
أكاديمي عاشق للمغرب
رؤية عراقية في الشأن السياسي المغاربي
مازن صاحب
لا حدود يتوقف عندها الفكر الإنساني، فكيف يمكن ان يتوقف اكاديمي عراقي يتخصص برؤية بحثية عن المملكة المغربية خاصة ودول المغرب العربي عامة، في كتابه حاول المؤلف “هشام القيسي” ان يضع عنوانا مثيرا ، تضمن اسم الاكاديمي الأستاذ الدكتور محمود صالح الكروي ، وتحته وضع عبارة ” رؤية عراقية في الشأن السياسي المغاربي “
مثل هذه المؤلفات تفتح أبواب التعريف بنتاجات أكاديمية عراقية احترفت التخصص العلمي والمحدد جغرافيا، فالواضح ان الأستاذ الكروي ،متخصص بالنظم السياسية ، ولكنه صب جل اهتماماته البحثية طيلة ثلاثة عقود ونيف على الشأن المغاربي ، حتى بات أي باحث عراقي او عربي يستعين به وبمكتبته العامرة للتعرف على بواطن الأمور في قراءة متعمقة للتاريخ ومقارنة مع الواقع لاستشراف المستقبل … مثل هذا الكتاب اجد الحاجة ملحة لانتشارها وتعميمها على الكثير من الشخصيات الاكاديمية العراقية لتكون شهادات فخر واعتزاز للأجيال المقبلة ، توثق سيرة علماء الفكر السياسي في عراق اليوم ، وتؤكد في الغد ان هذا البلد غني بثروة من اهل الفكر والمعرفة .
يتناول المؤلف في كتابه السيرة العلمية للأستاذ الكروي، صديق عمر تعرفت عليه منذ عام 1987 وجدت نفسي اطالع سيرة شهدت الكثير منها شخصيا،وحين أحاول عرض هذا الكتاب بمضمونه الشيق ، اتابع تلك المحطات البراقة من عمرنا المشترك في العمل الإعلامي كموظفين في وزارة الاعلام قبل ان يغادرها الأستاذ الكروي الى العمل الاكاديمي .
فكر انساني
لذلك تتجدد التساؤلات في كل صفحات الكتاب عن الفكر الإنساني في تجربة شخصية عراقية ، استطاع من خلال عمله في الملحقية الإعلامية في المغرب ان يتعامل مع الواقع السياسي والمجتمعي والاقتصادي وسبر اغواره ، وحين تعامل مع هذا الخزين من المعلومات ثم الانطباعات بعقلية اكاديمية متفتحة ، بلورت مفكرا عراقيا جعلت الكثير من الشخصيات المغربية تعيد نشر بحوثه ودراساته في مختلف وسائل الاعلام المغاربية ، منها ما نشره الشخصية المغربية المعروفة عبد القادر الادريسي تعليقا على بحث بعنوان ” ابعاد المضمون القومي العربي في فكر علال الفاسي ” ليقول الادريسي في جريدة العلم المغاربية في 9/5/2009 بانه قد فوجئ بمفكر عراقي يكتب عن المغرب بهذا العمق والمصداقية والنزاهة الفكرية والأمانة العلمية .
تضمن هذا الكتاب الكثير من الشهادات التي نقلت عن شخصيات اكاديمية مرموقة عراقية وعربية ومغاربية ، لكني اتوقف عند كلمات الادريسي ،هذا العملاق في تاريخ الصحافة والاعلام المغربي ، والشخصية السياسية المعروفة ليقول مثل هذه الكلمات بحق الأستاذ الكروي ، بما يحقق هذا التلاحم المصيري في الفكر الإنساني أولا وفي لحمة العلاقة القومية العربية ثانيا ، وانتقاء الكلمات بعبارات غير طنانة الا انها معبرة بقوة وعمق اكاديمي مصداقا للفكر السياسي الذي يطرحه الأستاذ الكروي في كتبه ودراساته ، فالعمق في التعامل مع البحث الاكاديمي حالة مطلوبة وليست مفترضة لان التعاطي مع الظواهر فقط تحرم الباحث من حرفة كتابة التاريخ ، لذلك حينما يكتب الأستاذ الكروي عن الواقع المغاربي وتاريخه السياسي بمنهجية اكاديمية كان لأساتذته مثل استاذنا العلامة المرحوم صادق الأسود المتخصص في علم الاجتماع السياسي أثرا فيها ، ما يؤكد تلك العلاقة الترابطية ما بين صنوف العلوم السياسية ، مما ولد قدرة العمق في التفكير لحفر كلمات تقرأ للتاريخ من الأجيال المقبلة .
