

لوحات الرسام سعد موسى
عتبات تصويرية مفعمة بالحس الجمالي والإنبهار
عقيل هاشم
اعمال سعد موسى حُبلى باثار رافدينية معبرة ، جعل منها مساره الفني والجمالي وقد اتخذه منحى من الاستقلالية والتفرّد والأسلوب الخاص، فقد ساعده ذلك بالاطلاع والاتساع والانفتاح على ثقافة اور وسومر بما يتناغم وأفكار وتصوّرات وأسئلة المثقف حول الذات والهوية والعلاقة مع المكان.وهو يشتغل منذ سنوات على مفهوم الأثرالرافديني كثيمة تشكيلية وكموضوع جمالي مستوحى من ثقافة المعابد والرقم الطينية ، مُستعينا في ذلك بدراسته السيسوثقافية ,حفريات – التراث الرافديني – لفهم هذا المجتمع في حدود تفكيره البصري وقدرته على الإنتاج الفني.
فقد تفرّغ الفنان لاستكشاف قضايا جمالية بصفته فنانا وباحثا فنيا متمكنا، إذ يقوم عمله على اسقاط هذا الفن على حداثة الحياة مدعوم بحالة الذاكرة والثقافة ، والتراث المادي وفق تجربته وهو يخوض تجربة الاغتراب لعقود. . فقد شكّلت الثقافة التراثية ثيمة أساسية في أعماله ، من علامات ورموز والأزياء الرافدينية وغيرها.صاغها باسلوب فني معاصر ومتجدّد . ان تجربة الفنان نهلت أساسا من الفكر البصري العراقي واستعار منها بعض خصائص الامكنة الجمالية والرمزية.
افتتان بصري
اقول إن ما يقدّمه “سعد” هو الافتتان البصري فاعماله يغلب عليها المشهدية الغرائبية التي حرص على عرضها، بمثابة عتبات تصويرية مفعمة بالحس الجمالي والانبهار ، وهذا التأثر كان نابعا من وجود نزعة لدى الفنان لاكتشاف الآخر، والنظر إلى إنجازاته – فعل حضاري – لازال مؤثرا والى اليوم ، وكتعبير إنساني تشاركي مع الاخر ,وقد استلهم من مفرداته – التراث الرافديني – الكثير من الفنانين الاجانب والعرب لتطوير تجاربهم .هذه الافكار التراثية ساهمت في ارتقاء الفنون الحديثة، برمزيتها التي يحاول من خلالها الفنان أن يتقمص أرواح الأجداد ويبرز الأفكار القديمة ويبثها للأجيال المتلاحقة.ويعد الفن الرافديني فنا متميزا بذاته وبأجوائه الطقسية ورموزها التي تحمل تراكما هائلا من المعتقدات والعادات والحكايات.
إن تمسك الفنان بالهوية العراقية والتراثية وصياغتها فنيا بأساليب وتقنيات معاصرة، دون السير في سراب بعض الاتجاهات الفنية التي تسعى لاستنساخ التجارب الفنية العالمية، سيجعل فنه متميزا في كل أعماله الفنية، مادام يتمسك بهويته الثقافية وبتراثه الغني.
الناظر في لوحاته يكتشف الكثير من مرموزات إضافية من الحزن المستديم من الفقد الاغتراب الحزين والقسري في نفس (فكراته) الرجل/المراة/الطفل ، فالفنان دون.
وفي جانب اخر نرى الالوان التي يستخدمها تتدرج حول دائرة الالوان المحايدة المحصورة بين الارجواني والفيروزي هذه الالوان تتميّز بكونها توقظ المشاعر وتحيي اللهب المنطفئ، والعاطفة الساكنة، لتجعل المتلقي يغرق في عالم صوفي . هي ترجمة ما بداخل الفنان من تساؤلات متواصلة عن مكانة الإنسان في عالم أصبحت تعمّه الفوضى، وتتداخل فيه الرؤية ، مؤكّدا أن ما يرسمه، غالبا، ما يكون عبارة عن تصوير داخلي لمسيرة البحث عن الذات وعن السعادة الأبدية، مانحا المتلقي بطاقة مفتوحة لسبر عوالم الذات والكشف عن أسرارها.
