
مفهوم المخالفة (1) – علي سلمان ساجت
التوريث الزائف والإكتساب الصادم
الوراثة كما هو شائع ـ وكثير من العلوم المتعلقة ببرامجها وبحوثها ومختبراتها ـ لم يكن شأنها نقل جينات وخلايا صامتة (أمراض او طبائع) وحسب بل انها تتحكم في توريث صفات شائنة أو حميدة تتحكم بصفة الأفراد في السلوك والهيئة تساهم في شكل الفرد وطريقة عيشه في إنتمائه وتطلعاته وأحلامه وتتحكم لاحقاً في نزعاته وميوله تدفع الافراد بدرجة محدودة وبنسب متفاوتة حسب البيئات والأجواء في الرغبة والانتماء وهنا لابد من الاشارة ان الوراثة لم تكن في المفاهيم الايديولوجية عبئاً على كاهل الافراد وانها تتحكم بأقدارهم وسلوكهم وهيئاتهم هذه المفاهيم التي كانت تعيق الأفراد والكيانات في خلق صيرورة للذات ونزوع نحو التفرد والتي ساهمت بقدر أو بأخر في تشتيت وتحديد كيان للذات بعيدا عن الروابط البيلوجية او السيسولوجية وان الانفلات من هذه القيود ( ان صحت التسمية)البيلوجية والسوسيولوجية ومن هذا الأستحواذ الوراثي يساعد كثيرا او قليلا بحسب طبيعة ونية المجاميع والافراد في اكتساب صفات لاحقة تكون قادرة لترسيم وتحديد كل الاهداف التي من شأنها بلورة الصورة النهائية للفرد او المجموعة ومن خلالها تتضح ابعاد الفرد حتى داخل المجموعة وتعمل الثقافة البيئية في صيغة واحلام الافراد فهناك ثقافة تهذب واخرى تزاحم وتسلح ؛ وان قانون الوراثة بعيد كل البعد عن خلق توابع وسبل وحدود للاشخاص في مسارب الحياة انه يكاد يشكل منسوب متدني للنوايا وان الافراد بمقدورهم التحلل والخلوص من هيمنة التوريث الجيني على الاقل مايخص قواعد الافعال ولكنه يتحكم في سلوكيات اخرى من قبيل اتخاذ القرار واحتكار المركز والسطوع وكثيرا من هذا بالطبع الهيئة وقواعد التشكيل الكاريزمي من كل هذه نستخلص ان الوراثة قليلا ماتعطي وسرعان ماتفقد خاصة مايتعلق بهوامش الثقافة لذا فان الوراثة تختزل السلوك الجيني وتساعد مع سواها في بلورة سلوكيات اخرى ليس لها القدرة أو لها القدرة بحسب الظروف والمناخات في تخصيب أجواء ونمائها أو تجديب وتخريب قواعد او رؤى وأجهاضها لأن الأفراد في الأجواء المعتمة والمغلقة يفقدون قرارهم في الأختيار ، ان فكرة الوراثة كأصطلاح ودلالة عرفت في المختبر والمناهج الاكاديمية اكثر مما هو في واقعها الاستدلالي لأن الاشياء لاتوجد كحقائق ثابتة مسلمة أنما سلوكيات ناقلة لذا ان التنظير نحو برنامج يشكل قاعدة وهدف وغاية سرعان مايفقد سبله بمجرد ما ينفرط في عقد الايديولوجيات والتنظير الاكاديمي وعليه فأن غاية الثقافة كموؤسسة ترصين قواعد وأحد هذه القواعد النظر في الأبعاد الوراثية للأفراد كي يتسنى كشف الملامح المستقبلية لبناء السلوك وتحديد مساراته وهذا المسعى هو ما تشتغل عليه الموؤسسة الرسمية تحديدا لأنه يساعد كثيرا في بناء وجلاء الغموض عن كثير من الممارسات والسلوكيات
فرق شاسع
فهناك فرق شاسع بين الثقافة (السـلوك ، النمط ، طريقة من العيش ) تختارها فئة من الناس وتكون مسعى وهدف متعدد النهايات وبين ثقافة فائقة تنهل من تداعيات وتطلعات الشعوب تتوحد بتلقائية مع الموروث الفكري والبيلوجي تختلط بأتحاد الأرادة الجمعية والفردية معا تشاكس البناء الوراثي وتسعى شيئا فشيئا الى تقويضه او الحد من هيمنته وصولا الى فسلجة (الأنا ) ، ان الثقافة التي تطمح لها الايديولوجيات الحديثة وتجاهد لبلورة كيانات وصياغات نحو اهداف في صياغة وصناعة عالم وقد نجحت في رسم وتحديد خطوطه وخرائطه ؛ أن يكون الافراد ( وذلك بمنأى عنهم ) وبعيدا عن طموحاتهم هدفا لتفكيك وأعادة توحيد لمساراتهم الجينية بغية وضع خطوط ومسارات تكون متطابقة مع اهدافهم واراداتهم هذا كله سببا لبناء عالم مختلف قريبا منهم لعل من البديهي السؤال لماذا تسعى هذه المؤسسات والجماعات نحو هذا السلوك وبناء ثقافات خالية من الهيمنة الوراثية انها تريد بناء جماعات وفق طموح العولمة والعالمية بعيدا عن ركائز القبيلة والعائلة والتي تكون عائقا نحو عالم تسعى من خلاله أمحاء ترسباته وتمخضاته خاليا من الولاء ومفروغا حتى من الدم السلالي ان الثقافة الآلية واللوحية واضحة المعالم وأثبت في العقود المتأخرة نجاحها لذا كان حتما الأنفرط والتحلل وبناء الذات وترميم حتى الأعضاء والغسول من أدران (الوراء ) والخلف وبقايا التربية والورم العائلي وأعادة وصياغة الذات بمفهوم تنويري فائق الوضوح . ربما يبدو الأمر في غاية الصعوبة باديء ذي بدء ولكن بمجرد ان تضع اليد في الأتجاه الصحيح سرعان ماتأخذ نحو سبل الأرتقاء والتفرد ونشدان السطوع المتألق للوصول الى الغنوص والفيض .أن ظاهرة الدخول في المجتمع بالوعي الماضوي يفرض لزاما مجموعة من الأخطاء تكون عائقا نحو ترسيم حدود للذات ووضع خطوط بيانية نحو شكل جديد قادر على التفاعل وربما التماسك على أقل تقدير بين أخطاء الجينات والحد من هيمنتها وضرورة الربط بينهما معا والأنخراط في مجتمع متعدد الثقافات يؤمن دوما بفكرة التلاشي وحدود الهامش والأهداف الكبرى وكأنها مصــير قومي .
