منذر المفرجي (الايقونة) صباح الخالدي (المثابر) رزاق إبراهيم حسن (العنوان الثقافي)

منذر المفرجي (الايقونة) صباح الخالدي (المثابر) رزاق إبراهيم حسن (العنوان الثقافي)

(الزمان) تستذكر ثلاثة نجوم حاضرين

في العدد 6000

بغداد- حمدي العطار

ونحن نحتفل بصدور العدد 7000  لا ننسى من فارقنا من الزملاء، مابين العدد 6000  وهذا العدد 7000  فقدت الزمان ثلاثة نجوم يشكلون مثلثا، للجريدة (منذر المفرجي) مسؤول الادارة والاعلانات، (صباح الخالدي) سكرتير التحرير، و(رزاق إبراهيم حسن) مسؤول الصفحة الثقافية.

وبقلوب مفعمة بالحزن والاسى ودع رئيس التحرير وملاك الجريدة أولئك المنتسبين – ومن قبلهم – كان رحيل (كاظم دوحي) – ابو سحر نتيجة حادث مؤلم، كان هؤلاء المنتسبون فاعلين ومؤثرين ومساهمين في اصدار (الزمان). عندما نتذكر (الغائب) عن عيوننا والساكن في قلوبنا وعقولنا تشدنا حكايات الذكرى ، وحكاياتنا معهم كثيرة ومؤثرة.

أيقونة الزمان (منذر المفرجي)

كان ابو سيف – رحمه الله- ايقونة الجريدة، في اول لقاء لي معه في غرفة رئيس التحرير ، قدم ابو سيف لي قائلا (هذا ابوسيف مثقف الجريدة ونعده يمثل الفكر الشيوعي بالجريدة) ومنذ ذلك اليوم  ارتبطنا بصداقة قوية لأشتراكنا بنفس الافكار والعمل والعلاقات الاجتماعية والثقافية.

كان (ابو سيف) يجمع بين حضور البديهية والعاطفة المتقدة، وهما سمتان لا تظهران إلا في أوانهما، وهو يتصف بحب الناس والتعاطف معهم، أحببته لأن الصداقة عنده هي كالشمس طاقة تلد الحياة وتعين على العمل ، والصداقة عنده تضحية واخلاص وصدق ومحبة.

لم اتذكره الا وضحكاته تملأ المكان، رجل سعيد على الرغم من عدم توفر وسائل السعادة لديه ، لكن يؤمن بعبثية الحياة وصعوبة تغيير المجتمع نحو الاحسن لذلك هو يشبه ابطال روايات زوربا وكولن ولسن، يتميز في افكاره اليسارية بالسخرية والنقد اللاذع لكل الانظمة السياسية (الدكتاتورية) مهما كان اتجاهها حتى لو كانت – كما يرغب ويحب – شيوعية،  مثقف من طراز رفيع، ومن عائلة يسارية فالاب (سائق قطار الموت) الذي سار بقطاره سريعا حتى لا يموت الركاب خنقا، مجموعة من الشيوعيين عام 1963  وشقيقه (مظهر) يساري رومانسي لا تغيب ذكراه عن رفاقه، منذرعرف بوطنيته وحبه للعراق ومساندته لأي جهد ثقافي يدعو الى وحدة العراق ويبغض الطائفية والعنصرية، له فكر ثاقب يستطيع ان يشرحه بلغة الشارع مستخدما الفاظ الحياة اليومية بمفرداتها البغدادية وحينما لا يستجيب له المستمع يبدأ بالابتسامة واسماعه كلمات قوية وشتائم اخوية ليجعل المستمع يقول خلاص فهمت ما تريد ان تقول! كان دائما يقول لي (لا ترحل وتجعلني وحيدا) وهو الذي (رحل) وجعلني وحيدا استذكره بإستمرار.له الذكر الطيب ولروحه السلام.

وكأنه لا يزال (حيا)، فهو إيقونة جريدة الزمان!

الأعلامي المثابر (صباح الخالدي)

سكرتير التحرير،  يعجبني الحديث معه على الاخص حينما اعود من السفر، فهو  زار الكثير من دول العالم حينما كان يعمل في (وكالة الانباء العراقية)، محدث لبق ذاكرته قوية، ويملك قابلية للكتابة في اكثر من مجال ثقافي وسياسي و فني، قدم مجموعة من المقالات عن نجوم الغناء في السبعينات والثمانينات، وله اسلوب في الكتابة والخطابة وغالبا ما يكون عريفا لأي حفل يقام في الجريدة، كما انه كان مكلفا بإجراء المقابلات واللقاءات مع رجال السياسة والمسؤولين ، صحفي محترف امتلك ناصية الفكر واللغة. كما كان يهتم بكتابة المواضيع التي تخص هموم الناس ومطاليبهم، فظواهر (البطالة) و(غلاء اسعار المواد الغذائية) و(رواتب المتقاعدين) وتردي (خدمات الكهرباء) و(الصرف الصحي) و(مشاكل المرور) و(تفشي الفساد) كلها مواضيع خاض بها وكتب عنها التحقيقات الصحفية والمقالات المتنوعة. وانا استذكر وجودك معنا في التحضير لمواد العدد 6000  احس بالغصة تعصرني وتخنقني ونحن نصدر العدد 7000  وانت في ذمة الخلود.

