العراق‭: ‬الأحزاب‭ ‬ترفض‭ ‬التنازل‭ ‬عن‭ ‬الاستحقاقات‭ ‬الانتخابية‭ ‬وترشح‭ ‬التكنوقراط‭ ‬المرتبط‭ ‬بها‭ ‬

246

بغداد‭ – ‬الزمان‭ ‬

تزداد‭ ‬ضغوط‭ ‬الاحزاب‭ ‬السياسية‭ ‬على‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬العراقي‭ ‬المكلف‭ ‬عادل‭ ‬عبد‭ ‬المهدي‭ ‬لتثبيت‭ ‬حق‭ ‬الاستحقاق‭ ‬الانتخابي‭ ‬وعدم‭ ‬الاصغاء‭ ‬لدعوات‭ ‬اختيار‭ ‬وزراء‭ ‬تكنوقراط‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬المحاصصة‭ ‬الحزبية‭  ‬لاسيما‭ ‬بعد‭ ‬إطلاق‭ ‬موقع‭ ‬إلكتروني‭ ‬مكنّ‭ ‬العراقيين‭ ‬لمدة‭ ‬يومين‭ ‬من‭ ‬تقديم‭ ‬طلبات‭ ‬ترشيح‭ ‬لمنصب‭ ‬وزير،‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬وغير‭ ‬مألوفة‭ ‬في‭ ‬العراق‭. ‬وقال‭ ‬مصدر‭ ‬مطلع‭ ‬على‭ ‬الاتصالات‭ ‬ان‭ ‬الاحزاب‭ ‬تريد‭ ‬ترشيح‭ ‬وزراء‭ ‬يحملون‭ ‬صفة‭ ‬التكنوقراط‭ ‬لكنهم‭ ‬منخرطون‭ ‬ضمن‭ ‬تنظيماتهم‭ ‬وتوجهاتهم‭  ‬،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬التفاف‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬بالامكان‭ ‬اخفاؤها‭ .‬

بعد‭ ‬تعثرات‭ ‬كبيرة‭ ‬وكثيرة‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬تحالفات‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الانتخابات‭ ‬التشريعية‭ ‬التي‭ ‬شهدها‭ ‬العراق‭ ‬في‭ ‬أيار‭/‬مايو‭ ‬الماضي،‭ ‬أثمرت‭ ‬اتفاقات‭ ‬سياسية‭ ‬فجائية‭ ‬عن‭ ‬انتخاب‭ ‬محمد‭ ‬الحلبوسي‭ ‬رئيسا‭ ‬للبرلمان،‭ ‬وبعدها‭ ‬انتخاب‭ ‬برهم‭ ‬صالح‭ ‬رئيسا‭ ‬للجمهورية،‭ ‬وتكليف‭ ‬عادل‭ ‬عبد‭ ‬المهدي‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬قياسي‭ ‬بتشكيل‭ ‬الحكومة،‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬كانت‭ ‬تبدو‭ ‬قبل‭ ‬ساعات‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الليلة‭ ‬شبه‭ ‬مستحيلة‭.‬

في‭ ‬المقلب‭ ‬الآخر،‭ ‬تسعى‭ ‬الكتل‭ ‬السياسية‭ ‬الكبيرة‭ ‬في‭ ‬البرلمان،‭ ‬إلى‭ ‬تسمية‭ ‬مرشحين‭ ‬تابعين‭ ‬لها،‭ ‬لكنها‭ ‬تقدمهم‭ ‬على‭ ‬أنهم‭ ‬مستقلون‭.‬

ويقول‭ ‬المتحدث‭ ‬باسم‭ ‬ائتلاف‭ ‬‮«‬الفتح‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يضم‭ ‬قياديين‭ ‬من‭ ‬فصائل‭ ‬الحشد‭ ‬الشعبي،‭ ‬النائب‭ ‬أحمد‭ ‬الأسدي،‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬‮«‬كل‭ ‬الاحزاب‭ ‬تتعامل‭ ‬بالعقلية‭ ‬نفسها،‭ ‬حزب‭ ‬سين‭ ‬لديه‭ ‬سبعة‭ ‬مقاعد‭ ‬أو‭ ‬ثمانية،‭ ‬ولديه‭ ‬نواب،‭ ‬وعنده‭ ‬وزارة‭ ‬سيفعل‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬وسعه‭ ‬للإبقاء‭ ‬عليها،‭ ‬لأنه‭ ‬يعتبرها‭ ‬استحقاقا‭ ‬انتخابيا‮»‬‭.‬

