عندما يصبح السلطان صعلوكاً؟! – حسن النواب

185

كلام صريح

قبل‭ ‬أسابيع‭ ‬مرَّتْ‭ ‬الذكرى‭ ‬المؤلمة‭ ‬لرحيل‭ ‬الشاعر‭ ‬حسين‭ ‬السلطاني؛‭ ‬وموت‭ ‬صعلوك‭ ‬يعني‭ ‬فقدان‭ ‬نبلةٍ‭ ‬من‭ ‬كنانةِ‭ ‬قوس‭ ‬التمرّد،‭ ‬وموت‭ ‬صعلوك‭ ‬يعني‭ ‬احتلال‭ ‬مكانه‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬زائف‭ ‬وغشاش،‭ ‬وموت‭ ‬صعلوك‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الظلم‭ ‬مازال‭ ‬يسود‭ ‬في‭ ‬وطنه،‭ ‬وموت‭ ‬صعلوك‭ ‬يعني‭ ‬انطفاء‭ ‬ضوء‭ ‬كان‭ ‬يقاوم‭ ‬الظلام،‭ ‬وموت‭ ‬صعلوك‭ ‬يعني‭ ‬ضياع‭ ‬بوصلة‭ ‬في‭ ‬زحام‭ ‬المدينة،‭ ‬وموت‭ ‬صعلوك‭ ‬يعني‭ ‬وحشة‭ ‬في‭ ‬حانة‭ ‬منسية‭ ‬وحديقة‭ ‬مهملة‭ ‬وقبو‭ ‬رطب‭ ‬وفندق‭ ‬رخيص،‭ ‬وموت‭ ‬صعلوك‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬الرصيف‭ ‬أمسى‭ ‬بلا‭ ‬حارس،‭ ‬وموت‭ ‬صعلوك‭ ‬يعني‭ ‬ظهور‭ ‬شرخ‭ ‬في‭ ‬مرآة‭ ‬الحياة‭.. ‬هكذا‭ ‬خطرت‭ ‬الأفكار‭ ‬برأسي‭ ‬هذا‭ ‬الصباح‭ ‬عندما‭ ‬تذكرت‭ ‬صديقنا‭ ‬الصعلوك‭ ‬حسين‭ ‬السلطاني‭ ‬الذي‭ ‬أطبقت‭ ‬مخالب‭ ‬الموت‭ ‬على‭ ‬خناقه‭ ‬قبل‭ ‬عام،‭ ‬السلطاني‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬اكثر‭ ‬الشعراء‭ ‬أناقة‭ ‬في‭ ‬سنوات‭ ‬الثمانينيات،‭ ‬حتى‭ ‬مجموعته‭ ‬الشعرية‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬أصدرها‭ ‬على‭ ‬حسابه‭ ‬الخاص‭ ‬برغم‭ ‬الحصار‭ ‬الخانق‭ ‬كانت‭ ‬جذابة‭ ‬وإزدان‭ ‬غلافها‭ ‬بصورته‭ ‬وهو‭ ‬يـتأمل‭ ‬أفقاً‭ ‬بعيداً‭ ‬وكان‭ ‬عنوانها‭ “‬مثل‭ ‬مهر‭ ‬أو‭ ‬أيل‭ ‬نافر‭” ‬أن‭ ‬لم‭ ‬تخذلني‭ ‬الذاكرة،‭ ‬لم‭ ‬اصدق‭ ‬هيأته‭ ‬المشرّدة‭ ‬عندما‭ ‬جلس‭ ‬إلى‭ ‬جواري‭ ‬في‭ ‬نادي‭ ‬الأدباء‭ ‬عند‭ ‬زيارتي‭ ‬الأخيرة‭ ‬للبلاد،‭ ‬كان‭ ‬ثملاً‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬الخمرة‭ ‬فحسب‭ ‬إنما‭ ‬من‭ ‬وجعٍ‭ ‬عظيم‭ ‬يلوب‭ ‬في‭ ‬كيانه‭ ‬المدمر،‭ ‬خلتُ‭ ‬للوهلة‭ ‬الأولى‭ ‬أن‭ ‬السلطاني‭ ‬يفتعل‭ ‬الألم‭ ‬والتشرد‭ ‬والهذيان،‭ ‬ولكن‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت‭ ‬على‭ ‬جلستنا‭ ‬بدأت‭ ‬تتكشف‭ ‬رويدا‭ ‬رويدا‭ ‬أوجاعه‭ ‬الصادقة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تسيل‭ ‬مع‭ ‬دمعه‭ ‬المنكسر‭ ‬على‭ ‬قميصي‭ ‬الأسود،‭ ‬لم‭ ‬أشأ‭ ‬أن‭ ‬أسأله‭ ‬عن‭ ‬سر‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬الدراماتيكي‭ ‬في‭ ‬حياته،‭ ‬فلقد‭ ‬خمّنتُ‭ ‬أنَّ‭ ‬عارضاً‭ ‬إنسانياً‭ ‬لا‭ ‬يرحم‭ ‬اخترق‭ ‬حياته‭ ‬السلطانية‭ ‬وأحال‭ ‬رونقها‭ ‬الذي‭ ‬عهدته‭ ‬إلى‭ ‬هشيم‭ ‬مهين،‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬اللقاء‭ ‬كان‭ ‬يشرب‭ ‬خمرته‭ ‬الحادة‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬فوبيا‭ ‬لعينة‭ ‬تحاصره،‭ ‬كان‭ ‬يشكو‭ ‬من‭ ‬قسوة‭ ‬إدارة‭ ‬نادي‭ ‬الاتحاد‭ ‬ومنعه‭ ‬من‭ ‬شرب‭ ‬الكحول‭ ‬بسبب‭ ‬المشاكل‭ ‬العويصة‭ ‬التي‭ ‬يخلفها‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬جلسة،‭ ‬مثل‭ ‬مفزوع‭ ‬يدلق‭ ‬الكأس‭ ‬إلى‭ ‬جوفه‭ ‬متلفتاً‭ ‬بهلع‭ ‬يميناً‭ ‬ويساراً،‭ ‬ولما‭ ‬حذرته‭ ‬من‭ ‬المبالغة‭ ‬في‭ ‬خوفه‭ ‬غير‭ ‬المبرر،‭ ‬لاذ‭ ‬بصمت‭ ‬مريب‭ ‬بينما‭ ‬سال‭ ‬الدمع‭ ‬على‭ ‬وجهه‭ ‬ثقيلاً‭ ‬مثل‭ ‬خمرة‭ ‬معتقة،‭ ‬وفي‭ ‬لحظة‭ ‬طلب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هو‭ ‬المحاور‭ ‬بلقاء‭ ‬معي‭ ‬مزمع‭ ‬تصويره‭ ‬في‭ ‬قناة‭ ‬الحرية‭ ‬لبرنامج‭ ” ‬مبدعون‭ “‬،‭ ‬رحَّبتُ‭ ‬بالفكرة‭ ‬واقترحت‭ ‬عليه‭ ‬شراء‭ ‬ملابس‭ ‬جديدة‭ ‬أتكفل‭ ‬بدفع‭ ‬ثمنها،‭ ‬رفع‭ ‬رأسه‭ ‬وتأملني‭ ‬بعينين‭ ‬مهزومتين‭ ‬وهمس‭ ‬بلوعة‭ : ‬طيبتك‭ ‬تربكني‭ ‬يا‭ ‬نوّاب‭.. ‬وبكفٍّ‭ ‬مرتجفة‭ ‬وضع‭ ‬كأسه‭ ‬أمامي‭ ‬حتى‭ ‬أدلق‭ ‬فيها‭ ‬الشراب،‭ ‬عندما‭ ‬ذهبت‭ ‬إلى‭ ‬قناة‭ ‬الحرية‭ ‬لم‭ ‬أجد‭ ‬السلطاني‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬له‭ ‬أي‭ ‬أثر،‭ ‬حينها‭ ‬أدركت‭ ‬أن‭ ‬الصعلكة‭ ‬قد‭ ‬نالت‭ ‬من‭ ‬بهاء‭ ‬السلطاني‭ ‬بقسوة،‭ ‬وقبل‭ ‬تسعة‭ ‬أيام‭ ‬من‭ ‬رحيله‭ ‬المفجع‭ ‬طلب‭ ‬صداقتي‭ ‬على‭ ‬فيس‭ ‬بوك،‭ ‬وافقت‭ ‬فورا‭ ‬وأرسل‭ ‬لي‭ ‬رسالة‭ ‬قصيرة‭ ‬على‭ ‬بريدي‭ ‬كتب‭ ‬فيها‭:‬

