
الدولة المدنية في العالم العربي
أكاديميون: ديمقراطية مقننة يجري تداولها بين الفاعلين
تونس – نور بدر
نظمت وحدة الدراسات الاجتماعية والأنثربولوجية والإثنية في المعهد العالمي للتجديد العربي محاضرة فكرية بعنوان: الدولة المدنية في العالم العربي بمشاركة ساري حنفي كمحاضر رئيسي، ومحسن بوعزيزي أستاذ علم الاجتماع بالجامعة التونسية، مبروك بوطقوقة رئيس مركز فاعلون، ومنى عبد الله الغريبي أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة الملك سعود، ومحمد فرحات أمين عام الجمعية العربية لعلم الاجتماع وبحضور أعضاء المعهد العالمي للتجديد العربي وشخصيات فكرية وثقافية من خارج المعهد، إضافة إلى عدد من طلاب الماجستير والدكتوراه من عدة جامعات عربية، وقد أدارت الندوة رئيسة الوحدة أ.د دوللي الصراف، حيث رحبت بجميع الضيوف والحضور الكريم، واستهلت كلمتها بالقول:
“ثمة تساؤلات عريضة حاضرة لمعظم الباحثين والمهتمين بهوية الدولة في العالم العربي، حول ملامح الدولة التي يريدوا صانعي التغيير انشائها، أو اقامتها في ظل علاقات القوى، هذا في ظل الأزمات البنيوية الخانقة التي أعاقت تأسيس دولة عربية تقوم على قيم المواطنة والمساواة والعدالة الانسانية.
دولة مدنية
إن هذا يفضي بنا بنا للبحث في مصطلح الدولة المدنية وما يرافقه، وذلك بين من يعتبره مرادفًا للدولة العلمانية ومن يميل إلى استخدامه لأنه اكثر ملائمة للواقع العربي، وهذا يفتح النقاش لمجموع من الأسئلة:
هل وصلت الدولة العربية لمستوى الدولة الحديثة؟ وهل يجب علينا مقاربة الدولة وفق مفاهيم لا تتماهى مع المفاهيم الغربية للدولة الغربية، وإلى أي درجة يصبح مصطلح الدولة المدنية مطاط؟ هذا ما نود اليوم فتحه للنقاش مع مجموعة من الباحثين والمثقفين العرب، وفي البداية مع أ.د ساري حنفي
تحدث أ.د ساري حنفي مشيراً إلى أن الدولة المدنية ليست قيمة بحد ذاتها، بل تنبع القيمة من إنشاء نظام ديمقراطي ليبرالي، فالقيمة اذًا بالديمقراطية والليبرالية. ثم متطرقاً إلى ضرور تفكيك التدين وتفكيك الليبرالية، ففي الدين هناك قطعيات “لها ثقل تاريخي وفقهي ومستندة على القراءن والحديث الشريف” وهناك شيء قابل للتأويل حسب مقاصد الشريعة، أما تفكيك الليبرالية فالرهان الكبير بأن الليبرالية هي الحريات الفردية والجماعية والمساواة، وتفكيك الليبرالية يستدعي منا رؤية كيف نعيد التماسك المجتمعي وسط مجتمعات شديدة التعددية.
كما يصبح الفصل بين الديني والسياسي شرطاً من شروط الدولة المدنية، تكمن أهمية ذلك بالأبعاد ذات الصبغة الدينية التي تتداخل مع شرعية النظام السياسي، وأشار إلى أن دور الدولة يكمن في تحقيق العدالة، وعدم اتخاذ موقف حيادي، باعتبار أن الدولة حامية للعدالة ومفاهيم الخير التي تحددها المجموعات فيما تحمي الدولة تحمي هذه المفاهيم.
تالياً تحدث محسن بوعزيزي عن طابع الدولة العربية الذي عطل ظهور دولة مدنية في السياق العربي، متسائلاً من أي يأتي التسلط في الدولة العربية؟
ناظراً إلى أن الدولة تخضع المجتمع عبر مختلف مؤسساتها وتسحق الفرد من خلال نظرية الطاعة وأولوية الجماعة؟ فالدولة العربية لم تكن دولة إسلامية إلا على الورق، ولن تكن دولة مدنية إلا على الورق.
