
(الزمان).. حكاية مدرسة وناظر وأسماء وعناوين متألقة
مؤسسة عريقة تعّلم المبتدئين إبجديات المهنة وتضفي على الكبار بعداً آخر
بغداد – عمار طاهر
ها نحن على موعد متجدد مع الزمان وهي تحتفل بذكرى التأسيس، بعد مسيرة حافلة عاشتها ما بين أيام الغربة وليالي المحنة، صمدت خلالها ولم تستسلم، لتواصل العطاء واحة غناء تجد فيها كل شيء.. الخبر والتقرير والحديث والتحقيق والرأي والرأي الآخر.. رحلة وعرة، ومشقة هائلة، وكلمات ومعان، مدادها الدم والدمع، صاغت مواضيع رصينة، فالهدف كان دائما تقديم صحافة ملتزمة، تؤسس لمدرسة عراقية، بعد ان غاب الاعلام المهني، او غيب تحت رماد الحرب، وركام الفوضى، فديدنها الصدق والموضوعية والدقة وعدم الانحياز.قطار الزمان لم ولن يتوقف، فقد كانت وستبقى شاهدا حيا على وقائع مضت، وأحداث مقبلة، لا تزال في ظهر الغيب، لم يبح بها المستقبل.. واثناء رحلتها هذه توقفت في محطات كثيرة، وشهدت منحنيات عديدة.. حملت أسماء كبيرة، واقلت عناوين عريضة، والجميع تزود منها، فهي مدرسة عريقة تعلم المبتدئين أبجديات المهنة، وتضفي على الكبار عمقا أكبر، في عملية رائعة لتبادل الخبرات، وتلاقح الأفكار، وتزاوج الرؤى، بقيادة الناظر احمد عبد المجيد.
مواقف مهنية
اعتز بصداقة الناظر، وأكبر فيه المواقف المهنية، فهو صحفي حقيقي.. حرفي بامتياز، لا تخفى عليه خافية، يقرأ ما بين السطور، ويستشف افكارك بمجرد اطلاعه على النص، ولا يتردد بمصارحتك بما يصلح او لا يصلح في عرف أصحاب الاختصاص.. معياره لا يخطأ، ونظرته لا تخيب، يسعى دائما للحالة النموذجية، فأصبح بمرور الوقت ظاهرة مهنية في زمن تلاشت فيه المهنة، واضمحلت سلوكيات العمل الإعلامي.
ومن المواقف المشرفة التي تحسب له، دفاعه الدائم عن حرية الكلمة، ومساندته الصحفي مهما كانت قوة المقابل او حجمه أو سلطته، ففي عام 2012 كتبت مقالا عن مستشارة رئيس الوزراء، وكان نقدا قاسيا مبالغا به، مفرداته الساخرة استفزت المرأة وزوجها، فما كان منها الا ان تتصل برئيس التحرير لتشكوني، ويتصل زوجها بي في الوقت نفسه.. تكلمت معه بهدوء وروية، ذكرته بحق الرد، الا انه كال لي الشتائم والتهديد.. اغلقت الهاتف النقال، فرن هاتف رئيس التحرير.. وفي ظل ارتباكي بسبب تهجم الرجل، وألفاظه الجارحة، وضعت القلم في جيبي من دون أن أحكم السدادة، وتوجهت اليه مباشرة، وعندما رأى بقعة الحبر وثوبي الملطخ بادرني مقهقها.. لا تهتم، وطلب فورا من الخدمات شراء قميص جديد.. أخبرته بموضوع الاتصال، وحاولت أن اسوغ ما جاء في المقال، فلم أسمع منه إلا كلمات ملؤها الثقة بما أسطر من كلمات واحرف.
زملاء مروا من هنا
وفي خضم الرحلة مع الزمان مر العديد من الزملاء.. تركوا بصماتهم وآثارهم.. نعتز بهم ونجلهم، بعضهم ولد وترعرع في كنفها، وبعضهم الآخر أضفوا عليها واضفت عليهم، فاقترنوا بها واقترنت بهم، وأصبحوا معا، جزءا من حاضرها المشرق، وماضيها المعارض.. اخوة كسبناهم بعضهم ما يزال معطاء جذلا بما يسعى، وبعضهم قضى نحبه، فترك جرحا غائرا لن يندمل، فهو على قيد الذاكرة والوجدان مادام في الحياة رمق، وفي مقدمة هؤلاء مدير كل شيء في الزمان.. اخي الكبير منذر عبد عباس.. الرجل الواعي، المثقف، الإنساني، المحب للخير، لن ارثيه فهو ساكن في قلبي لم يغادره.. كان ملاذا امنا لكل الناس، وحائط مبكى يضعون في ثنايا روحه الطيبة آلامهم وآمالهم.. معاناتهم وأوجاعهم.. أحلامهم وتطلعاتهم، كان الصندوق الأسود للجريدة.. امينا على اسرار العمل.. صاحب قيم عليا ومبادئ سامية، بكيته يوم الوداع دما، ولو يفتدى لفديناه، ولكن اسير الموت ليس له فداء..
الفقيد الكبير الاخر الأستاذ سعدون جواد.. الرجل الذي اختزل ذاكرة الصحافة الرياضية في سيرته، فكان تاريخا في صحفي، وصحفيا يختزل التاريخ في عقله وضميره.. عاصرته في الزمان مثلما واكبت غيره من الأسماء الكبيرة، كان الراحل معينا لا ينضب من الأفكار، والخبرة، والتجارب.. حكيما يعرف أين يضع الحرف؟، ومتى يستل القلم؟ لذا فصرير كلماته دائما له صدى في آذان المسؤولين.. يلامس وجدانهم، ويحرك سواكنهم.. اخرون رحلوا ولا زلت ذكراهم حاضرة عطرة.. كاظم دوحي ورزاق إبراهيم حسن وصباح الخالدي رحمهم الله جميعا.
أحداث وفعاليات
في العمل اليومي تلاحقك الأحداث وتلاحقها في مطاردة مستمرة لا تفارقك، فالإعلام المهنة الوحيدة بالدنيا التي لا تّملك، ولا تضجر منها.. نهارك بها متجدد، وليلك فيها مسهد، تفرحك عندما تنتصر للوطن، او تنتصف لمظلوم، او تصحح حالة فارقة، او تؤشر خطأ في طور تحوله إلى خطيئة، أو تميط اللثام عن احداث خلت، لا يعلمها أحد.. وتحزنك عندما تخيب مساعيك، او تدرك بعد فوات الأوان، أن تعسفك بالحق يضر ولا ينفع، فتخطأ سهام حروفك الهدف، ولا تصيب عين الحقيقة.. تلتقي بشخصيات رائعة المنظر، وأخرى رثة الجوهر.. في عالم يدور ويدور لا ثابت فيه الا المتحرك. حكايتي مع الزمان لم تكن كأية حكاية، فهي مفعمة بالذكريات، والدموع، لأفراح واتراح سكبناها على الورق على مدى عقدين تقريبا، وترجمناها عبارات ومفردات توحي بحبنا للوطن والمهنة.. لقاء وفراق.. حزن وسرور.. ومواقف مبدئية نعتز بها ونفخر.. علمتنا وتعلمنا منها الدروس والعبر.























