نظرية المؤامرة وجنون الشيزوفرينيا العربية – ياس خضير البياتي

113

فك التشفير

نظرية المؤامرة وجنون الشيزوفرينيا العربية – ياس خضير البياتي

هل صار علينا في اوطان العرب ان نلغي فكرة المؤامرة، لكي يقال اننا شعب متحضر، يفكر بالعقل وليس بالعاطفة، وهل صار على العربي ان يلغي تاريخه ويحرق موروثاته ويمزق قرآنه ليقال انه يحسن التعايش مع الاخرين؟ أم أن الذي يحدث لأوطاننا فلم عربي لا يموت البطل في آخر الفيلم، أم أن ما نراه اليوم من حروب وكوارث وتهجير جماعي، وتدمير المدن العربية هي من صنع الصحون الطائرة. وان الذي يجري بفعل فاعل، يصنع المؤامرة، ويطلب منا عدم تصديقها، وكأننا قوم مغفلون من عصر الجاهلية الأولى!  من قال ان تصديق فكرة المؤامرة هي براءة أختراع عربية، ام انها موجودة في ثقافة البشر في الغرب والشرق، في التاريخ والحاضر، وربما تعود نظريات المؤامرة إلى القرن الثالث، إذ يدّعي إنجيل فيليب، الذي كان مفقودا، أن المسيح تزوج من مريم المجدلية، وخلّدت بعض الروايات الخيالية الشهيرة، مثل رواية (شفرة دافنشي) للروائي دان براون، هذه الأسطورة. المؤامرة موجودة وهي نتاج تقدم الانسان العقلي نحو السيطرة على قوانين الطبيعة والبشر، الا ان تفسير التاريخ وفق منهجية التآمر ليس دقيقاً لان (العقل) مهما كبر يبقى لعبة صغيرة في مجرى الزمان، لكن الرفض المطلق خطأ، والقبول المطلق خطأ أكبر. فالمؤامرة موجودة وعقلية التآمر مسألة مسلم بها في كل الحالات، فهي في النهاية دلالة من دلالات تطور العقل وقدرة الاخير على السيطرة وتنظيم الامور والشؤون.

 جنون الارتياب

لنتحدث بلغة العلم،وما كتبه اهل الأختصاص عن نظرية المؤامرة .العلم يقول انها جزء من أعراض مرض جنون الارتياب (البارا نويا)، وأن المجتمعات أكثر عرضة للإيمان بنظرية المؤامرة واستخدامها كآلية تفسيرية للأحداث، كون بعض الأعراض النفسية قد تنسحب من الحالة الفردية للأشخاص إلى حالة عامة تصيب المجتمع بسبب التنشئة أو بسبب ترسخ أنماط معينة من التفكير على مستوى واسع بين الجماعات، ومسألة انتشار نمط تفكير معين ببن جماعات بعينها ليس حالة خاصة بمنطقتنا، فالمجتمع الغربي أكثر عرضة لأعراض انفصام الشخصية (الشيزوفرينيا) .ففي النهاية هناك أنماط تفكير عامة تنتشر في المجتمعات، وهي ما تؤدي إلى بروز مثل هذه الظواهر العامة التي تنعكس على الشخصية الاجتماعية. وأن التفكير التآمري الذي ينظر ويفسر الواقع من خلال عدسة نظرية المؤامرة تتشابه أعراضه مع أعراض (اضطراب الشخصية) الارتيابية، حيث أن الاشخاص الذين يعانون من هذا الاضطراب غالبا ما يجدون صعوبة في تقييم وفهم دوافع وأفكار وشعور الآخرين، وعدم القدرة هذه تسبب نوعا من الاضطراب الداخلي تحول دون إمكانية أن يطلق الشخص المرتاب حكما قاطعا أو يولد رؤية متكاملة تجاه ما يقوم به أو يطرحه الآخر.  نعم أن تحميل (نظرية المؤامرة) وحدها مسؤولية المصائب والأزمات في المنطقة العربية، مقولة خاطئة ومُضلّلة، فما يحدث فعلاً من (مؤامرات خارجية) يقوم على أستغلال وتوظيف خطايا وأوضاع داخلية. لكن أيضاً، هو (قصر نظر) كبير، وجهل متعمّد أحياناً، لدى من يستبعد دور ومصالح (الخارج) في منطقة تشهد تحوّلات سياسية وأمنية مهمّة لعقود طويلة من الزمن، وهي منطقة الثروات الطبيعية والموقع الاستراتيجي، والأماكن المقدسة لكل الرسالات السماوية.                         جلد الذات

