السينما المصرية في الألفية الثالثة .. سينما (كوبي – بيست)

السينما المصرية في الألفية الثالثة .. سينما (كوبي – بيست)

طفرة على صعيد الشكل.. إنحدار بالمضمون

منهل الهاشمي

شكلت السينما المصرية في الألفية الثالثة طفرة في الشكل والمعالجة الاخراجية من حيث توظيف عناصر اللغة السينمائية وتقنياتها من حركات الكاميرا وزواياها وأحجامها والسرد الصوري والصوتي والمونتاجي إضافة للمؤثرات الصورية الرقمية المبهرة خصوصا في مشاهد الحركة والمطاردات والمعارك (الأكشن) وما يتبعه من تشويق وترقب وإثارة تحبس الأنفاس. لكنها في الوقت ذاته شهدت إنحدارا كبيراً في المضمون أو القصة (الحدوتة) عما كانت عليه في ما قبل الألفية الجديدة وأقربها لذلك سينما الثمانينيات والتسعينيات وبالأخص المتمثل بفرسان الواقعية الجديدة في السينما المصرية وهم الثالوث الذهبي عاطف الطيب محمد خان وخيري بشارة إضافة إلى داوود عبد السيد وعلي عبد الخالق وبشير الديك وشريف عرفة الذين تناولت أعمالهم مشاكل المجتمع المصري وهمومه وتطلعاته وآماله وآلامه وما تركه فيه الانفتاح الاقتصادي الاستهلاكي من إرهاصات وتبعات غيرت من تركيبة البنية الاجتماعية والاقتصادية والقيمية والأخلاقية بانعكاسه سلبا على شخصية الفرد المصري إبان عهد الرئيس الأسبق أنور السادات وما لحقه من عهد حسني مبارك.

علامات سينمائية

معظم تلك الأفلام كانت تحمل قضايا مهمة جادة تهم رجل الشارع البسيط والمثقف والموظف وسواهم من شرائح المجتمع الأساسية من الطبقة الدنيا لعمال وفلاحين وكسبة و(صنايعية) من أبناء الحواري الشعبية والأزقة الخلفية المظلمة من قاع الريف والمدينة. كانت تلك الأفلام تتحدث عنهم… تعبر عنهم… تحكي بلسانهم… لتطرح قضاياهم وهمومهم وأحلامهم وطموحاتهم. ثم تلتها موجة الأفلام التي تناولت موضوعة الإرهاب واجتياح المد السلفي المتطرف لمنطقة الشرق الأوسط إبان الثمانينيات وتصاعدها مع مطلع التسعينيات. ويكفي أن نذكر بعضاً من أبرز عناوين تلك الأفلام كنماذج مؤثرة لتذكير القاريء الكريم بها :

العوامة 70 ، انتبهوا أيها السادة، سواق الأتوبيس، الصعاليك، موعد على العشاء، الغول، حتى لا يطير الدخان، ليلة القبض على فاطمة، الطوفان، الحريف، الحب فوق هضبة الهرم، ملف في الآداب، البريء، الجوع، الطوق والاسورة، زوجة رجل مهم، زمن حاتم زهران، يوم حلو ويوم مر، كتيبة الإعدام، ضربة معلم، الهروب، اللعب مع الكبار، البيضة والحجر، الكيت كات، كشف المستور، مستر كاراتيه، ليلة ساخنة، طيور الظلام، النوم في العسل، أرض الخوف، الآخر.

وسواها من بقية الأفلام التي أضحت علامات في تاريخ السينما المصرية لما تحمله من قيمة فنية وفكرية والملاحظ بأن بعضها كانت تنتمي لما يعرف بسينما المؤلف أي أن المخرج هو من يكتب القصة والسيناريو ويضع بصمته ورؤيته الخاصة عليها كما هو الحال مع المخرجين فرسان الواقعية الجديدة : محمد خان وخيري بشارة داوود عبد السيد إضافة للمخرج الكبير المخضرم يوسف شاهين.