النقطة الثانية، المصداقية ، ولا تأت هذه الكلمة اعتباطا ، فمن دون توفر المعلومة ، وهي المهمة الأصعب عند الباحث الحصيف مثل الاستاذ الكروي ، التي تقارن بانطباعاته التي جاء بها بعد أعوام عاشها بين اهل المغرب وتعرف على طباعهم وعاداتهم وتقاليدهم ، مما يجعل احد ابرز معالم فكره السياسي تلك المصداقية التي جعلت شخصية مثل الادريسي يمنحه إياها كوسام فخر تليق به ويتمناها أي باحث اكاديمي ، فكيف انها جاءت من هذه الشخصية المغربية الكبيرة .
نزاهة فكرية
النقطة الثالثة ،النزاهة الفكرية ، وهذه معضلة يقع في مطباتها الكثير من الباحثين لاسيما من غير اهل البلاد بل هناك مراجعة معروفة عن هذه النزاهة في الانصاف عند تحليل اية مدخلات معلوماتية فمعادلة أي فكرة ومقارنتها بمواقف واراء مسبقة للباحث تجعله يقع في مثل هذا المطب ، الامر الذي نجح به الأستاذ الكروي بامتياز بشهادة رفيعة من الادريسي .
النقطة الرابعة ، الأمانة العملية ، وهي ناقوس يدق في وجدان أي باحث اكاديمي ، بما يجعلني اضيف لما قاله الادريسي ان الأستاذ الكروي لا يأخذ أي معلومة فقط بل يبحث عن المقارنة لإثبات علمية النقل والاقتباس ليس لحاجة ملحة في منهجية البحث الاكاديمي بل فقط كونه يريد ارضاء ذاته الاكاديمية بالأمانة العلمية في جميع بحوثته التي اطلعت عليها .
يقع الكتاب في 185 صفحة من القطع المتوسط، تضمن سبعة فصول وملحقين ، كان الفصل الأول عن الملامح الفكرية ومعطياتها بمجموعة من السيرة الببليوغرافية للأستاذ الكروي ، فيما تناول الفصل الثاني الثقافة الديمقراطية والخطاب الثقافي وهناك بحث متميز عن هذا الموضوع للأستاذ الكروي ، استعرضه المؤلف مقارنة بوقائع عراقية مشهودة ، وضمن تخصص الفكر المغاربي قارن المؤلف بين طروحات الأستاذ الكروي عن دور الدين والحكم في المملكة المغربية ، وخصص الفصل الرابع للحديث عن رؤية الكروي للمعارضة في المغرب وكيفية التعامل ما بين قادة المعارضة والقصر الملكي في مراحل مهمة من تاريخها السياسي ، اما الفصل الخامس فكان عنوانه ” في المغرب العربي ” تضمن استعراضا لبحوث الكروي عن تونس والجزائر وموريتانيا ، ولعلي هنا اتوقف عند الفكرة التي طرحها الأستاذ الكروي عن إجراء تعديل في الدستور الموريتاني تضمن تجريم الانقلابات العسكرية وهو التعديل الذي اخذت به الحكومة واحزاب المعارضة بعد حوار استمر سنة ونصف من نشر بحثه في عدد تموز لسنة 2011 في المجلة العلمية المتميزة المجلة العربية للعلوم السياسية / بيروت .
وافرد المؤلف الفصل السادس لتحليل علاقة العشق الفكري بين الكروي وعلال الفاسي، هذه الشخصية الوطنية المغاربية التي اكثر الكروي من بحوثه ومقالاته عنها، فيما خصص المؤلف الفصل السابع لتحليل المنظور الكلي لطروحات الكروي الفكرية، وتضمن الملحقين عناوين البحوث والمقالات التي نشرت له طيلة سنوات ماضية
يبقى من القول ان مثل هذا الكتاب كمحاولة مهمة في عالم البحث والتوثيق ، انما حاجة ماسة ولا يتعلق بالأشخاص، بل بتاريخ الفكر والثقافة العراقية ، نحتاج للاحتفاء بمفكرين عراقيين ، مختصين ، لهم قراء عرب ، تترجم مقالاتهم ودراساتهم للغات اجنبية ، تتعامل الأحزاب والحكومات مع ما ينشر من طروحات وحلول لمشاكل دستورية وسياسات عامة في أنظمة الحكم ، اما الامثولة الأكبر ، فهي احترام التخصص ، فمنذ عرفت الصديق الكروي يهتم ويكتب عن الشؤون المغاربية ، ومثل هذا الاختصاص الدقيق حالة مطلوبة في عالم الاكاديمية السياسية العراقية .
























