ليلة في إسطنبول – جليل وادي

145

كلام أبيض

ليلة في إسطنبول – جليل وادي

لم تكن ليلة هادئة تلك التي قضاها المسافرون العراقيون في مطار أتاتورك الذي تحط فيه طائرة في أقل من خمس دقائق، ففي الوقت الذي تنزل في مدرجه واحدة تكون الاخرى تحوم في سمائه، فاسطنبول مدينة تنبض بالحياة على مدار السنة وبمختلف فصولها، جنسيات مختلفة يتعذر احصاؤها تستمتع بمناخها وحريتها وتاريخها وطبيعتها الخلابة ونظافتها الواضحة، ذلك ان عوامل الجذب فيها شتى، ما جعلها محطة استرخاء واستكشاف تضاهي تلك الموجودة في اوربا.

ومع ان الليالي التي قضاها السياح العراقيون في اسطنبول كانت سعيدة ومرت سريعا، الا ان الليلة الأخيرة التي حزموا فيها أمتعتهم لمغادرتها والعودة لبلادهم كانت ثقيلة جدا وصاخبة، فلم يكن بمقدورهم فهم ما جرى تماما، كما فشل المسؤول في الخطوط الجوية العراقية برغم لطفه في اقناعهم بتأجيل رحلة العودة بسبب عطل في الطائرة، فضجت قاعة المطار بالصراخ والمناوشات الكلامية والالفاظ غير المقبولة والانفعالات الحادة، ما لفت أنظار المسافرين الأجانب، ورسم في اذهانهم صورة سلبية عن العراق والعراقيين ما كنا نتمنى لها أن تكون. ليس بالأمر المستغرب ان تؤجل رحلة طيران لعطل في طائرة او لسوء في الأحوال الجوية، وربما يتفهم المسافرون ذلك لو كانت ثقتهم بالخطوط الجوية عالية، لكن الثقة تكاد أن تكون معدومة لتجارب في التأجيل او التأخير غير المبرر، بالرغم من التاريخ العريق لهذه الخطوط وحصولها على العديد من الجوائز في عقود سابقة، كانت فيه الاولى في المنطقة، ويبدو ان الاقبال عليها ليس ثقة بها، بل لرخص ثمن تذاكرها قياسا بالخطوط الجوية غير المحلية.

ومن غرائب تلك الليلة ان المجامع السياحية )الكروبات) التي لديها تذاكر ذهاب واياب على الخطوط نفسها بلغهم قبل يوم بأن الطائرة التي أقلتهم الى اسطنبول قد تغيرت بأخرى من نوع )جانبو)، ما اقتضى تغيير التذاكر، وبالفعل سلم المسؤولون عن تلك المجاميع بعض المسافرين وليس جميعهم تذاكر جديدة، الأمر الذي أقلق بعض العوائل التي شطرتها التذاكر بين من حصل عليها ومن لم يحصل، ولم يخفت قلقها الا في الليلة الثانية ، لكن اللافت في تلك التذاكر انها صادرة من باكو عاصمة أذربيجان، ما أثار دهشة المسافرين، فما علاقة باكو برحلة بين بغداد واسطنبول على الخطوط الجوية العراقية، ومع ذلك فرح المسافرون بتغيير الطائرة، اذ عاشوا حالة رعب في الطائرة السابقة التي اقلتهم الى اسطنبول، فصغر حجمها وقدمها جعلها عرضة للخطر، فقد تلاعبت بها الريح اثناء هبوطها ذات اليمين وذات الشمال، ولولا مهارة قائدها وحنكته لما هبطت بسلام، فكان هبوطها أقرب الى الارتطام بالأرض منه الى الهبوط، فكيف لخطوط عريقة استخدام طائرة قديمة؟، حتى صارت لقدمها وضيقها مثار تندر المسافرين بقولهم : ان سقف الطائرة لن يحميهم في حال أمطرت السماء.

وما زاد من احتقان الموقف، ان الأوقات المخصصة لخطوطنا للهبوط في مطار اتاتورك او الاقلاع منه، متعبة للمسافر العراقي، وتحرمه النوم ليلتين بالتمام والكمال، فموعد الهبوط الساعة الواحدة ليلا، بينما الاقلاع الساعة الثالثة بعد منتصف الليل، ألا يمكن لإدارة الخطوط التفاوض مع الجانب التركي للحصول على أوقات تريح مسافرينا، ولِمَ وُضعت الخطوط العراقية في أسوء وقت؟.

انتهى العراك الكلامي من دون تحديد موعد للعودة، وظل المسافرون لا يعرفون ما يفعلون، فتكرمت على بعضهم شركات السياحة بايوائهم بفنادقها بالرغم من انتهاء المدة المحددة لهم، اما الذين كانت رحلتهم انفرادية وأوضاعهم المالية سيئة فانتظروا ان تحجز لهم الخطوط العراقية في أحد الفنادق بوصفها المسؤولة عن تأجيل الرحلة كما هو معمول به في جميع خطوط العالم، لكن ذلك لم يحدث فتوسدوا مع أطفالهم الحقائب وافترشوا أرضية المطار الباردة لقضاء ليلة تاريخية تحيط بهم ابتسامات شرطة المطار الساخرة. هذا ما حدث في اسطنبول، فماذا جرى في بيروت؟

ديالى

مشاركة