ما قبل الرئاسة وما بعدها – جليل وادي

110

كلام أبيض

ما قبل الرئاسة وما بعدها – جليل وادي

(لن يرقى للعملية السياسية في العراق حال اذا لم تتخلص من المحاصصة) هذا بالتحديد ما قاله الدكتور عادل عبد المهدي الذي كان يشغل منصب نائب رئيس الجمهورية عند لقائي به لإجراء حوار صحفي في عام 2008، وقال وقتها ما يفيد بأن لا ديمقراطية حقيقة بلا تعددية حزبية، وان يسمح القائمون على العملية السياسية للبعثيين بالظهور على السطح بدل العمل في الظلمة، أبهرتني هذه التشخيصات حتى ان أملي بالعملية السياسية قد ازداد حينها، وظننت ان البلاد سترتقي الى ما يتطلع له العراقيون، وان التحدي الأمني هو العائق الذي يحول دون الوصول الى الأهداف، فهذا الرجل واحد من الشخصيات التي انيطت به قيادة عملية التغيير ولا شك ان هناك الكثير من أمثاله، اذا لا خوف ولا قلق على المسيرة من الانحراف عن اتجاهاتها نحو غد مشرق ينعم فيه الناس بالحرية والعدالة والرفاهية، وعلينا ان نلتمس العذر لهم ازاء الاخفاقات التي حدثت، ذلك أن البعض منها يقع خارج سيطرة هذه القيادات التي تلوعت بنيران الغربة و ذاقت مرارة الظلم وأولها الحرمان من الوطن.

وقتها همس في أذني زميلي مؤلف كتاب (شياطين الديمقراطية في العراق) الاستاذ عامر القيسي الذي رافقني في اجراء تلك المقابلة، بأن الحق أن تسند رئاسة الوزراء للسيد عبد المهدي، وما عزز تلك القناعات الأفكار النيرة التي أدلى بها عبد المهدي في الفعالية الثقافية التي نظمتها له جريدة المدى في المسرح الوطني، وزادها قوة قرار استقالته من منصبه الرفيع الذي حسده عليه كثيرون، هذه الامور وغيرها رسمت صورة ايجابية في أذهان الكثير من المراقبين الذين نظروا الى عبد المهدي بوصفه شخصية سياسية مثقفة تمتلك رؤية ثاقبة للخروج من المحنة التي وقع فيها العراق، وهي ذات الصورة التي تشكلت لدى الأطراف السياسية بمختلف تصنيفاتها سواء التي كُلفت بإدارة دفة الدولة او تلك التي عارضتها، بدلالة ان الاختلافات بين الأطراف الفائزة في الانتخابات بشأن تكليفه بمهمة رئاسة الوزراء تكاد لا تذكر، قياسا بالحالات السابقة التي لم تتم الا بشق الأنفس، كما هو الحال في رئاسات علاوي والجعفري والمالكي والعبادي.

كل ذلك أشاع مساحة من التفاؤل لدى الرأي العام، وان الآمال قد تجددت بأن الخروج من الانفاق المظلمة آن لها أن تتحقق، خصوصا وان المزاج الاجتماعي قد أصبح رائقا بعد الانتصارات الباهرة على داعش، ونمو الوعي الجماهيري النابذ للطائفية، وتبلور حس وطني بضرورة الاصلاح السياسي ومطاردة الفاسدين.

أجواء تكاد ان تكون أكثر من مناسبة لرئيس الوزراء الجديد للانقلاب على المحاصصة وقيادة عملية التغيير، واعادة توحيد الصفوف، والتحرر من هيمنة القوى الأجنبية على القرار السياسي، والحد من اتخاذ العراقيين دروعا في الصراعات بين من يطلقون عليهم بالأصدقاء والأشقاء.

لكن هذا الأمل سرعان ما تلاشى مع أول اجراءات رئيس الوزراء الجديد الذي ظننا انه عارف بأسماء جميع الكفاءات العراقية التي يمكنها تحقيق ادارة رشيدة للدولة، فاذا به يفتح باب الترشيح الالكتروني، وهي احدى الاجراءات التي غدت مثار تندر الجميع.

 ان الطاقات الادارية الكفوءة لا تخطئها العين أبدا، وان احدى الامور التي يفترض به معرفتها هي تلك الكفاءات، وعدم التردد في تسميتها، وان واجه معارضة في مشروعه فان الاستقالة في جيبه جاهزة كما يقول دائما، بخاصة وان أكبر التيارات الفاعلة على الأرض وهو التيار الصدري قد منحه الحرية الكافية لاختيار الشخصيات التي يراها مناسبة لعضوية حكومته، لكنه لم يستثمر هذه الفرصة، وبدل أن يغتنم المزاج الرائق لضرب المحاصصة بالصميم، قدم تشكيلة حكومية جسدت المحاصصة بأبشع صورها، ليجذر بهذا الاجراء سرطان المحاصصة الذي وصل الى أصغر دائرة في سلم المؤسسات الحكومية، لقد صمت السيد عبد المهدي طويلا، لكنه نطق بما لا يتمناه العراقيون، مع قناعتنا بأنه يمتلك من الكلام الحكيم ما يشكل مفترق طرق لمرحلة لم نشم فيها سوى رائحة الفساد.

ديالى

مشاركة