حصان سيرك.. قصة قصيرة : مروان ياسين الدليمي

 قصة قصيرة

                                     حصان سيرك

    مروان ياسين الدليمي

مروان ياسين الدليمي

 

 

بعد أن فَحَصَ الطبيب بنظرة خاطفة عُلب الأدوية التي سبق أن اوصاني بشرائها من صيدلية تابعة للمستشفى،إرتشف رشفة واحدة من فنجان القهوة الذي كان مستقِرَّا على سطح مكتبه المصنوع من خشب مضغوط بطريقة عالية الاحتراف . استطيع أن اؤكد أنني لم  أشك أبدا في انه من نوعية فاخرة وثمينة جدا، وما لفت انتباهي هذه المرة ، ان المكتب  لم يعد أنيقا ، فمازلت اذكر اعجابي به في آخر مراجعة قُمت بها  قبل ثلاثة اشهر، حتى انني تمنَّيت ساعتها لو انَّ الحظ تصالح معي وامتلكت واحدا مثله في غرفتي، بدل الطاولة البلاستيكية التي لا تمارس اي تأثير يحفز شهيتي على تناول الطعام ، حتى انني اجد العلاقة بيني وبينها اشبه بالورطة ، واكاد اجزم باني اصبحت افقد  شهيتي للاكل منذ ان اشتريتها عام 2017 ، خاصة بعد ان فقدت لونها الابيض وخبا بريقها، وتقشَّط سطحها الأملس في اكثر من مكان، وما عاد غطاء النايلون السميك، الذي حرصت على ان اغطِّيها به، يمنع صورة سطح المنضدة البشع من ان تتسلل الى ذاكرتي كلما اجتمعت حولها مع افراد اسرتي لتناول الطعام، رغم ان لونه الازرق دائما ما يذكرني بالبحرالذي طالما تمنيت رؤيته.

مازلت أحسده على منضدة مكتبه، واحلم باقتناء واحدة مثلها، على الرغم من ان المكتب تسوده الفوضى، بسبب ما تكدَّس عليه من اوراق مستنسخة، خاصةٍ بتحليلاتٍ مختبرية، كان قد أرغَمَ جميع مرضاه على أن يجروها داخل المستشفى بعد ان كَشَفَ عليهم في ذلك اليوم ، مثلما فعل معي ايضا.

وضع فنجان القهوة وسط الطبق الزجاجي الصغير الخاص به، ثم اعتدل بجلسته ونظر ناحيتي، وبدأ يلقي على مسامعي تعليماته حول الاوقات التي يتوجب عليَّ ان اتناول فيها الادوية، وودتُ ساعتها لو انه ينتهي منها بسرعة، لأنّ ذخيرتي من الصَّبر كانت قد اوشكت على النفاد، ولم يعد مزاجي يساعدني على استيعاب ارشاداته بشكل واضح ، فما كان منّي  إلاّ ان اهز راسي بشكل آلي متكرر الى الاعلى والاسفل،علامة ًعلى الفهم ، تماما مثلما يفعل حصان السيرك عندما يرقص مستجيبا لإشارات  مدربه. في تلك الاثناء خطفتني ذاكرتي لثوانيَ معدودةٍ ، عند مكانٍ سبق لي ان مررت به ايام مراهقتي، لكن النسيان نَثَره مثل غبار في زحمة متاعب الحياة، فغدا بعيدا عني، وبذلك تمكنت ذاكرتي من ابعادي عن الطبيب وارشاداته، وهذا ما كان يجعلني دائما اقف عاجزا عن فهم الآلية الخبيثة التي تعمل بها الذاكرة، حتى اني بدأت اعتقد كما لو انها تعمل بشكل منفصل عني، فهي احيانا تستجيب لأوامري وغالبا ما تخضع ردود افعالها  لمزاجها الخاص، ولهذا اصابتني الحيرة وانا احاول معرفة كيف احتفَظَت بتفاصيل ذلك الحدث العابر فاستدعته سريعا في تلك اللحظة، الى الحد الذي لم اعد اسمع صوت الطبيب . فوجدت نفسي اسير على ذاك الرصيف المزدحم باعداد من الشباب طيلة ايام الاسبوع، ليس لهم من وجهة سوى  الجلوس في المقاهي حتى ساعات متأخرة من الليل أو الدخول الى دور العرض السينمائية. قادتني خطواتي لدخول احدى دور العرض لمشاهدة فيلم فرنسي. جلست على كرسي يتوسط الصفوف الخلفية والى جواري  كان يجلس شاب نحيل يضع نظارات طبية سميكة على عينيه، ويحتضن كتابين الى صدره . مازلت اذكر تفاصيل الفيلم الذي كان يسرد قصة مدرس شاب يكتب الشعر ويعيش ازمة احساس حاد بعدمية الوجود، وهذا ما دفعه بالتالي الى ان يصاب بلوثة نفسية قادته الى الانتحار بعد ان رمى بنفسه  في وسط امواج البحر الهائجة، ولكن الصورة الغريبة التي كان عليها ذلك الشاب بعد نهاية الفيلم، تمكنت من شدّ انتباهي اكثر من النهاية الماساوية لبطل الفيلم، فالذي حدث انه عندما اضيئت  مصابيح الصالة بعد ان كان الظلام يعمها طيلة زمن العرض، وجدته ساكنا في مكانه على الكرسي كمن  تلقى صدمة ولكن على جرعات متتالية، ولولا اني اعتدت ان ابقى جالسا على كرسي الى ان يخف ازدحام الجمهور الذي عادة ما يتكدس عند باب الخروج، لما حظيت بفرصة التقاط تلك الحالة الغريبة التي كان يبدو فيها اشبه بتمثال.