العنوان الثقافي (رزاق إبراهيم حسن)

لا يمكنني استذكار الراحل رزاق من دون الحديث عن مؤلفاته ومنجزاته الابداعية، وبعد ان كتبت عن معظم الكتب الصادرة في مجال النثر والنقد والشعر لهذا (العنوان الثقافي والادبي) اليوم اتحدث عن مخطوطته التي لم تر النور وتنشر حتى الان ونتمنى ان تتكفل الجهات الرسمية كأتحاد الادباء او وزارة الثقافة ومؤسساتها في نشر هذه المخطوطة

المخطوطة  هي من ادب الرحلات (أيام ووقائع في العاصمة الهندية) اشترك بها الراحل بمسابقة ناجي جواد الساعاتي لأدب الرحلات وكاد يخطف احدى جوائزها وكان الفرق بينه وبين الفائز نصف درجة. اطلعت على المخطوطة مرتين ، الاولى وانا اساعده في تقديمها للمسابقة ، والثانية عندما استلمتها من نجله المحامي (وسام) للكتابة عنه وعنها!

تتكون المخطوطة من 9  مشاهد توزعت عناوينها بالشكل التالي (احتفال لذوي الثياب البيض- تجربة مع الطب الهندي- دولة المترجمين في المستشفيات الهندية- زيارة لمعبد زهرة اللوتس- معابد صغيرة وكبيرة واخرى متوسطة- وقفة امام بوابة الهند- هل يعبد الهنود البقر؟- تاج محل) وتقع المخطوطة في 77 صفحة.

اعجبني اسلوب رزاق في ادب الرحلات وهو يستعرض علاقة العراق ومدينته النجف وعلاقتها بالهند والهنود ، وهي معلومات واقعية تمهد لما سوف يقدمه من مشاهدات رحلته العلاجية للهند، فهو يقدم عرضا متسلسلا (عن مشاهداته للهنود وعن الاثار والصروح الدالة عليهم، وعن الذين تسموا بهم، وما طبعوا في نفوس العراقيين ، مركزا على الجانب الثقافي ) كل هذا في فقرة التمهيد إذ يقول ” ولدت وعشت في مدينة النجف الإشرف، وكنت مبهورا بجامع كبير، يحتل مساحة واسعة ومهمة من سوق الحويش يسمى بالجامع الهندي ..وهو يرمز الى تدين الهنود ..وعرفت فيها ان النجف تضم خانا كبيرا يسمى خان الهنود وظهر فيها شعراء يلقبون بالهندي وهناك عائلة محترمة تلقب بالهندي “ص5 ثم يسرد رزاق ملاحظته الذكية عن الزوار الهنود للعتبات المقدسة وكيف يختارون وقت الفجر او منتصف الليل او عصرا لتجنب الازدحام ، كما انه يذكر المعالم الهندية في باقي محافظات العراق “فهناك – بالبصرة- ما يطلق عليه سوق الهنود  الذي يتاجر ببعض السلع الهندية ومن ضمنها التوابل، وكذلك – قضاء الهندية- له اسم عراقي (طويريج) التي تجري في عاشوراء كل عام لتستعيد ركضة بني اسد لنصرة الحسين (عليه السلام) ويستعرض الراحل مراحل العلاقات والاتفاقات الثقافية والاقتصادية بين العراق والهند(العلاقات الثقافية العراقية الهندية اقتصرت على الفنون والبعثات الجامعية ولم تشمل الادب والترجمة، كما انها اقتصرت على العهد الملكي ولم تمتد الى المراحل الأخرى)

