سلاماً يا ثامِنَ الحُجَج – حسين الصدر

سلاماً يا ثامِنَ الحُجَج – حسين الصدر

-1-

في الحادي عشر من شهر ذي القعدة الحرام من سنة 148 هـ – على ما هو المشهور – وُلد الامام عليُّ بنْ موسى الرضا (عليه السلام) ، وأطلت انوارُه الباهرة، واحتَفَتْ به دنيا الرسالة واستبشر المؤمنون حتى قال قائلهم :

ألا أنَّ خيرَ الناسِ نَفْسَاً ووالداً

ورَهْطَاً وأجداداً عليُّ المُعَظَمُ

اَ?تَتْنا بِهِ للعلمِ والحلمِ ثامِنَاً

إماماً يؤدي حُجةَ اللهِ (تكتمُ)

( وتكتم)  اسمُ اُ?مّهِ .

وماذا عسانا أنْ نقول في مَنْ جمع المجد مِنْ أطرافه وحسبنا أنْ نستشهد بما قاله الشاعر :

ما عسى أنْ يُقال في مَدْح قَوْمٍ

آسس الله مَجَدَهُم تأسيسا

هُمْ غياثُ الورى وَهُمْ أكرمُ الناسِ

أصولاً شريفةً ونُفُوسا

إنْ عَرَتْ اَ?زْمَةٌ تندْوا غُيوثاً

أو دَجَتْ شُبْهَةٌ تجلّوْا شموسا

وقال الآخر :

مِنْ هاشمٍ في ذُراها وهي صاعدةٌ

الى السماء تميتُ الناس بالحَسَدِ

قومٌ أبى اللهُ الاّ أنْ تَكونَ لَهُمْ

مكارمُ الدينِ والدنيا بِلا أمَدِ

-2-

وانما سُمّي الرضا لأنه كان رضاً لله تعالى في سمائه ،

ورضاً لرسوله (ص) والائمة عليهم السلام مِنْ بعده في أرضه .

-3-

قال الحاكم في تاريخ نيسابور :

” كان يفتي في مسجد رسول الله (ص) وهو ابن نيّف وعشرين سنة “

-4-

وروى الشيخ الصدوق – رحمه الله – في عيون أخبار الرضا بسنده عن رجاء بن ابي الضحاك – وكان قد بعثه المامون لاشخاص الرضا (ع) – :

(واللهِ ما رايتُ رجلاً كان أتقى لله مِنْهُ ولا أكثر ذِكراً له في جميع أوقاته منه ، ولا أشد خوفاً لله عز وجل …

الى ان قال :

” وكان لا ينزل بلداً الاّ قصده الناس يَسْتفتونَهُ في معالم دينهم ، فَيُجِيبُهُم ويحدّثهم الكثير عن أبيه عن آبائه عن علي (ع) عن رسول الله (ص) ، فلما وردتُ به على المأمون سألني عن حاله في طريقه فأخبرتُه بما شاهدتُ منه في ليله ونهاره وظعنه واقامته فقال :

بلى يا ابن أبي الضحّاك هذا خيرُ أهلِ الأرض وأعلمُهم وأعبدهم “

-5-

وقد ناظر علماء الأديان وفقهاء الشريعة والمتكلمين فلم يبق منهم أحد وكانت الاّ أقرّ له بالفضل كانت تلك المجالس تعتقد بأمر من المأمون …

-6-

سئل (ع) عن معنى الحديثِ المروي عن الرسول (ص) :

(انَّ اللهَ خَلَقَ آدمَ على صورته)

فقال :

انهم حذفوا أول الحديث

انّ رسول الله (ص) مَرَّ بِرَجُلَيْن يتسابان ، فسمع احدهما يقول لصاحبه :

قبحّ الله وَجْهَك ،

وَوَجْهَ مَنْ يُشبهكَ ، فقال له :

يا عبد الله :

لا تقل هذا لاخيك ، فانَّ الله خَلَقَ آدم على صورتهِ .

وهكذا أزال الالتباس ووضح الحقيقة للناس .

-7-

قال له احدهم – وقد رآه يجمع على مائدته السُود – :

” جعلتُ فذاك لو عزلتَ لهؤلاءِ مائدةً ، فقال (ع)

انّ الرب تبارك وتعالى واحد، والأم واحدة ، والاب واحد

والجزاء بالأعمال “

وهكذا جسّد (ع) عمليا مفهوم التساوي بين الناس ، ورفض النزعات العنصرية والتمييز العِرْقي .

-8-

جاء في سيرته

ان رجلاً من محبيه دخل عليه وكان قد افتقد نفقته في الحج وسأله أنْ يُقدّم له مِنَ المال ما يُوصله الى بلده ، فاذا وصل تصدّق عن الامام الرضا (ع) بما أخذه منه ، فقال له

اجلس ولما انفض المجلس ، قام (ع) الى الحجرة ثم خرج وردّ الباب وأخرج يده من أعلى الباب ونادى الرجل قائلاً :

” خُذْ هذه المائتي دينار واستعنْ بها في مؤونتك ونفقتك وتبرك بها ولا تتصدقْ بها عني واخرج فلا أراك ولا تراني “

وحين سئل لماذا سترتَ وَجْهَك عنه ؟

قال :

(مخافةَ أنْ ارى ذل السؤال في وجهه لقضائي حاجته) ..!!

أرأيت كيف تكون الانسانية والمروءة في احلى صورها ومعانيها ؟

انّ سيرته المباركة تكشف عن خُلِقِهِ العظيم ، ومكارمه الباهرة، ومزاياه النادرة .

-9-

ولنختتم بما حدده مِنْ صِفَاتٍ لخيار العباد فقال :

” الذين اذا احسنوا استبشروا، واذا اسأوا استغفروا، واذا أعطوا شكروا، واذا ابتلوا صبروا ، واذا أغضبوا غفروا “

وهكذا يدعونا (ع) الى الاستبشار بالاحسان وصالح الاعمال .

والى الاستغفار عند الاساءة والالمام بالذنوب .

والى الشكر على عطايا الله وهباته ونعمه .

وشكرُ المُنْعِم مطلوبٌ على كل حال ،

ومنه شكرُ مَنْ يُسدي اليك يداً من المخلوقين ، فمن لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق .

والى الصبر عند حلول البلاء فانه الحصن الحصين .

( انما يوفى الصابرون أجْرَهُم بغير حساب )

الزمر /10

والى الغفران والتغاض والسماح مَعَ مَنْ يُسيء الينا – وما أكثرهم – .

ان الذي يكظم غيظه وينتصر على ذاته هو الفائز، بينما لا يجني المسيؤون الاّ الخسران .