فيما أشار أن أن هناك صراع قوى حاضر دوماً ومرتبط بالمصالح السياسية، فدولة الخلافة كانت دولة سلطة “منكم أمير ومنا أمير”، هذا التداخل المركب في الدولة العربية حافظ على ديمومة السلطة المرتبطة بهذه المصالح السياسية، فيما كرس الدين كرأسمال من منطق الربح والخسارة والسوق.
نمط مثالي
مشيراً إلى أن النمط المثالي للحاكم العربي يتمثل بقدرته على فصل المدني عن السياسي، والديني عن العسكري.
بعد ذلك تحدثت منى الغريبي منطلقة من من تساؤلات جدلية، كيف ينظر العالم للدولة العربية؟ هل هي نموذج مستنسخ من الدولة الغربية؟ أم هي تصور عربي؟ وما هو موقف العالم الغربي حيال انتاج دولة مدينة في العالم العربية؟ هل يقرأه قراءة صحيحة وبشفافية؟
معتبرة أن احتكار المال والسلطة والقوة العسكرية مؤشرات على شل ثورات الربيع العربي، فيما اتسمت هذه الثورات في صورتها الأولى بكونها ثورات فوضوية غير موجه بالشكل الصحيح، أما في صورتها الصورة بدت بكونها فكر ثوري انسحابي بمعنى أنه تحرك نحو الديمقراطية وهذا لم يحدث والصورة الثالثة ظهر بكونه فكر ثوري متطرف عنيف باسم ايديلوجية معينة.
متطرقة إلى الأزمة في النظام السياسي العالمي هو إخضاعه لأجندات الأحزاب السياسية، مثلاً من خلال تعريف إسرائيل بأنها الدولة الديمقراطية فيما نرى ما الذي تقوم به في فلسطين تتجلى هذه المصالح. أما مبروك بوطقوقة فتساءل هل يمكن أن تكون الدولة المدنية ارضية للمصالحة بين الديني والسياسي، أو للمصالحة بين التيارات الدينية والعلمانية؟
معتبراً أن الصراع بين التيارات الإسلامية والعلمانية هو صراع ظهر مع الدولة الوطنية وأضر كثيراً بالشعوب العربية وتوجهاتها نحو التطور وتحقيق آمال شعوبها.
كما وتحدث محمد فرحات معتبراً أن أهم توافق قام به الناس وأبرعوا اختراعه بعد تشكل البشر كجماعات هو الدولة.
منوهاً إلى كيفية فهم دور الدولة التي أصبحت اليوم تحتكر العنف والضبط والسيطرة والتوجيه وتقدير المصائر، إذ أصبحت معطى مركب ومعقد في صيروته.
معتبراً أن كل وظائف الدولة تحيلنا إلى أن هناك دول لها وظائف مؤطرة وذات صيغة مدنية وتنظيم لممارسة العنف، وهناك دول تتصرف بصورة غرائزية.
مؤكداً أنه لا يوجد ديمقراطية ولكن هناك ديكتاتورية مقننة يجري تداولها بين الفاعلين.
ثم متحدثاً كيف أن دلالة المدنية فيها اشتقاق المدني، فالثقافة المدنية هي التي يمكن أن نسألها في سياق التاريخ يعني الدولة وهوية الدولة، ففي تاريخ العرب كان هناك ملامح مدنية ولكنها عانت من غياب التراكم وغياب الثورات، وهذا أضعفها.
منوهاً إلى أن فكرة تجديد الثقافة هي التي تمكننا من السير في طريق الدولة المدنية كمشروع له متطلبات وتقف إزاؤه صعوبات هائلة. بعد ذلك عقبت د. دوللي الصراف مؤكدة أن هذا النقاش يفتح باباً لعديد من القضايا التي سوف يتم التطرق لها خلال سلسلة من الندوات حول هذا الموضوع في المستقبل القريب.























