زعيم‭ ‬في‭ ‬كردستان‭ ‬ومفاوض‭ ‬مع‭ ‬بغداد‭: ‬بارزاني‭ ‬يعود‭ ‬رابحاً‭ ‬بعد‭ ‬معركة‭ ‬خاسرة

587

السليمانية‭ (‬العراق‭) – (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) : ‬بعد‭ ‬عام‭ ‬على‭ ‬فشل‭ ‬استفتاء‭ ‬على‭ ‬الاستقلال‭ ‬أجراه‭ ‬زعيمه‭ ‬مسعود‭ ‬بارزاني،‭ ‬فرض‭ ‬الحزب‭ ‬الديموقراطي‭ ‬الكردستاني‭ ‬نفسه‭ ‬كصاحب‭ ‬اليد‭ ‬العليا‭ ‬بلا‭ ‬منازع‭ ‬في‭ ‬كردستان‭ ‬العراق،‭ ‬مع‭ ‬تحقيق‭ ‬مكاسب‭ ‬على‭ ‬الساحة‭ ‬السياسية‭ ‬الاتحادية‭ ‬في‭ ‬بغداد‭.‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الحزب‭ ‬الديموقراطي‭ ‬الكردستاني‭ ‬خسر‭ ‬مؤخرا‭ ‬معركته‭ ‬لانتزاع‭ ‬رئاسة‭ ‬الجمهورية‭ ‬من‭ ‬غريمه‭ ‬التقليدي‭ ‬حزب‭ ‬الاتحاد‭ ‬الوطني‭ ‬الكردستاني‭ ‬الذي‭ ‬أوصل‭ ‬مرشحه‭ ‬برهم‭ ‬صالح‭ ‬إلى‭ ‬المنصب‭ ‬الفخري،‭ ‬فإن‭ ‬ميزان‭ ‬القوى‭ ‬في‭ ‬السباق‭ ‬إلى‭ ‬الحقائب‭ ‬الوزارية‭ ‬يصب‭ ‬لصالح‭ ‬الحزب‭ ‬الديموقراطي‭ ‬الكردستاني‭.‬

ويفترض‭ ‬أن‭ ‬تبصر‭ ‬الحكومة‭ ‬العراقية‭ ‬النور‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬تشرين‭ ‬الثاني‭/‬نوفمبر‭ ‬المقبل‭.‬

ومنذ‭ ‬الانتخابات‭ ‬التشريعية‭ ‬العراقية‭ ‬في‭ ‬أيار‭/‬مايو‭ ‬الماضي،‭ ‬يشدد‭ ‬الحزب‭ ‬الديموقراطي‭ ‬الكردستاني‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬الحزب‭ ‬الأكبر‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬يعد‭ ‬حصوله‭ ‬على‭ ‬25‭ ‬نائبا‭ ‬في‭ ‬برلمان‭ ‬بغداد،‭ ‬معتبرا‭ ‬أن‭ ‬اللوائح‭ ‬التي‭ ‬سبقته‭ ‬تمكنت‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬بفضل‭ ‬تحالفات‭ ‬أحزاب‭ ‬وحركات‭ ‬سياسية،‭ ‬بينما‭ ‬هو‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬خاض‭ ‬السباق‭ ‬منفردا‭.‬

وتصدر‭ ‬الحزب‭ ‬الديموقراطي‭ ‬الكردستاني‭ ‬نتائج‭ ‬الانتخابات‭ ‬التشريعية‭ ‬للإقليم‭ ‬التي‭ ‬جرت‭ ‬أخيرا‭ ‬وصدرت‭ ‬نتائجها‭ ‬النهائية‭ ‬الأحد،‭ ‬حاصدا‭ ‬45‭ ‬مقعدا‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬111‭ ‬في‭ ‬البرلمان‭ ‬المحلي‭. ‬وبالتالي،‭ ‬بان‭ ‬في‭ ‬إمكانه‭ ‬أن‭ ‬يقدم‭ ‬نفسه‭ ‬على‭ ‬أنه،‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬بعيد،‭ ‬الممثل‭ ‬الأكبر‭ ‬لأكراد‭ ‬العراق‭.‬

ونظريا،‭ ‬يمكن‭ ‬للحزب‭ ‬الديموقراطي‭ ‬الكردستاني‭ ‬ضمان‭ ‬الغالبية‭ ‬في‭ ‬البرلمان‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يضطر‭ ‬إلى‭ ‬التحالف‭ ‬مع‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬منافسيه‭ ‬السياسيين،‭ ‬بل‭ ‬فقط‭ ‬بضم‭ ‬نواب‭ ‬الأقليات‭ ‬الذي‭ ‬يبلغ‭ ‬عددهم‭ ‬11‭ ‬نائبا،‭ ‬بحسب‭ ‬ما‭ ‬يشير‭ ‬خبراء‭.‬

