نحو تجديد العمل التطوعي – صبا نوري عطاالله

نحو تجديد العمل التطوعي – صبا نوري عطاالله

النوايا وحدها لاتكفي احياناً، الطفل الذي رسم قلبا على سيارة والده بالاصباغ الجافة كان ينوي التعبير عن مشاعره، الطبيب المبتدئ الذي تدخل لانقاذ مريض وحقنه بالابرة الخطا كانت نواياه سليمة.

في كل مفاصل حياتنا وعلاقاتنا وتعاملاتنا النوايا وحدها لا تكفي واحيان كثيرة لاتبرر، لهذا من المهم الموازنة بين النوايا المخلصة والجهود الخالصة، لكي تكون للسلوكيات والاعمال قيمة مثمرة.

من هذا المبدأ والفهم وجب اليوم اعادة النظر في الواقع التطوعي والخيري عموما في المجتمع العراقي، لانقاذه من سلوكيات سلبية تتمثل بالمتاجرة والتصنع والتخلف في الحملات التطوعية الخيرية مهما كانت النوايا سليمة.

حيث كثيرا ما نشاهد ذلك على مواقع التواصل والقنوات الفضائية من سلوكيات مؤذية للفقراء والمحتاجين تصل الى حد الابتزاز والاستغلال، سواء الاستغلال الحاصل قبل القنوات الفضائية، او من قبل الناشطين والمنظمات التطوعية.

والملاحظ عند متابعة هذه النشاطات التطوعية ثمة بدائية تخيم عليها وعلى القائمين بها، حيث منهم من يتبع اساليب في الحملات التطوعية من اجل مساعدة عائلة ما، تكون جارحة ومؤذية لهذه العائلة، او مستفزة وغير مناسبة للفئة المستهدفة التي يسعى ان يحصل منها على التبرعات.

وهذا الواقع اقل ما يمكن القول عنه بالمؤسف، لذلك نحاول الابتعاد عن تشخيص الحالة و المناقشة لتقديم مقترحات فعالة لعل تساهم في الحد من هذه الظاهر.

حيث لا مبالغة بالقول بان العمل التطوعي بكل اشكاله انضج واعمق من هذا التخبط الحاصل، فالعمل التطوعي ابداعي المظهر فلسفي المضمون ذكي الوسيلة، فهو العطاء.

وذلك ما ادركته العديد من المنظمات الخيرية في الدول المتقدمة وحتى النائية منها، اذ توقفت عن اي اساليب تقليدية تمارسها بعض المنظمات والناشطين اليوم، واخذت بالاتجاه نحو النضوج في جمع التبرعات محققة بذلك نجاحات واسعة!

وعلى سبيل المثال ما قامت به احدى الجمعيات الخيرية في تلك البلدان من انتاج فليم قصير يتحدث عن حالة انسانية ما مرفقة بحساب للتبرع، استطاعت الحصول على تبرعات تكاد اضعاف التبرعات التي حصلت عليها احدى المنظمات المحلية في المجتمع عند نشر فيديو مناشدة لحالة مرضية ما سواء على مواقع التواصل او القنوات الفضائية.

او ما يقوم به فريق تطوعي ما من اقامة حفل خيري لفنان او شخصية مشهورة قادر على تحقيق مبلغ يضاعف المبلغ الذي يمكن ان يقدمه المصلين بعد توسل الامام في خطبة الجمعة منهم للتبرع طيلة سنة كاملة.

او كإقامة معرض لمنتوجات او ابداعات للايتام في مهرجان، قادر على تحقيق ايرادات وتدفع الانسان للتبرع اكثر مما يدفعه مظهر المتسول الذي يلاحقه في الشوارع!

او حتى كان يتم اقامة حملة بالتعاون مع الاطباء والمراكز الطبية لتقديم يوم مجاني يتمكن من خلاله الفقراء من الحصول على الخدمات افضل من الاقتصار على جمع مبالغة نقدية من خلال التبرع لحالة مرضية واحدة وغيرها من افكار وطرق فعالة قد لايتسع ذكرها.

واضافة الى والامثلة المذكورة ثمة عوامل اخرى لابد من الاهتمام بها عند العمل الانشطة التطوعية كالجانب المهني والتنظيم فهو من عوامل النجاح اذ ان الظهور بالمظاهر المهني يعكس صورة منظمة وصادقة، عامل مهم ومؤثر، والالتزام بالمعايير الانسانية سواء في تقديم المساعدة او طلبها، تعتبر الحد الفاصل الذي يحكم على اخلاص جهودك من عدمه.

كما ان التعامل بشفافية والية مكشوفة، سمعة ومحامي دفاع في غيابك لجهودك، كذلك ان التحرر من الافكار النمطية والاساليب التقليدية وصفة نجاح مضمونة.

بالاضافة الى ان التخصص شرط اسياسي لنجاح الاعمال الخيرية، حيث بد من التحديد نوعية النشاط التطوعي الذي ترغب ان تعمل من عليه، فالجمع بين مساعدة الفقراء والمرضى، والدفاع عن حقوق الانسان والحريات، وكفالة الايتام، والعمل في نشاطات التعايش والسلام، يعكس عن فشل اكثر مما تعتقد من كونه نجاحاً.

كمان ان الى ان التعامل مع التبرع سواء كان جهة رسمية او افراد بمهنية ووعي وادراك لمفهوم العطاء هو الانطباع الذي يحكم قناعات المقابل لتقديم التبرع من عدمه، فالمخاطبة باسلوب واقعي تحفيزي يدفع الانسان للعطاء اكثر من المخاطبة باسلوب ثوري ساخط، فالانسان بالمحصلة كتلة دوافع مراعات تلك الدوافع واحتراف فن التعامل معها، هو العلم الذي يلزم الناشط التطوعي اكتسابه.

وغيرها من افكار ومقترحات قد لاتكون اراء شخصية بقدر ما هي واقع نرى العديد من المتطوعين والفرق الناشطة الواعية تعمل به، وتحقق من خلاله نجاحات ملموسة.

لذلك من خلال هذه الصحفية الموقرة، ندعو لتجديد الواقع التطوعي والخيري وتطوير الافكار والاليات بدلا من الافكار والسلوكيات السائدة التي منها ما قد يكون وصمة على العطاء الانساني عامة.