
الصحافة في عهد عبد الكريم قاسم – محمد مظفر الادهمي
عندما قامت ثورة 14 تموز 1958 واعلن النظام الجمهوري واصبح عبدالكريم قاسم زعيما للعراق، اغلقت جميع الصحف التي كانت تؤيد النظام الملكي ، باستثناء اعادة منح الاجازة لاربعة منها . وقد ابدلت هذه الصحف الاربعة سياساتها وخرجت في اليوم الاول من الثورة باعمدة كبيرة تؤيد الثورة وتهاجم النظام البائد ورئيس وزراء العراق المزمن نوري السعيد . اما الصحف التي تم اغلاقها بعد عام 1954 فقد سمح لها بالصدورمن جديد . كما ظهرت العديد من الصحف الجديدة ذات الاتجاهات السياسية المختلفة ، من الشيوعيين والبعثيين والناصريين والوطنيين التقدميين والاخوان المسلمين والصحف غير السياسية .وخلال اسبوع وصل عدد الصحف والمجلات في بغداد الى 45 صحيفة ومجلة ، كما صدرت في المدن العراقية الرئيسة 20 صحيفة ومجلة .ونشرت الصحف اخبار اطلاق سراح الصحفيين وقادة الاحزاب المعتقلين ، في الوقت الذي اعتقل الوزراء والسياسيين والصحفيين المحسوبين على النظام الملكي السابق..وفي عام 1959 عقد اول اجتماع لاتحاد الصحفيين العراقيين برعاية عبدالكريم قاسم الذي قدم منحة مالية للاتحاد الجديد ، وراتب تقاعدي للصحفيين الذين لهم خدمة اكثر من 15 سنة ،واستلم كل صحفي من الحكومة قطعة ارض سكنية مجانا في مجمع دعي (حي الصحفيين)
لقد كانت هذه الفترة عبارة عن شهر عسل للصحافة ، الا انها كانت قصيرة . فخلال الاربعة اشهر الاولى من ثورة 1958 وزع من جريدة الحزب الشيوعي ،اتحاد الشعب ، 23 الف نسخة مقارنة بأعلى نسبة توزيع والتي بلغت 3 الاف نسخة لاي جريدة حزبية اخرى . وقد قام الشيوعيون بعد الثورة ، وبمساعدة مطابع روسية الصنع ، بانتاج اكثرالصحافة السياسية التي لم يشهدها العراق من قبل . و عزز نفوذهم وجود الصحف اليسارية . وقد حافظت صحف الشيوعيين على تغطية واسعة للاحداث الحكومية وغير الحكومية ، و خصصت الصفحات المهمة من كل عدد الى العمال والفلاحين .كما ان الاخبار العالمية التي تؤخذ من الوكالات الاجنبية وتنشر من قبل وكالة الانباء العراقية التي تاسست حديثا ، كانت تحرر بما ما يتلائم مع توجهاتهم الايديولوجية ، فاصبح الحزب الشيوعي من القوة بحيث اصبح يهدد حكومة عبدالكريم قاسم باستلام السلطة منها ، وصار الشيوعيون يهتفون في تظاهراتهم (عاش زعيمي عبدالكريمِ حزب الشيوعي بالحكم مطلب عظيمِ) .من جانب آخر كان هناك صراع سياسي على السلطة بين عبد الكريم قاسم ونائبه عبدالسلام عارف ،الذي كان يكافح لتامين الدعم للصحف المعارضة للشيوعيين والتي تمثل سياسيا حزب البعث والناصريين والقوميين العرب .
فانقسمت الصحافة الى مؤيدة لعبدالكريم قاسم واخرى مؤيدة لعبدالسلام محمد عارف ،وعندما تخلص قاسم من عارف ،وجد نفسه امام طغيان شيوعي على الشارع ، واجج من مشاعره ضدهم اتهامهم بمجازر كركوك والموصل ضد التيار العروبي ، فاصبح عبد الكريم قاسم امام خيارين :اما ان يسلم سلطته الى الشيوعيين او الابقاء على توازن القوى مع بقائه زعيما اوحدا .وكان قراره ان اناب سلطته الى الحاكم العسكري العام الذي منع الشيوعيين من الطباعة والقي القبض على المحررين ،واخيرا اوقف جريدة الحزب الشيوعي كلية. كما قام قاسم بتقديم الدعم المالي لصحف معادية للشيوعيين قامت بمهاجمتهم علنا..
ونتيجة للاحداث الدامية فقد اعلنت الاحكام العرفية وبدأ المجلس العرفي العسكري يحاكم الشيوعيين بتهم متعددة، وفي مايس 1960 القى الزعيم عبدالكريم قاسم خطابا غاضبا في المؤتمر الثاني لاتحاد الصحفيين العراقيين اتهم فيه جميع الصحف بعدم الموضوعية والانحياز والفساد وتقسيم الشعب واساءة استخدامهم لحريتهم.واكد ان الصحافة يجب ان توضع تحت قيود مشددة طالما هي لا تلتزم بمباديء وحدة البلاد وكرامتها .
ومع ذلك فقد امسكت الحكومة العصى من الوسط في الموقف من الصحافة الشيوعية والصحافة القومية لكن الحاكم العسكري العام فرض قيودا عليها حين منع الصحف من التطرق الى اي موضوع يعرض سلامة البلاد الى الخطر.ولم تنفع مطالب الصحفيين برفع القيود التي فرضت على الصحافة .
واستمر الحال على ماهو عليه الى ان اقصي عبدالكريم قاسم من الحكم في 8 شباط 1963.
اما عن الصحف التي صدرت في عهد قاسم فهي (جريد الاهالي) الناطقة باسم الحزب الوطني الديمقراطي ،وكانت لها مواقف واضحة وشجاعة في القضايا المهمة ، وبلغ توزيعها 20 الف نسخة . وجريدة (اتحاد الشعب) الناطقة باسم الحزب الشيوعي العراقي وكان عبدالقادر اسماعيل رئيس تحريرها،ووقفت الى جانب عبدالكريم قاسم ودعته بالزعيم الاوحد ، وعندما اختلف مع زميله عبدالسلام عارف هاجمت الاخير ووصفته بالخائن.
كما كانت تهاجم عبدالناصر والجمهورية العربية المتحدة ، لكن قاسم اغلقها عندما غضب على الشيوعيين .اما جريدة الجمهورية فقد بدأت حكومية تؤيد عبد الكريم قاسم ثم اصبحت بعد ابعاد عارف ناطقة باسم حزب البعث العربي الاشتراكي بشكل غير مباشر الى ان اغلقت عام 1959.
اما جريدة (خابات) فهي الجريدة الكردية التي كانت تدافع بقوة عن حقوق الكرد ومشاركتهم في الحكومة.وكانت جريدة (البيان)ناطقة باسم الحزب الوطني التقدمي ومؤسسها محمد حديد الذي انشق عن الحزب الوطني الديمقراطي عام 1960 وكانت جريدة محافظة ،لكنها توقفت عام 1962 عندما اعلن حديد مغادرته العمل السياسي .كما اصدر الحزب الاسلامي العراقي جريدة (الاسلام)،وكان توزيعها لا يتجاوز 500 نسخة، والتي توارت عام 1961.هذه هي الخطوط العامة لتاريخ الصحافة العراقية في عهد عبدالكريم قاسم التي انتهت بانتهاء عهده لتبدأ مرحلة جديدة في شباط عام 1963.