واخيرا اقول ان اعماله الفنية تنتمي إلى المدرسة التعبيرية المجردة التي بواسطتها تعبّر بكل حرية عمّا في الروح من هموم ولواعج نفسية، اذن هي رحلة لكل فرد بالالتقاء مع نفسه.اذن اقول ان شاعرية – الفكرات- ونسقية الألوان يمنحان لوحاته إشباعا خالصا بالجمال، والذي يُترجم بصريا من خلال تراتبية الألوان وترتيب الأشكال ، ممّا يمنح أعماله خصوصية متفرّدة. وهنا يدعو الفنان إلى تقبّل الذات وتقبل الحياة كما هي، وفي ذلك نرى أن الجمال هو المعادل الموضوعي للدمار و الكراهية والفساد ، فالإنسان في سعي دائم نحو التطوّر المستمر والارتقاء والتغييركما لاننسى أن الانتكاسات والخيبات كلها جزء من الحياة.. الى ذلك (يجب أن يبقى الفن عملاً إبداعياً غنياً بالمعاني يسمو بالإنسان ويرتقي به)، هذا ما حدث له في حياته عن طريق فن الرسم ، فأكثر أعماله تتخذ الإنسان أساساً لها ولكونه “أثمن رأس مال” في الكون أستطاع أن يوثق حركة الحياة الاجتماعية والسياسية أيضاً ، بلغة فنية وفلسفة جمالية نابعة من أصاله حضارية مرتبطة بالواقع ، من خلال أعماله التعبيرية والتي تتأخذ منحى الرمزية .
رؤية جديدة
أنه الفنان التشكيلي الدكتور ماهود أحمد 1940-2021 الذي يعد من فناني التحول أي “الرؤية الجديدة “وخط له نهجاً فنياً خلال أكثر من خمسون عاماً تقريباً ، حتى أصبح من خلال هذه التجربة الكبيرة علامة تميزه في تاريخ الفن العراقي المعاصر ، ونستطيع أن نسميه مدرسة بحد ذاتها من خلال أسلوبه وأعماله المهمة التي قدمها عام 1979 والتي اكتسب شهرة واسعة منها (الشمر – العودة إلى الجذور – الهجرة المعاكسة) وغيرها من الأعمال الجميلة التي رسمتها أنامله المبدعة .
لقد ساهم ماهود أحمد , مساهمة جادة مع زملائه في تطوير حركة الفن التشكيلي العراقي ، من خلال خبرته في عمله الفني وتقنيته وتمكينه الفكري من تجربته الكبيرة وتأثيره بيئته الجنوبية ، والذي تفاعل معها واستلهم منها الكثير وترجمها في إنتاجاته البدائية أي في (شخباطاته) عندما كان في الصف الثاني الابتدائي عند ما لفتت إليها أنظار معلمه ، فقوبل أزاءها بالتشجيع والحث ، بعد تخرجه من المتوسطة دخل معهد الفنون الجميلة وتخرج منه بعد أن حصل على المرتبة الأول على زملائه ، ثم أرسل في زمالة دراسية إلى الاتحاد السوفيتي وأكمل دراسته الماجستير ثم الدكتوراه في موضوع الفن العربي الإسلامي ضمن إختـــــــصاصه العام هو (علم الفن).
لقد أخذ (د. ماهود) من لوحته كتلاً وأجزاء موزعة على مساحتها فكل جزء على حده ، ولكنه في آخر المطاف من إنجــــــــــــــازها تكون في وحدة متكاملة في اللون والأسلوب . “
تخضع هذه العوالم إلى وحدة اسلوبية تتظافر أجزاؤها لخدمة الموضوع” و”يعطي إهتماماً كثيراً للظل والضوء”. هذا ما تحدث عنه الناقد والتشكيلي شوكت الربيعي في كتابه الموسم “لوحات وأفكار”.
فأعتقد جازماً بأن الفنان ماهود أحمد قد عمل بفعل الفنان الحقيقي في ترجمة وعكس ، واستلهام موضوعات الفنية من صميم ثقافة المجتمع الذي يحمل تراثاً حضارياً عريقاً و أبعاداً شمولية في الوقت نفسه ، ومن فهم علمي عميق للتقاليد التي يتميز بها المجتمع .























