
قراءة في كتاب بين الأخطاء والخطايا – محسن حسن الموسوي
)
رسائل مفتوحة لإرساء ثقافة المسؤولية الوطنية
هذا هو الجزء السادس والستون من (موسوعة العراق الجديد) الذي يواصل كتابتها ونشرها سماحة سيدنا العلاّمة السيد حسين السيد محمد هادي الصدر حفظه الله.
ونحن حين نقرأ هذا الجزء من الموسوعة ، فإنما نقرأ جزءً من آمال وآلام العراق الجديد ، والمقالات التي يكتبها سماحة العلاّمة الصدر ، حفظه الله ، ( ما هي إلاّ رسائل مفتوحة لمن بيدهم زمام الأمور ، لتذكيرهم بمسؤولياتهم الخطيرة والكبيرة أمامَ الله، وأمام الشعب ، وأمام التأريخ ) ،
( كما أنها من جهة أخرى تواصل وتواصٍ بالحقّ مع الأخوة الأعزاء والأخوات العزيزات من أبناء الوطن الغالي ، وإسهام ٌ متواضع في إرساء ثقافة الإحساس بالمسؤولية الوطنية ، وتحريض على الانطلاق نحو العمل المخلص الجاد للخلاص من براثن الفساد الرهيب ، وهو وجه الإرهاب الثاني ) .
تلك هي ملامح هذا الجزء الذي ضمّ ( 43) مقالة كلها كُتبتْ مابين نهاية الشهر الثالث وبداية الشهر الخامس من هذا العام ( 2021) ، فهي إذا معالجات وخواطر وامنيات جديدة ، ضمن الأحداث التي تمرّ بالعراق الجديد.
ولسيدنا العلامّة الصدر ، حفظه الله، ميزة الأحرار الصادقين مع الناس ومع أنفسهم ، أحياءً وامواتاً ، فهو ، كما عرفناه عن كثب ، صاحب القلب الرقيق ، والإحساس المرهف، والاريحية العَلَوية ، لاينسى أصحابه، مهما اختلفت الظروف ، وهذا ما رأيناه في استذكاره للراحل الكبير العلاّمة السيد ( جودت القزويني ) ، رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جناته .
وفي هذا الجزء نراه يستذكره في سنوية رحيله الأولى ، واتخيله وهو يكتب هذه الحروف عن الراحل، والدموع بين جفنيه ، فيالله، وياللوفاء الكبير والصادق .
يستذكر سيدنا الصدر، حفظه الله، الكتابات المتبادلة مع الراحل ، وكيف فُقدت في العدوان الصهيوني على لبنان ( 2006م) :
( فقدَ الباحث الموسوعي الراحل الدكتور السيد جودت القزويني _ رحمه الله _ الكثير من كُتبه المخطوطة وملفاته ، إثر إطلاق الكيان الصهيوني الغاصب صواريخه على بيروت في حرب تموز( 2006م) كان يُخشى عليه لشدة أوجاعه واحزانه لما أصابه ، فقد كانت الصدمة موجعة له إلى حدٍّ بعيد . وكان ضمن ما فقده من أوراقه بعض قصائدنا وبعض ما كتبه عنّا ) .
وفي هذا المقال يورد سيدنا الصدر ، حفظه الله، قصيدة بليغة بعثها إليه المرحوم الدكتور السيد( عبد الحسين زلزلة ) مواساة له على هذا الفقدان ( 21 بيتاً) :
هل أواسيكَ ؟ إنّ شانَكَ شاني
وكلانا في الخَطْبِ ممتحنان
كُتُبٌ إنّهنَّ ذوبُ فؤادٍ
وعصارات هَمّكَ الإنساني
وفي الذكرى السنوية الأولى (2020 /4/7) يستذكره في مقال آخر ؛ ( الراحل العزيز الدكتور السيد جودت القزويني رحل عنّا بجسمه وبقي بيننا ماثلاً في القلوب؛ فهو الحاضر الغائب ، ولقد أبقى موسوعَتَيْن كبيرتين لن يستغني عنهما الباحثون في قضايا التأريخ والأدب وهما :
تأريخ القزويني في 30 جزءً والروض الخميل في 10 أجزاء)) .