عادات وتقاليد وطقوس دينية

شملت المخطوطة على الكثير من التفاصيل التي تتناول الأمكنة والمعابد والعمران والملبس وحتى المأكل وتقديس الحيوانات لدى الشعب الهندي، كما تناول الراحل الطب في الهند لأنه لم يكن سائحا عاديا بل هي سياحة علاجية وقام بتشخيص السلبيات والايجابيات في مجال الطب وعلاقة المترجمين بالمستشفيات والمريض. يتعرف القارئ على بعض التقاليد الهندية – على الاخص الديانة الهندوسية- (فالهندوس يهتمون باللون البرتقالي فبعض المعابد تستبدل قبعات الزائرين ذات الالوان المتعددة بمناديل برتقالية اللون ويرتدي رجال الدين اثناء الصلاة واداء الطقوس ملابس ذات لون برتقالي ..ويرجع ذلك الى التأثر بالبوذية التي تعد البرتقالي لونا مقدسا .. كما ارجع البعض اللون البرتقالي الى جماله واشراقه ولأنه يجمع العديد من الالوان ولأنه من اكثر الالوان انتشارا واستخداما عند الهنود والمناطق المجاورة للهند)ص15 اما الهنود المسلمون فيرتدون اللون الابيض.

الطب في الهند

يؤكد الراحل طرق العلاج الهندية وتعد الرياضة هي احدى تلك الطرق ، وقد مارسها رزاق علاجا لحالته الصحية ويطلق عليها (العلاج الطبيعي) “كانت اغلب التمارين يدوية يشرف عليها وينفذها مع المرضى عدد من الشابات والشباب الهنود وكانوا في غاية اللطف والاريحية ..وكان في القاعة مرضى من سوريا والسعودية واليمن وافريقيا وكنت استغرب من اشخاص يخضعون للعلاج وهم تعرضوا الى اطلاق نار او دهس او جلطة دماغية ..واستعرض رزاق دور المترجمين وعمولاتهم واسلوبهم في التعامل مع المرضى (وقد تعرفت على شخص عراقي من مدينة السليمانية في نيودلهي قال لي: انه زار الهند ثمانين مرة وفي كل مرة يأتي بعدد من المرضى العراقيين لمعالجتهم في المستشفيات الهندية)ص28

المعابد الهندية

احتوت المخطوطة على كل الممارسات التي يقوم بها اي سائح يزور المعابد الهندية ، فكان هناك شرح (للتأمل) او (اليوغا) “هي عملية البحث عن الذات وصولا للالهة .. ويرتبط هذا التأمل بالصمت والعزلة ..وفي نيودلهي أتيح لي أن ازور معبد اللوتس .. ويقدم المعبد بكل ابنيته وحدائقه اهتماما متميزا بالطبيعة فالعشب الأخضر الجميل المعتنى به يمتد على مساحات شاسعة بمستوى واحد من الارتفاع..وعند الجلوس في قاعة المعبد يمنع تداول أي حديث واي سؤال ويمنع الانتقال من مكان لآخر… ويؤمن الهنود السيخ  بولادة طفل يكون هو المنقذ للبشرية  من الظلم والباطل والاضطهاد والاستبداد وانهم يطلبون من الالهة الاسراع بتحقيق هذه الولادة..كما زار الراحل (بوابة الهند التاريخية) وتحفة (تاج محل) حكاية الامبراطور الذي يبني ضريحا للحب ويقع في مدينة أكرا، لكن من يزور الهند ولا يذهب الى تاج محل كأنه لم ير الهند.

علاقات الهنود بالحيوانات

هناك تقديس لبعض الحيوانات مثل (البقر) حتى ان المسلمين عندما يريدون ان يأكلوا لحما يذبحون( الماعز) ولا يميلون الى اضاحي الأغنام والابقار في عيد الاضحى، اما قضية عبادة الهندوس للبقر فيذكر رزاق بأن سألهم عن ذلك فكانت اجابتهم (نحن لا نعبد البقرة ولا نذبحها كما هو حال المسلمين، وانما نقدسها ونعدها اما لنا لأننا نشرب من حليبها، ونتربى عليه وهول يجوز ذبح الام واكل لحمها والتفرج على دمائها..ونحن نأكل اللحم الابيض ولحم الماعز .

رحمك  الله صديقي (ابو وسام) كنت بلسما ثقافيا ، يصعب ان يمحى من الذاكرة، وانت كنت تنتظر الموت وحينما اشتد المرض به أبدى حماسا شديدا  للكتابة  والعودة اليها فهي بالنسبة اليه متلازمة، تمنى أن يظل يكتب حتى الرمق الاخير من حياته .

وانا اقرأ في قصائد له لم تنشر سلمني اياها نجله  المحامي “وسام” وقفت عند هذا المقطع من احدى قصائده:

إذكروني على فراش المساء          والحكايات والهوى والجفاء

إذكروني فإنني لست أنسى            كلمات السنين يا أصدقائي

لن أقل للفؤاد مات الأحبا             ء وذاب الحنين في أحشائي

كل يوم يمر للعهد ذكرى              وحياة  جديدة  للوفاء