عامل فاعل
الوراثة تكون عاملا فاعلا في التركيبات الصورية والشكلية وهذا لايمكن بأي حال من الأحوال الخلوص منه ؛ كارل ياسبرز يسميها الأمور الحدية ماعدا ذلك تستطيع الافراد تحجيم وتشفير نمط آخر يكون حاصلا من مجموع الجين الوراثي والتحشيد الفردي يتوحد معا في صورة اخرى يحدد بدوره المسار الجديد لهذه المجموعات لكن من له القدرة على الجمع بين هاتين للوصول الى نقطة الألتقاء , الثقافة والتي هي عنوان للركائز التنموية وطريقة ناجحة وناجعة لتضميد المسارات الملتوية صعودا نحو الأفق المنشود أستشرافا وتطلعا للمدى المؤجل , الثقافة في هذه المعايير كلها تسمو وتتعالى بل لها القدرة في أمحاء وأضفاء مفاهيم اخرى ولها ايضا في تغيير اصناف الدم وألغاء بيلوجيا الجسد ووضع خارطة لكل كريات الأنسجة تحقيقا لهذه الأهداف وهي في خطيين متوازيين أحدهما يعمل لحساب الثقافة المخطط لها في تصعيد الذات وتساميها او تخريبها تبعا لعوامل واهداف المؤسسة ؛ الوراثة هنا ليس لها في المخطط التنموي على اقل تقدير سوى تلك الركيزة الشكلية وما عدا ذلك فأن الثقافة تساعد كثيرا في بلورة سلوك آخر متعدد المسارات يشكل قاعدة لكل السلوكيات اللاحقة من هنا ومن خلال هذه الفرضيات فأن الوراثة تكون عاجزة امام الثقافة التنويرية المحفزة والهادفة ومتخاذلة ومستبدة في المجتمعات الرخوة لأنه ليس بوسعها التحلل من هذه الأمصال الوراثية والتي لم تأخذ بعد ( ثقافة التجلي) الثقافة التي تصمد وتقف بحزم امام العروق المسدودة ( المنجلطة)التوريث هنا ينكسر وينهزم لكنه يتمدد وينمو ويتأصل عند المجاميع المأخوذة والمأسورة بهاجس الماضي كل هذه الافتراضات تتشعب وتترسخ بفعل عامل الهيمنة تكون مساعدا احيانا في ديمومة الأدلجة وهذه بدورها ( الرموز ؛ المنافع ؛ الأصوليين ) أداة اخرى في ترسيخ كيان آخر وأحيانا تكون الثقافة تمهيدا لسبل اخرى تعبيدا للطرق التي اوصدت لسنوات وكانت بابا مشرعة للكراهية وان الآخرين الذين لم يجلسوا معنا هم أعداء لنا ان الثقافة بهذا المفهوم غاية يسعى نحوها كل الذين روجوا وأشاعوا مفاهيم العولمة والتقارب التقافي وصولا الى الأخوة . لعلنا من خلال هذا لايسعنا وضع خارطة لصناعة انسان خارج المفاهيم البيلوجية والماورائية انما تسليط الضوء نحو ثقافة جاهزة محنطة خالية من كل اشكال الانبعاث الانساني فالثقافة الالكترونية على سبيل المثال ثقافة مصنوعة ومبرمجة وهادفة ربما نجهل الكثير من مراميها المستقبلية وهذه الأستنتاجات داخلة في احتمالاتها ان فكرة الوجود لم تتضح أبعاده وغاياته..
في أستفهام آخر ان ماهية الوجود لم تضع كل العلوم والدراسات والمختبرات والبحوث على مر العصور ,أقول لم تضع الأهداف والغاية المتوخاة منها اي مامعنى ان نوجد ونحيا نكون ونموت, وقد سعى الموروث ( لاهوت وفلك , فلسفة وفنون وآداب …) من وضع حدود لتلك الماهية ولكنه لم يجد حدودا متناهية, غايات او مساعي سوى ماصرحت به الأديان اننا لابـد من ايجاد سبل لها القدرة في وضــــــــع مقـــــــــادير ونهايات خالية من الأحتمال والأفتــــــراض وان وجود الأنسان محكوم بالثقافة التي هو فيها ويسعى اليها هي النهاية الحتمية لقانون الوجود وان الوراثة توصيف للسببية ليس ألآ.
1ـ ليس المراد المعنى الأصولي أنما الأستدلالي.























