
السعودية تستجيب لمقترح عراقي – حسين فوزي
في عام 1998 كتب الأستاذ أمير جواد الحلو في صفحته الأسبوعية في مجلة “ألف باء” داعياً إلى أن تحد الجوامع والحسينيات من علو صوت مكبرات الصوت عند الأذان وخطب الجمعة وبقية ما تبثه المنابر الدينية، مشيراً إلى أن علو صوت المكبرات قد يلحق ضرراً بمرضى القلب، كما أنه قد شكل إرهاقا لمن عمل وسهر ابتغاء لرضى الله، وعاد لبيته ليرتاح، وفي الأصل فأن أداء الفرائض يأتي من وجدان المرء وليس من علو صوت المكبرات.
وفي نفس التوجه كتب الصحفي احمد عبد المجيد موضوعاً بنفس السياق في مجلة “صوت الطلبة”،
في حينها تصدى لأمير الحلو السيد الدوري الذي كان مستشاراً في وزارة الثقافة والإعلام، فكال له الكثير من التهم، ضمنها التحريض على الإلحاد، مع غمزه من قناة أنه “لم يكن منتمياً للحزب، وهو معروف بتوجهاته الليبرالية”. ولم يكن حظ الشاب عبد المجيد بأقل من الاتهام بـ”الزندقة” من قبل متنفذين مقربين من قادة السلطة.
خاف كثر من محبي أمير الحلو لدماثته وكتاباته لعمق طرحها عليه من “تحريض” الدوري الذي كان ضمن الصف الثاني من قيادات حزب السلطة، وتولى مسؤوليات خطيرة، منها مسؤول مكتب الحزب في ميسان، حيث “لاحق” الكثير من المواطنين حتى رمقهم الأخير، بسبب عدم “ولائهم للثورة”، وكان من ضمن هؤلاء الذين أصر على مطاردتهم السيد مؤيد اللامي نقيب الصحفيين الحالي الذي أحاله إلى محكمة عسكرية رغم مرضه…لكن الحلو كعادته كان هادئاً في تلقي اتهامات الدوري، ورد عليه بكلمات مقتضبة قال فيها ما معناه “لست هنا في معرض الرد على ما كتب عني من تشكيك، لكن ما أحب الإشارة له هو أن “السلطات في محافظة صلاح الدين كانت قد وجهت بخفض صوت مكبرات الصوت عند أداء الفرائض، لكن السيد الكاتب لم يتعرض لإجراء هذه السلطات، لكنه يستسهل استعراض عضلاته مع العبد لله (!!)”
كعادته كان الحلو هادئاً منطقياً في التصدي لتهم هذا المسؤول السياسي المؤتمن، وهو قريب مقرب من الشخص الثاني في الدولة، ويشتركان في الكثير من التوجهات الدينية غير المعتدلة، ولم يكن أمام احمد عبد المجيد الذي صار فيما بعد أستاذا للإعلام في كلية الإعلام، سوى مواصلة مسيرته ليحصد المزيد من دعاوى التنديد والتشكيك، الشيء المهم الذي ذكرنا بالطرح الشجاع للراحل الكبير أمير الحلو والزميل احمد عبد المجيد، هو أن السلطات الشرعية في المملكة العربية السعودية أصدرت توجيهاً يدعو فيه أئمة المساجد إلى خفض صوت مكبرات الصوت عند الفرائض إلى ثلث طاقتها، وهي بهذا بعد قرابة ربع قرن من مقترح الحلو تتبناه، مشيرة إلى أن لعلو الصوت ضرر، دون الإشارة إلى تلوث الضوضاء الذي يهدد حياة الإنسان في المدن الكبيرة والمعامل، فهذا ليس موضوعهم، لكن يبدو أن أهل الفتوى في السعودية أدركوا الأثر السلبي لعلو الصوت من حيث انه لا يقنع المرء بالإيمان في بعض الأحيان، إنما قد يكون مستفزاً وربما يلحق ضرراً صحياً في أحيان أخرى. وعلى هذا المنوال اصدر الوقف السني عندنا في العراق توجيهات بنفس المضمون.
وإن كان من معنى لإجراء يتخذ بعد ربع قرن من اقتراحه من قبل احد قادة حركة القوميين العرب الذين احترموا “حق الشعوب في تقرير المصير” ضمنهم كردستان ممن تعرضوا للسجن والتعذيب في حقبتي 1963 وما تلاها، والرقابة الدائمة من النظام المخلوع بعد إطلاق سراحه من معتقل قصر النهاية عام 1969 وكاتب مثل احمد عبد المجيد، هو أي بعد نظر وشجاعة امتلكهما رجال اتسموا ببعد النظر والوعي بأن الدين ليسوا كليشات جامدة، اللذين طالما كانا يكتبان داعيين إلى تجنب إراقة الدماء والسعي لوحدة الصف الوطني.
كم من الرجالات هدرت الشمولية طاقاتهم في القدرة على عطاء يبني العراق لأنهم ليسوا أتباعا أذلاء، فكانت النتيجة سقوط نظام التهميش والقمع والترهيب….وعسى ألا نواصل نفس الهدر لطاقات العراقيين باسم الدين… دين الإيمان بالعقل والوجدان وليس بالقمع والتشهير والتخوين.
بغداد
