وبينما كنت اوزع نظري بينه وبين باب الخروج وجدته يلتفت نحوي نصف التفاتة، حتى اني بالكاد كنت ارى ملامح وجهه، وسمعته يردد بصوت اشبه بالهمس، ولاادري إذا ما كان يخاطبني او يهذي مع نفسه:” الحمد لله على كل شيء، لسنا سوى ضيوف عابرين في هذه الحياة ، ما يثير السخرية، انها  قصيرة جدا ، ربما لاتتعدى رمشة عين، وما يؤسف له اننا نعيشها وكانّنا سوف لا نغادرها ابدا، وعليه لابد لنا ان نسأل انفسنا : ما قيمة المال  والكراهية والضغائن والحسد واللهاث وراء المناصب  ؟   لاشيء من كل هذا الذي نبدد حياتنا ونسحق مشاعرنا من اجله، يستحق ذلك ، لاشيء من هذا يستحق ان نخسر اصدقاء واحبة وزملاء من  اجله ، فالحياة، رغم انها شقاء ومرارة في عالمنا العربي على وجه خاص، وهي صورة مستنسخة من الجحيم الذي حذَّرنا منه الخالق، إلاَّ انها في وجهها الآخر يمكن ان تُعاش بشكل طبيعي، حتى في ظل الحرمان، اذا ما اقتنع اي واحد منّا في هذه البقعة الغريبة والموحشة بانها لحظة قصيرة جدا، ولسنا سوى ذرة غبار من ضمن مليارات  المليارات من ذرات الغبار . . فلماذا اذن، نجري  وراء رغباتنا مثل جري الوحوش !  ليس السبب سوى غبائنا ، وقِصر نظرنا.. نحن احوج ما نكون الى ان نبقى على طبيعتنا الانسانية ،ونقاء عنصرنا الانساني الذي ولِدَ مَعَنا قبل ان تتلوث فطرتنا بالشهوات”.

في تمام  الساعة التاسعة ليلا  خرجتُ من العيادة الكائنة داخل مبنى مستشفى الرحمة الاهلي. توقفت للحظة عند البوابة الخارجية وانا زائغ النظرات فيما كنت اتمتم بكلمات لااحد يستطيع ان يفهمها سواي حتى لو اقترب مني شخص ما، وإذا ما  تمكن من فهمها، لربما قال عني كلاما غير لائق، لاني كنت اردد شتائم بغاية البذاءة، حتى ان تربيتي تمنعني من ان اجاهر بها، وكم حاولت ان اتفادى ترديدها، لكنني لم استطع، بعد ان وجدت نفسي اشبه بمن يقع ضحية عملية نصب  واحتيال، فبعد ثلاثين يوما اقضيها في  دورة روتينية اقطع فيها طرقات الاحياء السكنية مشيا على قدميّ وانا أجمع فواتير الماء من اصحاب البيوت، وتكاد تحيلني  هذه الرحلة الى انقاض من شدة التعب، اجد  في ختامها انَّ الطبيب والصيدلي ومسؤول المختبر، ينتزعون الجزء الاكبر من راتبي الشهري الذي لايتجاوز 300 دولار ، وهذا المبلغ بالكاد يكفي أجرة طبيب المفاصل مع الفحوصات المختبرية والادوية، ولو كنت موظفا محسوبا على الملاك الدائم ، وليس بعقد مؤقت، لارتفع راتبي ثلاث مرات زيادة عن راتبي الحالي، ربما انذاك لن اكون مهتما إذا ما دفعت مثل هذا المبلغ ، ولكن ماجدوى الأماني إذا ما بقيت مجرد اماني تزيِّن الحياة بالأوهام .

دفعتُ كفّي اليمنى داخل جيب بنطالي الجانبي، لأتأكد مما تبقى لدي من  نقود ستساعدني على الصمود مع عائلتي الى  نهاية الشهر، تحسَّسَتُ بطانة الجيب بأصابعي، فكانت المفاجأة عندما عثرت على اربع ورقات نقدية من فئة الخمسة وعشرين دينارا فقط لاغير ، وبهذه النتيجة اصبحت امام وجه الحياة القبيح، ولأني كنت على يقين  من ان محفظتي الجلدية قد اصبحت  فارغة هي الاخرى، بعد ان استلَّيتُ منها آخر ورقتين نقديتين من فئة المائة دولار عندما دفعت للصيدلي ثمن الادوية، لذا لَمْ اكلِّف نفسي بسحبها من الجيب الخلفي لبنطالي.

شعرت بأطرافي تتصلب، وبموجة عارمة من الغيظ  تجتاحتني تجاه  نفسي، فمن السخف الاستمرار في تمثيل دور الأبله برغم  رائحة السواد التي تهيمن على كل شيء، فإذا بي  اتمنى لو أُمسكت بيدي سلاحا ناريا  مثل الذي كان يحمله الممثل ارنولد شوارزينكر في فيلم “بريداتور” الذي سبق ان شاهدته قبل اكثر من ثلاثين سنة، ولو تحقق ما تمنيته، لأطلقت عدة عيارات نارية  في الهواء برشقة واحدة، قبل أن أوجّه السلاح  الى واجهة مبنى المستشفى، لتحفر الاطلاقات النارية على جداره الحجري الكلمات الاتية:” لِتحلَّ اللعنة “.