نائب عميد مسجد باريس: الجالية منقسمة على ثلاثة اتجاهات

221

نائب عميد مسجد باريس ومدير معهده الإسلامي لـ الزمان

الجالية المغربية والجزائرية ورقة مؤثرة في المجلس الإسلامي لفرنسا 
حاوره محفوظ صدوقي


المعهد الديني ومسجد باريس أقدم جمعية تمثل الإسلام والمسلمين، بفرنسا وبالضبط بباريس فهما تابعان لجمعية الأحباس والأملاك المقدسة التي تأسست سنة 1917، وقد تعاقب على هذه المؤسسة عمداء آخرهم الذي يديرها اليوم الدليل أبوبكر. وللأسف فالمعهد الاسلامي ولد ميتاً لأن الحكومات الفرنسية منذ ذلك الحين والمتعاقبة على حكم فرنسا لم تهتم به ولم تشجع المعهد والمسجد على النشاط والفاعلية بين الجالية والتفاعل مع شؤونها وقضاياها التي كانت في غالبها من الجزائر والمغرب على اعتبار انهما كانتا مستعمرتين فرنسيتين، والجالية المغربية والجزائرية اليوم في فرنسا ورقة مؤثرة وفاعلة في تحديد ممثلي المجلس الإسلامي بفرنسا، وبقي هذا المكان الجميل هندسة وعمارة وجهة للسواح، والزوار، كأن الإسلام متحف ليس إلا، وليس ديناً فيه من العقيدة والعبادة والشريعة والأخلاق والمعاملات ما يرقى بالانسانية الى مصاف الكمال والرقي الحضاري، حيث لا يوجد في أي دين سماوي آخر أو أرضي من اختلاق البشر.
وعندما جاء ميتران الرئيس الفرنسي غير بعض مواد قانون الجمعيات حيث سمح لكل مقيم بتأسيس جمعية، عام 1982 إن رغب. ففي ظرف خمس سنوات ظهرت جمعيات عدة. وازدهر تأسيسها، وذلك يعود لعوامل عدة منها ــ
الهجرة العائلية، حيث سمحت الحكومة الفرنسية في عهد ميتران للمهاجرين والمغتربين باستجلاب زوجاتهم وأولادهم، فكانت هذه الجمعيات، التي في معظمها تحولت الى مساجد، محاضن لهم ولأبنائهم تربطهم بهويتهم، وتحافظ على ثقافتهم وتراثهم وانتمائهم الحضاري، فظهرت فكرة امام مزدوج اللغة، بظهور الجيل الاول والجيل الثاني من المغاربيين بالخصوص الجزائر، المغرب، تونس ولزم ان يكون الإمام الواعظ مزدوج اللغة، لأن الجيل لا يتقن التخاطب بالعربية الفصحى، ولا يفهم أساليبها، فهو بالضرورة يحتاج الى مخاطب باللغة الفرنسية التي صارت لغته الأولى. وقد ساهمت الدول المغاربية في هذا مساهمة فعالة على اعتبار قدمها كجالية مهاجرة الى فرنسا.
وفي التسعينيات من القرن الماضي حدثت هزة كبيرة بين الجزائر وفرنسا في العلاقات لما حدث في الجزائر من احداث متسارعة حيث فاز التيار الاسلامي الجناح المتشدد فيه بالانتخابات وظهر الارهاب، هذا أمر احدث خلخلة في التواصل والتنسيق بين الحكومة الجزائرية والفرنسية، فخضع نشاط معهد الغزالي في عهد شارل باسكوا سنة 1993 ــ 1994 الى قانون أساسي خاص.
وبدأ معهد الغزالي بعد هذا التعثر كله نشاطه الفعلي عام 2004 ــ 2005.
وكلف علماء وفقهاء لهم باع في علوم الدين والشريعة والاجتماع بإعداد برنامج لاعداد وتخريج الائمة والمرشدين والمرشدات على مذهب الامام مالك وفق مذهب أهل السنة والجماعة، عقيدة وفقها ومعاملات، وقراءة القرآن الكريم برواية ورش عن نافع.
اعتماد برنامج معهد الغزالي والاعتراف بشهاداته
يقول نائب عميد مسجد باريس مدير المعهد إنه خاض جولات مراطونية في العالم العربي والاسلامي والاوربي ليعرف ببرنامج المعهد الدراسي، ولقد اعتمد برنامجه من جهات رسمية عدة، كجامعة أم القرى بمكة المكرمة، والازهر الشريف بمصر، وأم درمان بالسودان، ووزارة التعليم بفرنسا، ومونتريال بكندا وغيرها، فتكاد تقول ان شهادته عالمية كما يشرف على تكوين 400 أمام ومرشد ومرشدات مجاناً ويشرف على رسائل ماجستير وأحيا المعهد حلق العلم والذكر وحلق تحفيظ القرآن وتحفيظ المتون، في علوم الفقه على الطريقة التقليدية التي مازالت تحضى باهتمام الكثير من المسلمين، والعقيدة والنحو لأن ذلك طريق للاجتهاد وهو منفتح على المذاهب الاسلامية الاخرى كلها، وتبني هموم طلبته.
التحديات