وبعد ، أليس من الغباء ،أن (نجلد الذات )،ونجعل البعض من قومنا يقرر علينا فلسفته وتربيته المهووسة بالغرب ،لكي نصدقها ،بأننا من أقوام فكرة المؤامرة ،وعلينا تكذيب ما يفعله الآخر بنا من تمزيق الاوطان ،ونحر رؤوسنا بفؤوسهم ، وتهجير الملايين من العباد من اراضيهم وأوطانهم ، وسلب ثرواتنا ومواردنا ،وأشعال حرائق الطائفية والدينية والقومية ،وطمس هويتنا ولغتنا ،وأقتلاعنا من جذورنا ،لكي نعترف لهم بأنهم (انبياء العصر) و(حقوق الانسان) ،ونحن المصابون بشيزوفرينيا نظرية المؤامرة وبهوسها ومرضها . باختصار يريدون أشاعه (كذب المؤامرة) وتصديق ما يقولونه، وغسل عقولنا بمسحوق الكذب والرياء، لكي يبعدونا عن الواقع ونعيش في دهاليز احلام اليقظة! لكن علينا بالمقابل الاعتراف بأن الاغراق في فكرة المؤامرة ،وعزو كل ما يحدث في حياتنا من سلبيات إليها، لا يسهم في حلحلتها قيد أنملة، وعلى العكس من ذلك يزيد تفاقمها مع الزمن ويديم عجزنا المستديم أصلا،ويجعلنا نعيش في عالم عقلي ونفسي مريض ومعاق ، ويحجب عنا الواقع ويغرقنا أكثر وأكثر في الأوهام، خاصة ان الناس يميلون دائما الى الاعتقاد بالآراء التي تتناسب مع رغباتهم وحاجاتهم ، بصرف النظر عما اذا كانت متوافقة مع المنطق والعقل أم لا ، ومثلما قال افلاطون (لاشك ان اللعب على عواطف الجمهور ورغباتهم لأشد اقناعا من الاحتكام الى العقل )،صحيح أن مقولة المؤامرة ،وإن افتقدت لجل المقومات التى تصنع منها (نظرية معرفية) فإنها تستند، فى المقابل، إلى قرائن تاريخية عديدة وتناقضات واقعية موحية لا يمكن إهمالها، الأمر الذى يجعل منها مقولة إشكالية تستوجب التحليل والتفسير.  كان كتاب البروفسور ريتشارد هوفستاتر من جامعة كولومبيا (أسلوب الشك في السياسة الأمريكية) مثيراً للاهتمام، حيث يُظهر أن جيل كامل من الأمريكيين يعتقدون أن المؤامرات موجودة في كل التاريخ الأمريكي، كما أظهر انتصار دونالد ترامب أن نظريات المؤامرة كانت قوية بما يكفي داخل المجتمع الأمريكي. ولكن الليبراليين يبحثون عن المسؤولين في الولايات المتحدة وفي الخارج، في محاولة لاتهام روسيا بالتدخل والتأثير على الرأي العام.