لكن‭ ‬عمليا،‭ ‬الغالبية‭ ‬يفترض‭ ‬ان‭ ‬تضم‭ ‬بشكل‭ ‬أساسي‭ ‬الشيعة،‭ ‬المكون‭ ‬الأكبر‭ ‬في‭ ‬البلاد‭.‬

‮«‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إقصاؤه‮»‬

ويقول‭ ‬الباحث‭ ‬في‭ ‬كلية‭ ‬الدراسات‭ ‬العليا‭ ‬في‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية‭ ‬بباريس‭ ‬عادل‭ ‬بكوان‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬‮«‬بما‭ ‬أن‭ ‬الحزب‭ ‬الديموقراطي‭ ‬الكردستاني‭ ‬هو‭ ‬الآن‭ ‬صاحب‭ ‬الثقل‭ ‬السياسي‭ ‬الأكبر‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الكردية،‭ ‬فلا‭ ‬يمكن‭ ‬إقصاؤه‭ ‬في‭ ‬بغداد،‭ ‬وبالتالي،‭ ‬فإن‭ ‬مسعود‭ ‬بارزاني‭ ‬سيطلب‭ ‬وزارات‭ ‬كالخارجية‭ ‬والمالية،‭ ‬أو‭ ‬منصب‭ ‬نائب‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‮»‬‭.‬

ويضيف‭ ‬بكوان‭ ‬أن‭ ‬الحزب‭ ‬‮«‬خسر‭ ‬رهان‭ ‬الاستفتاء‭ ‬في‭ ‬أيلول‭/‬سبتمبر‭ ‬2017،‭ ‬ولكن‭ ‬الانتخابات‭ ‬التشريعية‭ ‬في‭ ‬أيار‭/‬مايو‭ ‬2018‭ ‬كان‭ ‬مرحلة‭ ‬كبيرة‭ ‬له،‭ ‬إذا‭ ‬لاقى‭ ‬توددا‭ ‬من‭ ‬الأميركيين‭ ‬والإيرانيين‮»‬،‭ ‬القوتين‭ ‬الكبيرتين‭ ‬النافذتين‭ ‬على‭ ‬الساحة‭ ‬السياسية‭ ‬العراقية‭.‬

بعيدا‭ ‬عن‭ ‬بغداد،‭ ‬يمكن‭ ‬للحزب‭ ‬الديموقراطي‭ ‬الكردستاني‭ ‬الآن‭ ‬تصفية‭ ‬حساباته‭ ‬مع‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬في‭ ‬معسكر‭ ‬الحكومة‭ ‬الاتحادية‭ ‬عندما‭ ‬اتخذت‭ ‬إجراءات‭ ‬قاسية‭ ‬ضد‭ ‬الإقليم‭ ‬ردا‭ ‬على‭ ‬الاستفتاء‭.‬

فبعد‭ ‬تصويت‭ ‬غالبية‭ ‬سكان‭ ‬إقليم‭ ‬كردستان‭ ‬على‭ ‬الاستقلال‭ ‬العام‭ ‬الماضي،‭ ‬اعتبرت‭ ‬بغداد‭ ‬العملية‭ ‬غير‭ ‬قانونية‭. ‬وعلى‭ ‬الأثر،‭ ‬اتجهت‭ ‬المدرعات‭ ‬العراقية‭ ‬شمالا‭ ‬لاستعادة‭ ‬مناطق‭ ‬متنازع‭ ‬عليها‭ ‬مع‭ ‬أربيل‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬تلك‭ ‬الغنية‭ ‬بالنفط،‭ ‬وذلك،‭ ‬بحسب‭ ‬التحليلات،‭ ‬باتفاق‭ ‬ضمني‭ ‬مع‭ ‬الاتحاد‭ ‬الوطني‭ ‬الكردستاني‭.‬

وانسحبت‭ ‬قوات‭ ‬البشمركة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬قتال‭ ‬أمام‭ ‬تقدم‭ ‬القوات‭ ‬العراقية‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬تشرين‭ ‬الأول‭/‬أكتوبر‭ ‬الماضي،‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬اعتبره‭ ‬برزاني‭ ‬‮«‬خيانة‭ ‬وطنية‭ ‬عظمى‮»‬‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يسمي‭ ‬الاتحاد‭ ‬الوطني‭ ‬الكردستاني‭ ‬الذي‭ ‬حصل‭ ‬على‭ ‬21‭ ‬مقعدا‭ ‬في‭ ‬البرلمان‭ ‬الحالي‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬18‭ ‬سابقا‭.‬