‭- ‬نوابنا‭ ‬الجميل‭.. ‬كم‭ ‬أنا‭ ‬مشتاق‭ ‬لك‭ ‬أيها‭ ‬العزيز‭ ‬

أجبتهُ‭:‬

‭- ‬حبيبي‭ ‬حسين‭.. ‬أما‭ ‬زلت‭ ‬مدمناً‭ ‬على‭ ‬الألم؟

‭- ‬حبيبي‭ ‬حسن‭.. ‬نعم‭ ‬الألم‭ ‬والخسارات‭ ‬والشعور‭ ‬الشاهق‭ ‬بالمرارة‭.‬

وها‭ ‬أنت‭ ‬أيها‭ ‬السلطاني‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يئست‭ ‬من‭ ‬شعرك،‭ ‬تشبثت‭ ‬بصعلكة‭ ‬كانت‭ ‬غريبة‭ ‬عنك‭ ‬حتى‭ ‬أغوتك‭ ‬وأصبحت‭ ‬جزءا‭ ‬منها،‭ ‬خذلك‭ ‬الشعر‭ ‬وخذلتك‭ ‬الصعلكة،‭ ‬وكلماتك‭ ‬التي‭ ‬تركتها‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬لم‭ ‬يبق‭ ‬منها‭ ‬سوى‭ ‬مشهد‭ ‬فجيعة‭ ‬أخير‭ ‬لجسدك‭ ‬المسحوق‭ ‬وهو‭ ‬يخطو‭ ‬متعثرا‭ ‬إلى‭ ‬التراب‭.. ‬لا‭ ‬ترتبك‭ ‬فهناك‭ ‬كزار‭ ‬وجان‭ ‬وعقيل‭ ‬وعبد‭ ‬اللطيف‭ ‬الراشد‭ ‬وهادي‭ ‬السيد‭ ‬وعدنان‭ ‬العيسى‭ ‬وصباح‭ ‬العزاوي‭ ‬وحامد‭ ‬الموسوي‭ ‬وسواهم‭ ‬من‭ ‬الصعاليك‭ ‬بانتظارك‭ ‬عند‭ ‬باب‭ ‬الجنة‭.. ‬خفّ‭ ‬خطاك‭ ‬نحوهم‭ ‬أيها‭ ‬الصعلوك‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يحلّ‭ ‬الظلام‭.‬

مشاركة