 متعة المؤامرة

نعم مثلما يقولون ان نظريات المؤامرة أكثر متعة، وفي أحيان كثيرة أكثر إرضاءً من الحقائق؛ لأنّها تمدنا بما نحتاج سماعه، فالاستسلام لفكرة كون فشل العرب في كل شيء مقارنة بغيرهم عائد إلى رغبة الدول الكبرى أسهل من البحث عن طرق محاربة الفساد، والرشوة، والجهل، والطائفية، والأفكار المتخلفة التي تجرنا إلى الأسفل؛ لأنّ إلقاء اللوم على الآخرين دائمًا أسهل وأبسط. ومع ذلك فأن الذين يرتلون بعدم وجود (المؤامرة) واعادة خطابنا الثقافي وتجديده، أقول لهؤلاء: أن الهوان الذي نعيشه اليوم لم يكن نتيجة قصور رؤيتنا وبصيرتنا، ولكن ثقافة بني جلدتنا وأمعانهم في جلد الذات العربية، هي التي جعلت فكرة ثقافة المؤامرة تتناقض مع البيئة والذات، والعقل والعاطفة لتتشكل رؤى مغايرة ومتضادة في المواقف والحياة. أليست هذه النخب الساذجة هي نفسها التي ارادت ان تجعل من احتلال العراق تحريرا، رغم ان المحتل أعترف دوليا بأن دخولهم للعراق كان احتلالا وليس تحريرا؟ وهل من الغباء من يتجاهل ان الغرب وامريكا أطراف محايدة، لهم مصالحهم ومشاريعهم في تأزيم الامن والاستقرار للمنطقة العربية، وتأزيم الازمات وافتعالها، وزرع الالغام وتفجيرها في المدن العربية.

مشكلة قومنا انهم ينسون الماضي بسرعة ،ويبررون افعال الحاضر ، ويتجاهلون المستقبل ،ويصنعون المؤامرات لبعضهم ،بعضهم يصدق المؤامرة مع انها ليست مؤامرة ،والآخر لا يصدق المؤامرة ،رغم انها مؤامرة بامتياز .تصوروا  ان احدهم من جلدتنا قال :لماذا العرب مصابون بمرض نظرية المؤامرة ، ولماذا هذه الجاهلية التي تلعب في عقولنا وتجعلنا مهووسون بالمؤامرة ،اليس أحمقا ،والقول للكاتب العربي ، من يصدق هيلاري كلنتون وزيرة الخارجية الامريكية السابقة التي قالت في مذكراتها الاخيرة بأن (داعش من صنع امريكا) الا لتضحك على عقولنا وجاهليتنا ! ، وهذا القول يذكرنا بما قالته العرب قديمًا: (استأسد الحمل لما استنوق الجمل)، للدلالة على أن استصغار الإنسان لنفسه، إنما هو الخطوة الأولى في طريق خوفه من الآخرين ورؤيته لهم أكبر وأقوى بكثير مما هم عليه في الحقيقة.

براءة الذئب

ونقول، اليس أحمق من يصنع لنا اوهاما ليجعلنا نصدق ان ماجرى لأوطاننا من تدمير وموت وتقسيم هي بفعلنا فقط، وان الآخر (بريئ منها براءة الذئب من دم ابن يعقوب)، اليست الأفعال أبلغ من الأقوال، وان ماجرى للأوطان والعباد مجازر ابادة شاهدة على فعل الآخرين، والا قل لي من هو صاحب أبتكار جرائم سجن ابو غريب، وتعذبب البشر بالكلاب، وما فعلته شركة بلاك ووتر بالعراقيين موتا ودمارا، وكيف ابيدت الفلوجة بأسلحة الدمار الامريكية المحرمة دوليا كالفسفور الابيض، واليورانيوم المنضب تحت اسم (الشبح الغاضب).أليس أحمق هذا الذي يقول لنا ليلا ونهارا لا تصدقوا (نظرية المؤامرة)، وكأنه زرقاء اليمامة التي رأت ما لم يبصره الآخرون، أم ان الامر لاعلاقة له بكل المؤامرات، لأن الذي صنع لنا (حدوته المؤامرة) نفسه الذي صنع لنا (كذبة المؤامرة). وقديما قيل إن الكلب دائما يدافع عن سمعته بالنباح ولاشيئ آخر، لأن الكلب الأخرس لا أحد يقتنيه!

مشاركة