أما‭ ‬الخاسر‭ ‬الأكبر‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬التشريعية‭ ‬المحلية‭ ‬هذه‭ ‬المرة،‭ ‬فهو‭ ‬حزب‭ ‬التغيير‭ (‬غوران‭) ‬المعارض‭ ‬الأكبر‭ ‬للحزبين‭ ‬التاريخيين‭ ‬في‭ ‬إقليم‭ ‬كردستان،‭ ‬مع‭ ‬فقدانه‭ ‬نصف‭ ‬مقاعده‭ ‬وحصوله‭ ‬على‭ ‬12‭ ‬مقعدا‭ ‬فقط‭.‬

ما‭ ‬قبل‭ ‬2006؟

ويقول‭ ‬عضو‭ ‬الهيئة‭ ‬التنفيذية‭ ‬في‭ ‬غوران‭ ‬رؤوف‭ ‬عثمان‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬إن‭ ‬الوضع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬السيء‭ ‬وقطع‭ ‬رواتب‭ ‬الموظفين‭ ‬في‭ ‬الإقليم‭ ‬‮«‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬ابتعاد‭ ‬الناس‭ ‬عن‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬السياسية‭ ‬والانتخابات،‭ (…) ‬إيمانا‭ ‬منهم‭ ‬بأن‭ ‬الوضع‭ ‬لن‭ ‬يتغير‮»‬‭.‬

ويرى‭ ‬مراقبون‭ ‬أن‭ ‬سقوط‭ ‬غوران‭ ‬هو‭ ‬ثمرة‭ ‬انقسام‭ ‬المعارضة‭ ‬إلى‭ ‬جبهات‭ ‬عدة‭. ‬فمع‭ ‬خسارته‭ ‬نصف‭ ‬مقاعده،‭ ‬حصل‭ ‬حراك‭ ‬‮«‬الجيل‭ ‬الجديد‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬تأسس‭ ‬مؤخرا‭ ‬على‭ ‬ثمانية‭ ‬مقاعد‭.‬

رغم‭ ‬ذلك،‭ ‬أعلن‭ ‬هذا‭ ‬الأخير‭ ‬رفضه‭ ‬نتائج‭ ‬الانتخابات،‭ ‬داعيا‭ ‬إلى‭ ‬تشكيل‭ ‬معارضة‭ ‬موحدة‭ ‬أو‭ ‬مقاطعة‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬البرلمان‭.‬

ويشير‭ ‬القيادي‭ ‬في‭ ‬‮«‬الجيل‭ ‬الجديد‮»‬‭ ‬آرام‭ ‬سعيد‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬‮«‬هذه‭ ‬المهزلة‭ ‬مستمرة‭ ‬منذ‭ ‬27‭ ‬عاما‭ ‬تحت‭ ‬حكم‭ ‬الحزبين‭ ‬الرئيسيين،‭ ‬بسبب‭ ‬التزوير‭ ‬والتلاعب‭ ‬بأصوات‭ ‬المواطنين‮»‬‭.‬

ويخشى‭ ‬البعض‭ ‬خطر‭ ‬الانقسام‭. ‬وسبق‭ ‬أن‭ ‬شهد‭ ‬الإقليم‭ ‬‮«‬حرب‭ ‬الإخوة‮»‬‭ ‬بين‭ ‬العامين‭ ‬1994‭ ‬و2006‭ ‬التي‭ ‬أسفرت‭ ‬عن‭ ‬نشوء‭ ‬إدارتي‭ ‬حكم،‭ ‬الحزب‭ ‬الديموقراطي‭ ‬الكردستاني‭ ‬في‭ ‬أربيل،‭ ‬والاتحاد‭ ‬الوطني‭ ‬الكردستاني‭ ‬في‭ ‬السليمانية‭.‬

وبعد‭ ‬مرور‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عقد‭ ‬على‭ ‬المصالحة،‭ ‬‮«‬قد‭ ‬نشاهد‭ ‬إدارتين،‭ ‬مجددا‮»‬،‭ ‬بحسب‭ ‬المحلل‭ ‬السياسي‭ ‬العراقي‭ ‬واثق‭ ‬الهاشمي‭.‬

لكن‭ ‬الهاشمي‭ ‬يلفت‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الأمور‭ ‬لن‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬وجود‭ ‬ضغوط‭ ‬خارجية‮»‬‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الإقليمية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يناسبها‭ ‬نشوء‭ ‬حرب‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬على‭ ‬حدودها‭.‬

مشاركة