1 ــ أزمة الهوية، عدد المسلمين في فرنسا يتجاوز 7 ملايين مسلم ولكن غالبيتهم العظمى تفقد مقومات الهوية الاسلامية والانتماء الحضاري والثقافي، فالكثير من مسلمي فرنسا ينتمون لهذا الدين شكلا، بل من الضروري أن يكون الانتماء للدين انتماءً واعياً، لحضارته، ولغته، المطلوب أن نتعايش بالحسنى ولنا كياننا الخاص بنا ولا نذوب في مجتمع الغرب الذي له مقوماته الخاصة به، فلا أبالغ إن قلت إن المسلمين في فرنسا مهددون في كيانهم وهويتهم نحن أقلية معتبرة لا يجب أن نندمج ونذوب بل يجب أن نتعايش مع هؤلاء بالحسنى فلهم دينهم ولنا ديننا.
2 ــ التأسيس لحوار جاد
لا بد أن نؤسس لحوار داخلي جاد بيننا في الآن ذاته، ومع المختلف، الآخر الذي نسعى للتعايش معه باحترام متبادل، ودون ذلك تحدٍ فكري على مستوى فرنسا.
ففي رأيي هناك اتجاهات فكرية تتقاسم الجالية المسلمة في فرنسا
أ ــ الفكر التقدمي الماسوني وهذا خطره بين على الوحدة والاجتماع.
ب ــ الاتجاه السلفي الوهابي، وهذا يحاول إقصاء الآخرين من الساحة يرى الحق معه وحده من دون غيره، وهو راديكالي في كثير من تصوراته للإسلام والحداثة في غير مرونة.
ج ــ اتجاه سلفي متحضر منفتح على الآخرين لا يدعي بأنه يحمل الحقيقة كلها ولكنه يعتبر نفسه طرفاً يضاف الى الأطراف الأخرى وهو لون من الألوان في البناء الحضاري لأمة الاسلام، شعاره الحوار مع المختلف مهما كان لأنه يعتقد أن الحوار وسيلة حضارية، ولا يمكن ان تجر الشر الى الأمة.
3 ــ المرجعية في الفتوى
يأمل مدير المعهد التنسيق مع كل الفيدراليات في اوربا كاتحاد المنظمات الاسلامية، وغيرها على الأقل في العقيدة، وتوحيد مناهج تدريس اللغة العربية. وتوحيد أوقات الصلاة، فلا يعقل أن يكون فرق الوقت في صلاة واحدة مدة أربعين دقيقة بين مؤسسة وأخرى، وصوم شهر رمضان في توحيد رؤية الهلال، وتوحيد الفتوى في فرنسا.
السعي إلى إنشاء مرجعية فقهية واحدة، هذا كله في إطار الاختلاف وليس الخلاف الذي يولد الضغينة والحقد والتنافر. ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم .
يرى مدير المعهد الديني للإمام الغزالي، أن مجسد باريس مؤهل لأن تؤسس فيه مرجعية للفتوى بفرنسا، وباقي أوربا لأنه مؤسسة عريقة وقديمة، ومنفتحة على الآخر، ومستعدة لتكون محضناً للفتوى والحوار، ومسجد باريس أول مؤسسة احتضنت المسلمين منذ أن تأسست سنة 1917.
الخطوات العملية للتجسير
قال تعالى وفي ذلك فليتنافس المتنافسون التنافس مقبول ومحمود إذا كان المستفيد هو الإسلام والمسلمون، ويمكن التجسير بين المؤسسات والفيدراليات المسلمة في فرنسا وبالالتقاء على الحلال والحرام وعلوم القرآن، وبتجنيب المؤسسات أن تكون منبراً لسياسات بلادها، ويجب أن يدرك القائمون على هذه الجمعيات والمؤسسات والمنظمات انهم واحد أمام الآخر غير المسلم الذي يسعى دوماً إلى إلغائهم.
فالاختلاف على الزعامة يؤسس للفرقة وكسر التجسير والقضاء على الحوار، فلنسع لجمع علماء المسلمين ومندبيهم في أوربا كلها، وأقترح أن تكون مؤسسة مسجد باريس محضناً للقائهم وليكن مكاناً متفقاً عليه، لأسباب سبق وأن ذكرتها ولا داعي لتكرارها.
ولنكن صرحين، وننظر الى احوال شمال افريقيا، فتونس مضطربة، والمغرب، الملك فيها هو أمير المؤمنين وأنتم تعلمون لما هذه الصفة من دلالة الانقياد والتمثيل، في غير تقدم أو تأخر عن أمير المؤمنين، والجزائر هي السهل الممتنع.
عوامل مشجعة
والمعلوم أن الإدارة الفرنسية لا تسهل اجتماع المسلمين، لأن ذلك يمثل تحدياً للائكية، وعقدة اللائكية تكمن في ذلك.
ومع هذا كله فهيهات أن يتسرب التشاؤم إلى نفسي فإن هناك عوامل كثيرة مشجعة على الالتقاء والتقارب والتعاون، فالصحوة الإسلامية التي امتدت طولاً وعرضاً في بلاد الغرب، وبدأ المسلمون يعودون إلى الإسلام ويلتزمون به، وتأخذهم الغيرة على دينهم فيسعون إلى تأسيس الجمعيات الخيرية والثقافية والمؤسسات المسجدية، وهم يتنافسون في ذلك وبقوة وإلحاح، والغربيون يقبلون على الإسلام ويعتنقونه عن قناعة ودراية بأنه الحق. ولم يعد القطر أو البلد محدداً في الانتماء والموقف، بل الفكرة الدينية والالتزام بالإسلام صار الراية الحقيقية التي ينضوي تحتها المسلمون وإن اختلفت اقطارهم، وتشعبت مذاهبهم.
AZP02