عام الحزن
وفي مقال ثالث ، يذكر الراحل كذلك ، ( لقد سميّنا عام (2020) عام الحزن ،فلقد كان شديد الوطأة بأهواله وفجائعه)
وكان سماحة العلاّمة الصدر ، حفظه الله، قد أصدر في أربعينية الراحل ديواناً خاصاً بالراحل أسماه (( فيض المشاعر إلى الحبيب المسافر ) ،
(ذكرياتي مع الحبيبِ كتابٌ ضَمَّ في دَفَتَيْهِ سِرَّ حياتي
ولقد كان ( جودتٌ ) ليَ بَدْراً
ضاءَ لكنْ في حالكِ الظلماتِ )
وفي مقال رابع ، يستذكر سيدنا الصدر، حفظه الله، مرّةً أخرى الراحل الكبير ، وما كان عليه من دأب منقطع النظير لتدوين وقائع الجلسات واللقاءات الأدبية، وهو ما سجله في موسوعته ( الروض الخميل ) ، ثم يورد سماحة العلامة الصدر ، حفظ الله ، قصيدة الراحل جودت القزويني، رحمه الله ، في حفل تكريم السيد الصدر ، حفظه الله، عام (2010م) في بيروت ، ( 14 بيتاً) :
( عِشْ مُهنّاً فأنتَ للفضلِ أهلُ
ومزاياكَ عطرُ وردٍ وطَلُّ )
وفي كل نيسان ، نستذكر جريمة التأريخ المعاصر ، استشهاد السيد الشهيد محمد باقر الصدر ، قدس سره .
فسيدنا الصدر ، حفظه الله، ينشر قصيدة باذخة المعاني في استذكار ذلك المرجع الإسلامي الكبير ،( 16 بيتاً ) :
(للباقرِالصدرِ في دنيا الرسالاتِ
ملاحمٌ لم تَزَلْ أمّ الفتوحاتِ
الابتكاراتُ والتجديدُ طابعهُ
وفي العلومِ له إبداعهُ الذاتي )
وفي المقال نفسه ، يستذكر الشهيدة الخالدة( آمنة الصدر ) في قصيدة ، ( 12 بيتاً ) :
( بالدمِ القاني وبالفكرِ الرصينْ
كتبتْ ( آمنةُ) السِفْرَ الثَمينْ
إنها( زينبُ) في موقفها
مَرّغتْ بالوَحْلِ كيدَ المارقينْ )
وفي مقال آخر ، يكتب سيدنا الصدر، حفظه الله ، عن السيد الشهيد محمد باقر الصدر ، قدس سره، ( بشّرْ القاتلَ بالقتلِ ولو بعد حين ) ، ( وشاء الله تعالى أن يكون إعدامه في مثل اليوم الذي اغتال فيه الإمام الشهيد الصدر وشقيقته) .
وفي هذه المناسبة الحزينة ، يكتب مقالاً آخر بعنوان ( وراء كلِّ عظيم إمرأة ) ، ومَن تكون تلك المرأة العظيمة ، إلاّ أن تكون( أمَّ العظماء ) ، أمّ الفقيه الكبير والزعيم الديني المجاهد آية الله السيد اسماعيل الصدر ، وأخيه نابغة المراجع ومرجع الرساليين الناهضين ، رائد الفكر الإسلامي الإمام المجدد الشهيد السيد محمد باقر الصدر، قدس سره، واختهما المجاهدة العظيمة الشهيدة بنت الهدى، آمنة الصدر.
لقد كان رحيلها المفجع عام (1987م) فأقام العلامة الصدر ، حفظه الله، مجلساً تأبينياً في لندن ، وألقى فيه خطاباً ، يورده بتمامه في هذا المقال.
للشعر ، عند سيدنا الصدر ، حفظه الله، منزلة أثيرة ، (الشعر ديوان العرب، وهو ليس ألفاظاً موزونة مقفّاة فحسب ، بل هو وجيبُ القلوب، وصدى العواطف المشبوبة، وهمسات الحب والحنين ، وحزمة منسابة من الأفكار والرؤى ) .
( إنما الشعرُ خاطرٌ مشبوبُ
ونجاوىً تَطْوي المَدى وتَجوبُ
والقوافي هي القلوب إذا ذابتْ
حناناً ، وثار فيها الوجيبُ
يُولعفَذو الوَجْدِ والعناءِ الأديبُ)
بهذه الانسيابية الهادئة مظهراً ، والصاخبة روحاً ، يكتب سيدنا الصدر حفظه الله ، شعراً ، من السهل الممتنع ، ويقول ؛
( إنني لستُ شاعراً ، ولكني من هواة الشعر النابض بالحكمة ، والمغموس بعطر الحُبّ والمشاعر الإنسانية النبيلة ، وأراه المرآة الصافية التي تعكس صور الحياة بكلّ تلاوينها ) ؛
( إنْ يَكُ الكحلُ زينةً ، فالقوافي
في عيون البيانِ أجملُ كُحْلِ
* * *
رُبَّ بيتٍ يفوق ألْفَ كتابٍ
وهو يعلو بما يٌثير ويُعلي )
وغالباً ما يبتلي الشعر بشعراء المدائح الزائفة ، وللأسف فإن تاريخنا الطويل يحفل بالكثير من هؤلاء ، وسيدنا الصدر ، حفظه الله ، يمقت المدّاحين الزائفين، الذين يمدحون طمعاً بالمِنَحِ السخيّة ، ويقول:
( لا خيرَ في المدائح الزائفة التي يُطلقها تُجّار الحروف ، وليس لهم مِنْ هَدَفٍ إلاّ اصطياد المنافع الشخصية ، بعيداً عن كلّ ما يجب أنْ يُراعى مِن ضوابط موضوعية ومعطيات حقيقية ) .