لكن‭ ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬يرى‭ ‬الأسدي‭ ‬أن‭ ‬‮«‬توزيع‭ ‬الحقائب‭ ‬الوزارية‭ ‬سيكون‭ ‬مختلفا‭ ‬هذه‭ ‬المرة‮»‬،‭ ‬لافتا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المحاصصة‭ ‬ستكون‭ ‬وفق‭ ‬التحالفات‭ ‬السياسية‭ ‬وليس‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬حصص‭ ‬المكونات،‭ ‬من‭ ‬الشيعة‭ ‬والسنة‭ ‬والأكراد‭.‬

ولهذا،‭ ‬يعتبر‭ ‬المحلل‭ ‬السياسي‭ ‬العراقي‭ ‬هشام‭ ‬العقابي‭ ‬أن‭ ‬عبد‭ ‬المهدي‭ ‬‮«‬أمام‭ ‬معوق‭ ‬كبير‭ ‬ومهمة‭ ‬صعبة‮»‬،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬الكتل‭ ‬السياسية‭ ‬‮«‬تبدو‭ ‬في‭ ‬الظاهر‭ ‬متفقة‭ (…) ‬لكن‭ ‬في‭ ‬الحوارات‭ ‬الداخلية‭ ‬الجميع‭ ‬يريد‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬استحقاقاته‮»‬‭.‬

وأشار‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬المكلف‭ ‬في‭ ‬مناسبات‭ ‬عدة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬التجارب‭ ‬السابقة‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يبقى‭ ‬مستقلا‭ ‬إذا‭ ‬رشحه‭ ‬حزب‭ ‬ما،‭ ‬وعليه،‭ ‬فإنه‭ ‬ماض‭ ‬بخطة‭ ‬التوزير‭ ‬خارج‭ ‬الإطار‭ ‬الحزبي‭.‬

ويتماشى‭ ‬هذا‭ ‬الخطاب‭ ‬تقريبا‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬يدعو‭ ‬إليه‭ ‬الزعيم‭ ‬الشيعي‭ ‬البارز‭ ‬مقتدى‭ ‬الصدر‭ ‬الذي‭ ‬حل‭ ‬ائتلافه‭ ‬أولا‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬التشريعية‭.‬

ويصر‭ ‬الصدر‭ ‬على‭ ‬حكومة‭ ‬تكنوقراط‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬المحاصصة‭ ‬الحزبية‭ ‬التي‭ ‬تعتبر‭ ‬عرفا‭ ‬في‭ ‬العراق‭. ‬وقال‭ ‬في‭ ‬تغريدة‭ ‬الأسبوع‭ ‬الماضي‭ ‬‮«‬إننا‭ ‬إذ‭ ‬منعنا‭ ‬الترشيح‭ ‬للوزارات‭ ‬إنما‭ ‬لأجل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬بيد‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء،‭ ‬وليس‭ ‬هبة‭ ‬للكتل‭ ‬والأحزاب‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬عرضة‭ ‬للمحاصصة،‭ ‬بل‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬بيد‭ ‬التكنوقراط‭ ‬المستقل،‭ ‬وإلا‭ ‬كان‭ ‬لنا‭ ‬موقف‮»‬‭.‬

وهو‭ ‬نفسه‭ ‬من‭ ‬دعا‭ ‬إلى‭ ‬فتح‭ ‬باب‭ ‬الترشيح‭ ‬العام‭ ‬لذوي‭ ‬الاختصاص‭ ‬والكفاءات‭.‬

لكن‭ ‬رغم‭ ‬هذه‭ ‬المعارضة‭ ‬والنبرة‭ ‬التحذيرية‭ ‬من‭ ‬الصدر،‭ ‬يشير‭ ‬مسؤول‭ ‬كبير‭ ‬مطلع‭ ‬على‭ ‬المفاوضات‭ ‬لفرانس‭ ‬برس‭ ‬طالبا‭ ‬عدم‭ ‬كشف‭ ‬هويته،‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬‮«‬من‭ ‬المستحيل‭ ‬ان‭ ‬تطرح‭ ‬الكتل‭ ‬السياسية‭ ‬مرشحين‭ ‬من‭ ‬خارجها‭ ‬لمناصب‭ ‬وزارية‮»‬‭.‬

