قدوري قاد بقرنا – محمد علي شاحوذ

165

 قدوري قاد بقرنا – محمد علي شاحوذ

مع أولى اللحظات التي تهجّينا  فيها أحرف اللغة العربية في المرحلة الابتدائية فإن الكلمات التي علقت في أذهاننا هي الكلمات الأولى في القراءة الخلدونية الشهيرة،ومع انطلاق أصواتنا الرنانة رحنا نردد خلف معلمنا الاستاذ سلمان رحمه الله،أول الدروس مع حرف الراء: دار.. داران…دور..،بالرغم من أن معظمنا،وحتى معلمنا نسكن بالإيجار،ولما كبرنا ادركنا أن كل الوطن من نصيب حفنة من اللصوص والتجار!!.

ويستمر الدرس ويصيح بنا معلمنا : من حرق دارنا … فتأتي النبوءة المبكرة كما وردت في كتاب القراءة: جارنا حرق دارنا،ولما كبرنا ادركنا فعلا أن جيراننا هم السبب وراء كل النيران التي حرقت ومازالت تحرق كل شئ في بلادنا !!.  ومع حصة حرف القاف حفظنا كلمات ما زالت ترن في أذاننا: قدوري قاد بقرنا،ولما كبرنا عرفنا ان قدوري قاد بقرنا واغنامنا وسخلاتنا،وحتى احلامنا الى السوق وباعها وقبض الثمن واشترى لنفسه قصورا،وعمارات وصار يحمل جوازات اوربية وانشأ حزبا واتباعا واقتنى سلاحا وحجز منصبا في الحكومة واشترى ضمائرا كنا نحسبها لا تباع ولا تشترى. ومع حرف العين: بعير نعمان،وراحت حناجرنا تصدح الى متى يبقى البعير على التلِ؟ يبقى البعير على التل الى المساء… وقد كبرنا وصرنا في خريف العمر ومازال بعير نعمان على التل يرفض ترك مكانه ويصّر على البقاء الى يوم الدين!!.

 وتوالت الدروس ورحنا نردد النشيد الخالد دجاجتي : دجاجتي تحبني.. إن لمحتني جعلت تقول،قَ قَ قاق.. إن وضعت بيضتها تقول: قاق قاق.. وبعدما كبرنا عرفنا الكثيرين ممن هم على شاكلة دجاجتي،فهم يُسبِحون ويُنقنِقون باسم سادتهم : قاق قاق ق ق ق ق قيققققققق.

ومع حرف التاء قرأنا: بنات.. طالبات.. دلال فازت.. زينب نادت.. ولما كبرنا أدركنا كيف ولم فازت دلال دون الباقيات،فعرفنا انها كانت تستخدم كل الطرق المؤدية الى الهدف !!.

ومع أول دروس التربية الرياضية مارسنا لعبة الكراسي في ساحة المدرسة،ولم يدر بخلدنا أن هذه اللعبة هي أهم لعبة سنرى الكبار يمارسونها،لا للظفر بكراسي العلم والتعليم،بل للظفر بكراسي السلطة والنفوذ،ومن يدفع اكثر سيفوز بها!!.

ولما كبرنا عرفنا أن هناك عمليات أخرى غير عمليات الهضم الميكانيكي والكيمياوي اللتان تحللان الطعام في الجسم تلك التي وردت في درس الاحياء،فقد عرفنا نوعا جديدا من عمليات الهضم قضمت وشفطت وامتصت حقوقنا وجهودنا وحولتنا الى  مجتمعات نازحة ومهجّرة وبائسة ومعدومة ومتأخرة بلا مقدرات.

 لما كبرنا أدركنا أن الكثير من الجُمّل التي قرأناها ورددّناها في القراءة الخلدونية لم تكن دقيقة ولا صادقة،فاكتشفنا أنّ بغداد ليست عاصمة العراق بل طهران،وأنّ العرب ليسوا أمة واحدة،وأنّ حدود العراق لا تمتد من زاخو للفاو،وأنّ سالم لم يحرث الارض،وأن القطار لن يأتي،وأنّ دربنا ليس بقريب،وأن الحمار لا الأسد هو من يحكم الغابة،وأنّ لطفي ليس الوحيد الذي صار طبالا،فمعظم الشعب صار يطبل ويزمر!!

،وأن الجندي الذي أستُشهِد من أجل الوطن، مات وعليه ديون،ومن بعده صار أيتامه وأرملته يشحذون لقمة الأكل، ويقفون في طوابير الذل،وأن العبيد لا يرغبون بالحرية،وأن عدنان لم يكتف بأكل التُفاحات الثمانِ،بل أكل كل التفاح لوحده،وسطى على باقي المحصول،وأن خالد لم يكن يحلم عندما دخل الغابة،بل كان يعيش الواقع حينما دخل الغابة متعمدا ليُطلق علينا كلابها وثعابينها وخنازيرها،وأنّ نضال لم تكن تكتب الدرس،بل كانت تكتب كل تفاصيل خيباتنا وماسينا ومصائبنا في كل ما حدث ويحدث!!.

مشاركة