شيءٌ عن جيراننا المندائيين – نعيم عبد مهلهل

شيءٌ عن جيراننا المندائيين – نعيم عبد مهلهل

الى الصديق أبي رغوده الأستاذ (زيد الحلي)

عاش المندائيون في الناصرية منذ اول بدأها الحضاري . نزحوا اليها من سوق الشيوخ وقبلها كانوا قد نزحوا الى سوق الشيوخ من مدن العمارة حيث مواطنهم الأزلية في الكحلاء والعمارة والحلفاية والمشرح وقلعة صالح .

في الناصرية اختاروا منطقة العرجة ( أمارة العرجاء ) سكننا لهم ، وهي اليوم المنطقة المحصورة بين متنزه الناصرية ومحطة الطاقة الكهربائية الحرارية .

ويبدو ان هذه الحاضرة الصغيرة التي بناها الصابئة المندائيين من الطين لم تكت مريحة لهم جغرافيا واجتماعيا واغلبهم من صاغة الذهب وعليهم ان ينشؤا سوقا يمارسون فيه مهنتم داخل المدينة التي أسسها مدحت باشا برؤى مهندس بلجيكي لكن ناصر باشا السعدون أقام عمائرها وكان اول أمرآها ، ولم يمانع لا هو ولا من استخلفه ليكون متصرفا على لواء سمي لاحقا بلواء المنتفك ان يتحول الصابئة المندائيين من العرجاء الى محلتهم الحالية قريبا من بستان حاج عبود وبنلكة السمك وقصور ال عجام المشيدة في أربعينات القرن العشرين.

كانت محلة الصابئة المزروعة كمعلم جغرافي وسط بيوت اغلب سكانها من المسلمين الشيعة في محلة السيف خير دليل على روح التعايش الاجتماعي والديني والذي صنعته الفطرة ولم تصنعه السياسة والفقه الاجتماعي والتبشيري.

لهذا عشنا معهم في مودة وتداخل غريب ،فكانوا جيرانا وأصدقاء ومناصرين ومتكافلين وطيبين.

السكن مع الصابئة عندما تستذكر محطاته الحياتية تجده صورة مسالمة من التعايش والهدوء ، فهم لا يحسدون ولا يتشاجرون ولا يضمرون شر . وكانوا فقط يحتاجون منا ان نبتعد قليلا عن مساحتهم الطقوسية والدينية الخاصة والعامة . ومن نظراتهم وابتسامتهم كنا ندرك انهم لا يريدون منا حتى سؤالا عن تلك الطقوس.

ويوم نسألهم يقولون :اذهبوا الى القرآن فهو يذكرنا بالخير لأننا من اهل الذمة.

هذا العيش البعيد والمتآلف مع المكان ومع نفسه .صنع مشتركات حميمية بيننا الإسلام والمندائية .وتشظت لتكون بين المندائية والمذهب الشيعي ، عندما تجهم يندفعون بفطرة غريبة ليشاركونا مراسيم عاشوراء ، ويغلقون موسيقى أجهزة الراديو متى عرفوا ان المناسبة يوم وفاة للرسول الأعظم او للأمام المعصوم او رحيل واحد من الجيران .

هؤلاء المترفون بعاطفة الهدوء والذهب .عشنا معهم طفولتنا ومدرستنا وانتماءاتنا السياسية وأخيرا لحقت بهم الحروب وصاروا جنودا بالرغم من ان المندائية هي ديانة مسالمة لا تعرف عن الحرب ولا طقوس المدافع والسيوف ، وبالرغم من هذا رضخوا لأوامر التجانيد وأتت منهم النعوش وحزن الشظايا.

صورة المسلم ــ المندائي في مدينة الناصرية وباقي مدن العراق . هي صورة دمعة أبي عندما يشعر ان جاره الصائغ تهطل دمعته حزينة على جرح الأمام في اول عشرينات رمضان .  وقتها يهمس لوالدتي : الدجاجة النذر التي طبختيها من اجل أبي الحسنين  أعطيني نصفها لأذهب بها الى دكان جاري المندائي (…..) .فهو قد يحتاجها ليشافي بها سعال ولده.