الجمهور عاوز كده

مع بداية الألفية الثالثة اكتسحت السينما المصرية موجة الأفلام الكوميدية تبعا لمقولة المخرج المعروف حسن الإمام الشهيرة (الجمهور عاوز كده) !. وقد تفاوتت في مستوياتها واساليبها لكن كان الملاحظ عليها أنّ القاسم المشترك بينها في أغلبها وحتى في بقية الأنواع الفلمية الأخرى مثل الأكشن والرومانسية والاجتماعية وسواها في أنّ الفكرة الأساسية (الثيمة) هي واحدة وإنْ جاءَت بتنويعات بسيطة أحيانا :

البطل الشاب في الغالب أو البطلة في الأقل تضطره الظروف المادية والاجتماعية القاسية لسلوك الإنحراف كالنصب والاحتيال أو السرقة أو القتل لكنه _ أو لكنها _ ما ان يقع في حب فتاته التي تجهل ماضيه حتى يتطهر كليا فيقلع عن هذا الطريق المعوج والعودة لجادة الصواب معلنا التوبة في الحال ! لكن الملفت للانتباه أنّ الثيمة لا تتشابه أو بالأصح تتناسخ بهذا الخط الدرامي الرئيسي فحسب بل حتى بتفاصيل السيناريو والحوار الثانوية ! :بعد أن يقرر صاحبنا التوبة نهائيا يقرر مصارحة فتاته المخدوعة بماضيه المنحرف لكنه كلما يريد مصارحتها بذلك إما انها لا تعطه فرصة أو قد يلمّح لها بالعبارة المعهودة إياها (الظروف ساعات بتضطرنا نعمل حاجات غلط) لكنها بالتأكيد لا تفهم المراد. أوقد تعكس الظروف معه في كل مرة فتحول دون مصارحتها. أو قد تعرف بذلك مصادفة قبل عزمه الإعتراف أو قد تعرف عن طريق وشاية شخص ثانٍ أو… أو…. المهم أنها يجب أن تُصدم في النهاية !!. وحين تكون المواجهة تهاجمه بقسوة بسبب خداعه إياها وتكتمه على ماضيه المنحرف. يخبرها بأنه كان يعتزم ذلك لكنها لم تعطه الفرصة للكلام وأنه : (اول ما عرفتك حسيت إني لازم اتغير.. وقررت اتوب فعلاً) !. وهي بالتأكيد لا تصدق حبيبها الكذاب المخادع المنحرف فتقرر تركه رغم أنه يعتذر لها بشدة متوسلا الصفح والغفران. لكن في النهاية يثبت لها أنه كان صادقاً معها وفي توبته من خلال موقف درامي قوي مأزوم يكون هو ذروة الفلم والأحداث حين ينقذها من مأزق ما أو من مجموعة اشرار أرادوا بها كيدا أو من مدعٍ لحبها كذبا أراد الإعتداء عليها. وعند ذاك تتأكد من صدقه وأنه أضحى فعلاً إنسانا آخر. ولا بأس أن تكون هناك أغنية جميلة خفيفة سريعة الإيقاع.. لا بل يجب أن تكون مثل هذه الأغنية _ أغنية الصلح والعتب _ فيحن القلب.. ويتم الصلح.. ويتم الفلم بنهايته السعيدة بالزواج… ويعيشوا في تبات ونبات… ويخلفوا صبيان وبنات….. وتوتة.. توتة… خلصت الحدوتة !!.

أما التنويعات البسيطة التي قد تُجرى على الثيمة المذكورة آنفا فمثلا تُخدع البطلة أو البطل بحقيقة الحبيب الذي يضطر هذه المرة (لاحظوا الاضطرار المتواصل !!) لإخفاء حقيقة شخصيته عمّن يحب لدواعٍ أمنية أو كيلا تتركه (مثل فلم كود 36 ، الباشا تلميذ، عصابة الدكتور عمر، انا مش معاهم، أحلام الفتى الطايش… وغيرها). أو ان يتم الخداع اضطرارا ويتم الصلح والنهاية السعيدة لكن من دون زواج. وعلى سبيل المثال فلم الداده دودي، ابن القنصل وسواهما. أو ان يُخدع أو تُخدع تعمدا لغرض مصلحته وتقويمه مثل فلم البيه رومانسي، الأولة في الغرام، غش الزوجية، بلبل حيران، يا انا يا خالتي، انا بضيع يا وديع وغيرها.

حتمية الخط الدرامي

باختصار المهم في كل الأحوال هناك : خداع وكذب أو تمويه اضطراري ظرفي… فصدمة… فعتب وصلح…. فالنهاية السعيدة الحتمية !. هذا هو الخط الدرامي الذي لا محيد عنه في معظم سيناريوهات الألفية الجديدة.