ويرجح‭ ‬أن‭ ‬‮«‬النسبة‭ ‬الأعلى‭ ‬من‭ ‬أسماء‭ ‬الوزراء‭ ‬المطروحين‭ ‬في‭ ‬الحكومة‭ ‬الجديدة‭ ‬ستكون‭ ‬بطريقة‭ ‬المفاجأة،‭ ‬كما‭ ‬حصل‭ ‬بالرئاسات‭ ‬الثلاث‮»‬‭.‬

ويؤكد‭ ‬المسؤول‭ ‬نفسه‭ ‬أن‭ ‬الكتل‭ ‬الفائزة‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬ستقدم‭ ‬أربعة‭ ‬مرشحين‭ ‬لكل‭ ‬وزارة،‭ ‬ينتخب‭ ‬منها‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬المكلف‭ ‬الشخص‭ ‬الذي‭ ‬يراه‭ ‬مناسبا‭.‬

موقع‭ ‬قوة؟

ويقول‭ ‬المسؤول‭ ‬نفسه‭ ‬لفرانس‭ ‬برس‭ ‬إن‭ ‬قرار‭ ‬تسمية‭ ‬عبد‭ ‬المهدي‭ ‬جاء‭ ‬بعد‭ ‬موافقة‭ ‬المرجعية‭ ‬الشيعية‭ ‬العليا‭ ‬عليه،‭ ‬رغم‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يوافي‭ ‬الشروط‭ ‬المطروحة‭ ‬التي‭ ‬أكدت‭ ‬عليها‭ ‬المرجعية‭ ‬نفسها،‭ ‬وخصوصا‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بعدم‭ ‬إشراك‭ ‬مسؤولين‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬شاركوا‭ ‬في‭ ‬السلطة‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬السابقة‭.‬

وبناء‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬يرى‭ ‬مراقبون‭ ‬للمشهد‭ ‬السياسي،‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬عبد‭ ‬المهدي‭ ‬‮«‬في‭ ‬دائرة‭ ‬المراقبة‭ (…) ‬إذ‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬الأنسب‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬المطروحين‭ ‬ولكن‭ ‬ليس‭ ‬المنشود‮»‬‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬يلفت‭ ‬المحلل‭ ‬السياسي‭ ‬العراقي‭ ‬هشام‭ ‬الهاشمي‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬عبد‭ ‬المهدي‭ ‬‮«‬سيسعى‭ ‬إلى‭ ‬اتباع‭ ‬خطوات‭ ‬المناورة‭ (…) ‬والصمت‭ ‬السياسي‮»‬‭.‬

ولطالما‭ ‬كانت‭ ‬المحاصصة‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬مبنية‭ ‬على‭ ‬غض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬أخطاء‭ ‬الحلفاء‭ ‬الأقوياء‭ ‬في‭ ‬السلطة،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬ينعكس‭ ‬سلبا‭ ‬على‭ ‬صورة‭ ‬رئيس‭ ‬الحكومة،‭ ‬حفاظا‭ ‬على‭ ‬الاستمرارية‭ ‬وعدم‭ ‬الانقضاض‭ ‬عليه‭ ‬وإقصائه‭ ‬من‭ ‬المنصب‭.‬

ويؤكد‭ ‬الهاشمي‭ ‬لفرانس‭ ‬برس‭ ‬أن‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬المنتهية‭ ‬ولايته‭ ‬حيدر‭ ‬العبادي‭ ‬مثلا‭ ‬كانت‭ ‬لديه‭ ‬‮«‬استراتيجية‭ ‬عدم‭ ‬إغضاب‭ ‬الشركاء‭ ‬الأقوياء‭ ‬في‭ ‬السلطة‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬سبب‭ ‬نجاحه،‭ ‬وعليه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬لرئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬المكلف‭ ‬أن‭ ‬‮«‬يلعب‭ ‬بعش‭ ‬النسر‮»‬‭.‬

مشاركة