موقف يعبر عن هموم الناس وحاجتهم للحياة، ويؤمن بمشروعه الإنساني ويتقبله لتجويد إبداعاته، والجمهور متلق للمعلومات، عقله خزان معرفي. وهناك علاقة بين هذه الأقانيم الثلاثة المنخرطة في صناعة المعلومة الصحفية، وهي علاقة ينبغي أن تكون تفاعلية وتكاملية وحميمية لا صراع فيها. بمعنى أن تكون هناك ثقة تبادلية دون أوهام وتزوير للحقائق وتضليل.
هناك فكرة تؤرق الكاتب بمواجهة أسئلة القراء والأصدقاء، المتعلقة باختيار الصحيفة التي يكتب فيها، فقد تم تقسيم الصحف بمسميات عديدة، ضمن مسؤولية الالتزام وفكرة المؤامرة، يصعب معها الاختيار وأقناع الآخرين بالمبدأ العام للكتابة والموقف. فإذا كتبت في الصحف الخليجية ستصبح عميلا لدول البترودولار، وإذا كتبت في صحيفة اجنبيه، فأنت أيضا من جنس الإمبريالية والصهيونية، وإذا اخترت صحيفة تعارض أفكار البعض، فأنت خائن ومرتد. فالكل لا ينظر إلى المقالة ومضمونها، وإلى الصحيفة وتأثيرها، وعدد قرائها. مازال البعض من الماضي يعيش بيننا، والآخر عقله مؤجر.
فانا شخصيا تنقلت في أكثر من صحيفة ذات اتجاهات مختلفة ومتباينة، ولم أضعف أمام إغراءات الصحيفة وتوجهاتها، بل كنت مصرا على موقفي الفكري الذي قد يخالف توجهات سياسة مالك الصحيفة. وهو ما جعلني أغادر أكثر من صحيفة لأنها تريد أن أكون منفذا لرغباتها وسياستها التي تتناقض مع موقفي.
نعم خسرت بعض الدولارات، لكنني كسبت الموقف الوطني، وانتصرت لأفكاري، ولمن يقرأ لي. ومع ذلك لم أسلم من نقد البعض، فهناك ملاطفة اخويه تخفي في داخلها نقدا “إياك أعني واسمعي ياجارة”. ولست متضايقا من الاراء ، لأنني اعرف أن” رضا الجميع غاية لا تدرك”، لكنني أستغرب لمن ينتقد وهو يعمل مع الاحتلال، أو هو يعيش في بلد كان مشاركا في تدمير وطنه، ومع ذلك يستغرب مني أن اكتب في صحيفة سعد البزاز أو عبد الباري عطوان!
لقد تركت الأخير لأنه بدأ يتدخل في مقالاتي لصالح إيران، ويطلب حذف بعض الفقرات، ولم أوافق على هذا الأمر، لأنه انتهاك لحرية التعبير، فتركت الصحيفة، رغم علمي بأن صاحبها قد استقر مؤقتا على سياسة بعينها. وربما يعود مرة أخرى إلى دولة أخرى!
أما استقراري في “الزمان” فهي جاءت بعد دراسة، فقد وجدت فكرة “الرأي والرأي الآخر ” متجسدة في مقالاتها وتوجهاتها السياسية، ووقوفها مع الناس وهمومهم وتطلعاتهم. ومع ذلك لم أسلم أيضا من النقد، فالبعض يرى في البزاز انه جاء مع الاحتلال، وساهمت صحيفته في إنعاش وعي الناس لصالح أسقاط الدولة.
إنصافا للحقيقة، منذ أكثر من عامين اكتب مقالات أسبوعية نقدية ضد العملية السياسية، وضد السياسيين باختلاف أفكارهم وطوائفهم، ولم تشطب كلمة واحدة، ولم أتلق توجيها من إدارة الصحيفة، بل هناك حرية تعبير لم أجدها في صحيفة أخرى. وربما الكثير يعتقد إن كتاباتي لقاء اجر مادي. فأقول لا أجر أتقاضاه، وإنما استخدم فوهة الصحيفة لرمي القذائف على من صنع خراب العراق، وهو واجب وطني لا يحتاج إلى شكر الآخرين .
وإذا اختلفنا مع سعد البزاز في بعض التوجهات، وهو امر طبيعي، فإن هذا لا يمنع الكتابة في صحيفته القوية الانفجار بالحروف، ومهابتها في المواقف، وتصديها للفساد والمفسدين، وصوتها المؤثر الذي يرعب رجال السياسة، فهي بحق “صوت من لا صوت له .
هي صحيفة الألوان الجميلة بالحروف والصور والمقالات والتعليقات
صحيفة البزاز المجتهد والمحدّث والمبدع الذي لا يقبل السكون والجمود. هكذا عرفته منذ السبعينات عندما عملنا معا في الإذاعة والتلفزيون، فكان رقما صعبا دائما في ابتكار البرامج الذكية، مثلما هو طاقة صحفية مبدعة، جدّد في الصحافة العراقية بعد ترؤسه صحيفة “الجمهورية”. وهو بعد ذلك صاحب قلم رشيق محدث بالعبارات غير التقليدية، والسرد الأخاذ الباهر بالصور الملونة.
“الزمان ” اليوم، فيها من القول الجريء ما يجعلها سهماً موجهاً ضد الفاسدين والمتلونين وتجار السياسة، وفيها من التحليلات الثاقبة للحياة العراقية بمختلف ميادينها، مثلما هي سوق عكاظ للثقافة والفكر، لكنها تحتاج اجتثاثا لبعض الخواطر السياسية والحياتية القصيرة التي لا قيمة لها. ومثلما يمارس البزاز ذكاءه في صناعة الصحيفة، فأنه بارع في اختيار كادر الصحيفة، وبالذات قيادتها. فالزميل د. أحمد عبد المجيد في قيادة طبعة العراق صنع لها اتساعا في الساحة العراقية بامتياز بخبراته التحريرية المبدعة، وعلاقاته الإنسانية الحميمية، وهدوئه ورزانته وديناميكيته. وهناك الطبعة الدولية التي يرأسها الزميل فاتح عبد السلام القاص والصحفي الذي أضاف لها الق الثقافة والسرد الجميل.
(الزمان) صحيفة الشعب المقهور، والمشاكسات، والرأي والرأي الآخر
لها رسالة فيها من العلقم المر الذي لايسر السياسيين، ولها من الكلام المعسول الذي يسحر القارئ ويشعره بقيمة وجوده. أما “البزاز” مالكها، فهو بطبعه مشاكس ومناور، يتنقل بين سواتر السياسة والإعلام بذكاء حتى يصيب الهدف الثمين؛ الجمع بين الرسالة الإعلامية المعسلة بقوة الرأي، والرؤية المتجددة، وشطارة رجل الأعمال، وهذا هو سر قوة إمبراطورتيه الإعلامية، وتسيّده على حروف المكان والزمان!