وسأضرب بعضاً من الامثلة على ذلك مما اتيح لي مشاهدته من أفلام وهو ما تيسر من ذاكرتي المجهدة وبإمكان القاريء الكريم أن يتممها بالعشرات :

تايه في أمريكا، اوعى وشك، سنة اولى نصب، أبوعلي، كركر، حرامية في تايلاند، حرامية في كي جي 2، تيتو، شبه منحرف، الباشا تلميذ، كود 36، حمادة يلعب، حبيبي نائما، أحلام الفتى الطايش، انا مش معاهم، عصابة الدكتور عمر، انا بضيع يا وديع، غش الزوجية، حمادة يلعب، جعلتني مجرما، كلاشنكوف، ظرف طارق، بدون عنوان، هاتولي راجل، الرجل الغامض بسلامته، زكي شان، 7 ورقات كوتشينة، 1/8 دستة أشرار، الأولة في الغرام، البيه رومانسي، بلبل حيران، عمر وسلمى، يا انا يا خالتي، زهايمر، مستر اند مسز عويس، ألوان السما السبعة، رغدة متوحشة، بيكيا.

دعوة للعودة للأدب

ونحن في الواقع نستغرب ذلك الإستسهال في الكتابة الذي يصل حد الإسهال !!. فما عليك لكتابة سيناريو فلم مصري سوى أن تعمل (كوبي – بيست ) لسيناريو آخر ليكون لديك فلما جديدا بعد إستبدال فقط عنوان الفلم وأسماء الشخصيات !. ما هذا العقم الإبداعي الذي أصاب معظم كتاب السيناريو في السينما المصرية !!.. افعجِزوا أن يأتوا بشيء جديد طوال عقدين من الزمن ؟!. واذا ما أرادوا أن يأتوا بالجديد سرعان ما تكتشف أنه مسروق من فلم أمريكي !. رغم أن الواقع والحياة حافلة وملأى بالقصص والمواضيع والمواقف التي تصادفنا يومياً وتصلح ان تكون أجمل وأقوى الأعمال الدرامية بعد إجراء شيء بسيط من المعالجة الدرامية لها. وإذا كان الحال كذلك معهم أي العقم الإبداعي لابتكار القصص والمواضيع فلم لا يلجأون للقصة والرواية الأدبية المصرية ليغرفوا منها ما شاؤا من أفكار ومواضيع فيتقتبسونها ويعدونها سينمائيا كما كان الحال مع الكتاب الكبار نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس ويوسف إدريس ويوسف السباعي وتوفيق الحكيم ويحيى حقي وسواهم مما جعلها تعد من علامات وكلاسيكيات السينما العربية. وإذا كانت قصصهم ورواياتهم قد استهلكت سينمائيا أو قد عفى على بعض مواضيعها الزمن فبالإمكان النهل من قصص وروايات الأجيال اللاحقة مثل جمال الغيطاني ويوسف القعيد وإبراهيم نصرالله وعلاء الأسواني وغيرهم مثلما تم اقتباس رواية الأخير المهمة (عمارة يعقوبيان) التي أعدها سينمائيا عميد كتاب السيناريو وحيد حامد في فلم كبير يحمل العنوان نفسه.

شكل ومضمون

لا خير في عمل فني أو أدبي فيه شكل بلا مضمون… كما أنّ لا خير في عمل فني أو أدبي فيه مضمون بلا شكل. فالعمل الفني الجميل الأصيل والرصين هو العمل الذي يكون متوازنا شكلاً ومضمونا فهما صنوان متلازمان لا يفترقان كما أن تقييمهما وتقويمهما لا يكون بمعزل أحدهما عن الآخر باعتبارهما وجهان لعملة واحدة. وحتى تكون هذه العملة الفنية قيمة وثمينة لزم ان يتساوى ويتوازى ويتناغم فيها الشكل.. والمضمون. وإذا بقيت السينما المصرية في العقد القادم تدور حول نفس فلك الثيمة الجاهزة المستهلكة إياها من دون أن تخرج من شرنقتها فإنها إنْ عاجلاً أو آجلا سيسودها حتماً الكساد والخسائر والخراب. فعليها والحال هذه ان تلحق نفسها وتصحح المعادلة السينمائية المعوجة القائمة حالياً قبل فوات الأوان.. قبل ان يغادرها الزمن… وقبل ان يغادر الجمهور شباك التذاكر !!.