( فما معنى أنْ يقف الشاعر ويخاطب الحاكم فيقول له :
ماشئتَ لا ما شاءَتْ الأقدارُ
فاحكمْ فأنتَ الواحدُ القهّارُ )
ولكن ( الخير كل الخير في التغنّي بأمجاد العظماء والمصلحين والفاتحين ، الذين لا بدّ أنْ يكونوا مورد التكريم والتعظيم ، لما قدّموه للأمة من عطاء عظيم ، وما خطّوه في مسارهم الناصع من مواقف ومآثر .)
الشعر مِلْحُ المجالس
( إذا كان الطعام لايستغني عن الملح فالمجالس لاتستغني عن الشعر، فالشعرُ مِلْحُ المجالس ، ومهمة الشعر أنْ يتجاوز الآذان ويدخل إلى القلوب بلا استئذان ، وهذه هي سِمةُ الشعر الأصيل).
وينتقل سيدنا الصدر ،حفظه الله، ليكتب عن العوامل المؤثرة في الشخصية الإنسانية ، ويعزوها إلى عامِلَيْن : الوراثة والتربية ، وهي نظرية اثبتت الوقائع التاريخية ، قديماً وحديثاً صحتها ، ( ولقد دلّتْ التجارب على أنّ مَن تسنم السلطة من ذوي الأنساب الشريفة والأعراق الكريمة كان أرحم بالمواطنين من غيره ، وأنّ الذين قادَتْهم المؤامرات والغزوات والصفقات إلى السلطة لا يتورع الكثير منهم من اجتراح العظائم والتلذذ بالجرائم. )
وهذه دعوة ذكية لإختيار ذوي الأعراق الكريمة في الانتخابات القادمة .
ونحنُ نُبحرُ في خضمّ هذه المقالات المفعمة بالمعارف والآداب ، نتوقف أخيراً عند سيد البلغاء، أمير المؤمنين علي عليه السلام ، وما جادت به قريحة سيدنا الصدر ، حفظه الله، بما كتبه عنه ، عليه السلام .
ثنائية الكمّ والكيف :
( يُخيّل لبعض السُّذج أنّ الأعمال العظيمة هي تلك التي تبلغ مَدَياتٍ استثنائية في عِظَمِ الأحجام وتجاوز المعروف من الأرقام ، وما ذلك إلاّ من الأوهام!!) .
( كيف تتفوق ضربةٌ واحدةٌ ، على كلّ العبادات والطاعات التي يُمارسها عبادُ الله إلى يوم القيامة ؟
نعم ، إنّ علياً ، عليه السلام، حين برز لمقاتلة فارس الجزيرة عمرو العامري ، قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم :
(( برزَ الإيمانُ كُلُّهُ إلى الشِرْكِ كُلِّهِ )) .
( ضربةٌ منكَ لا تُعادلُ وَزْناً
بِزواكي الأعمالِ حتى النشورِ
فاشهدي يا سماءُ بالمِنَنِ
الغُرِّ ، ويا أرضُ بالروائعِ دوري )
( عليٌ ، عليه السلام، كان النسخة الفريدة التي ليس لها مثيل ، فقد عاش في كنف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، ورعايته المباشرة وصُنِعَ على عَيْنه، وصاغه صياغة فريدة متميزة ، راحت البشرية كلها، لا المسلمون وحدهم، تتغنى بها وبما ضمّته من علوّ ورفعةٍ في المسارات كُلِّها .
واذا، صلى الله عليه وآله وسلم يقول :
(( أدّبني ربي فأحسن تأديبي)) ،
فقد تولى هو ، صلى الله عليه وآله وسلم تربية علي عليه السلام وتأديبه بنفسه ) .
وهذه كانت جولة سريعة بين صفحات هذا الجزء الطافح بالمعارف والآداب والعلوم، على صِغر حجم، ولكنه غنيٌّ بمحتواه المكتنز بخلاصات التجربة الثرّة ، والعلوم المستفيضة ، والتجارب الكبيرة ، لسماحة سيدنا الحجة الصدر ، حفظه الله، وبارك فيه وله وعليه .























