منعطفات في كتاب فلسفتنا **

562

منعطفات في كتاب فلسفتنا **
جواد الظاهر-بغداد
النظرية الماركسية نظرية محدودة بالتفسير المادي سواء من الناحية الفكرية أو الناحية الاقتصادية. لذلك نرى المفكر الإسلامي الكبير السيد محمد باقر الصدر قدس قد تناول مناقشة النظرية الماركسية من الناحيتين، الناحية الفكرية في كتابه فلسفتنا ومن الناحية الاقتصادية في كتابه اقتصادنا . وتناول الناحية الفكرية على ضوء آراء كبار الفلاسفة العالميين وتناقض النظرية الماركسية مع عموم الفكر الفلسفي العالمي والإسلامي فتناول شرح النظريات والمذاهب الفلسفية العالمية ومطابقة أكثرها مع الفكر الإسلامي والعقيدة الإسلامية كما جاء في كتابه فلسفتنا . وقد تطرق السيد الصدر قدس إلى شرح أنواع النظم الاجتماعية في العالم مثل النظام الدمقراطي والنظام الرأسمالي والنظام الاشتراكي والنظام الإسلامي. كما تناول بعض المذاهب الفلسفية كالمذهب العقلي والمذهب التجريبي ويشير إلى ان الماركسية أخذت بالمذهب التجريبي الذي وجه له السيد الصدر انتقادات علمية مركزة تستند الى آراء كثير من الفلاسفة.
ومن النظريات الفلسفية التي تناولها السيد الصدر نظرية المعرفة ومصادرها ونظرية الاستذكار الأفلاطونية والنظريات العقلية والنظرية الحسية ونظرية الانتزاع ثم تناول المفهوم الفلسفي للعالم الذي يبحث مواضيع فلسفية مختلفة بالعناوين المتنوعة التالية
حركة التطور، مبدأ عدم التناقض، العلة والمعلول، المادة والله، المادة وعلم النفس، الاتجاه الديالكتيكي، الحركة التناقضية، الإدراك في المفهوم الفلسفي، المادة والفزيولوجيا، الماركسية والتناقض، المادة والفلسفة، الفيزياء والكيمياء، المادة والوجدان، المادة والحركة، الجانب الروحي للإنسان هذا وقد تناول قدس شرحا مفصلا لهذه المواضيع الفلسفية واظهر ان الفلسفة العالمية في تناولها لهذه المواضيع أثبتت مخالفتها للفلسفة الماركسية.
لقد اطلعت على مجموعة المواضيع والنظريات الفلسفية التي وردت في كتاب فلسفتنا ذلك الكتاب الذي بذل في تأليفه السيد محمد باقر الصدر قدس مجهودا كبيرا، فاخترت من مواضيع هذا الكتاب الموضوع الفلسفي بعنوان الجانب الروحي للإنسان ليكون موضوع الحلقة الأولى هذه.
الجانب الروحي للإنسان
يشير السيد محمد باقر الصدر إلى هذا الموضوع فيذكر ما يلي
أن للإنسان جانبان في تكوينه، احدهما مادي يتمثل في تركيبه العضوي والآخر روحي لا مادي وهو مسرح النشاط الفكري والعقلي، فليس الإنسان مجرد مادة معقدة وإنما هو مزدوج الشخصية من عنصر مادي وآخر لا مادي وهذا الازدواج يجعلنا نجابه موقفا عسيرا في سبيل استكشاف نوعية العلاقة والمصلحة بين الجانبين المادي والروحي في الإنسان ونحن نعلم قبل كل شيء ان العلاقة بينهما وثيقة حتى ان احدهما يؤثر في الآخر باستمرار فالجسم قطعة من المادة له خصائصها من ثقل وكتلة وشكل وحجم وهو يخضع لقوانين الفيزياء. أما العقل أو الروح فهو موجود غير مادي ينتسب إلى عالم وراء عالم المادة.
وقد فسر أفلاطون العلاقة بين الروح والجسد بوصفها علاقة بين قائد وعربة بسوقهاـ فقد كان أفلاطون يتصور ان الروح جوهر قديم مجرد عن المادة يعيش في عالم وراء دنيا المادة ثم يهبط إلى البدن ليديره كما يهبط السائق من منزله ويدخل العربة ليسوقها ويدير أمرها. ويذكر السيد الصدر قدس وواضح ان هذه الثنائية الصريحة والهوة الفاصلة بين الروح والجسم في تفسير أفلاطون لا تصلح لتفسير العلاقة الوثيقة بينهما التي تجعل كل إنسان يشعر بانه كيان موحد وليس شيئين من عاملين مستقلين التقيا على ميعاد. وقد ظل هذا التفسير الأفلاطوني قاصرا على حل المشكلة بالرغم من التعديلات التي أجريت على التفسير الأفلاطوني من قبل أرسطو بإدخال فكرة الصورة والمادة، ومن قبل الفيلسوف ديكارت الذي جاء بنظرية الموازنة بين العقل والجسم أو الروح والجسد يسيران على خطين متوازيين. وقد أدت المشاكل التي تنجم عن تفسير الإنسان على أسس الروح، والجسد معا إلى بلورة اتجاه حديث في الفكر الأوربي إلى تفسير الإنسان بعنصر واحد، فنشأت المادية في علم النفس الفلسفي القائلة بان الإنسان مجرد مادة وليس غير. كما تولدت أيضا النزعة المثالية التي تجنح إلى تفسير الإنسان كله تفسيرا روحيا.
ثم يعقب ويواصل السيد محمد باقر الصدر ويقول وأخيرا وجد تفسير الإنسان على أساس العنصرين الروحي والمادي لتصحيحه الأفضل على يد الفيلسوف الإسلامي صدر الشيرازي فقد استكشف هذا الفيلسوف الكبير حركة جوهرية في صميم الطبيعة وهي الرصيد الأعمق لكل الحركات الطارئة المحسوسة التي تذخر بها الطبيعة، وهذه الحركة الجوهرية هي الجسد الذي كشفه الشيرازي بين المادة والروح فان المادة في حركتها الجوهرية تتكامل من وجودها وتستمر في تكاملها حتى تتجرد من مادتها ضمن شروط معينة وتصبح كائنا غير مادي أي كائنا روحيا فليس بين المادة والروح حدود فاصلة بل هي درجتان من درجات الوجود والروح بالرغم من انها ليست مادية ذات نسب مادي لأنها المرحلة العليا لتكامل المادة في حركتها الجوهرية…. الخ.
هذا وسنتطرق في الحلقات القادمة ان شاء الله إلى مواضيع فلسفية أخرى من المواضيع التي تناولها السيد محمد باقر الصدر المفكر الإسلامي الكبير قدس في كتابه فلسفتنا وبهذا نكون قد قدمنا بحثا قصيرا متواضعا عن جانب من أفكاره.

/4/2013 Issue 4491 – Date 30 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4491 التاريخ 30»4»2013
AZP09

مشاركة