مهدي الحافظ: يا له من زمن ؟ (3)

571

مهدي الحافظ: يا له من زمن ؟ (3)

الموقف من الحرب العراقية الإيرانية والبيروقراطية الحزبية وراء تأسيس المنبر

عبد الحسين شعبان

وبعد أن توثقت علاقتي بكجمن في الخارج من خلال مساهمتي في عدد من المؤتمرات والاجتماعات الدولية سألته عن سبب تغيير موقفه فأجاب ” كما تعلم إنني حزبي ولا بدّ أن ألتزم بقرارات “القيادة” التي كان رأيها هو تقديمها الأهم على المهم ” حسبما قال، “والأهم هو العلاقات الثنائية بين البلدين”، أما تفاصيل تتعلق بانتخابات مهنية ، فلا يمكن مقارنتها بالعلاقات المختلفة والمتنوّعة بين البلدين.

مهدي الحافظ في سكرتارية الجبهة الوطنية

خلال وجود مهدي الحافظ في براغ لمهمته المهنية حاول الدراسة في مدرسة الاقتصاد العليا، وهي مدرسة تخرج الكادر الحكومي والحزبي المتقدم ، وتعتبر من المدارس الاقتصادية المتقدمة في العالم بعد كلية لندن للاقتصاد (London School of Economics) في  بريطانيا والكليات الاقتصادية الشهيرة في الهند وبولونيا ، ولكن بسبب قبول أحد الطلاب ممن لم ينهِ دراسته الثانوية سحبت الحكومة العراقية الاعتراف بها، وقد حاولنا عبر بيانات وإيضاحات تقديم ما يعزّز الثقة بالمدرسة الاقتصادية العليا حتى أعيد الاعتراف بها، وكنت قد حضرت مناقشة مهدي الحافظ ودفاعه عن أطروحته ، وأتذكر أن  هشام البعّاج الذي كان يدرس في المدرسة ذاتها حضر أيضاً، كما حضر حميد برتو وآخرين الاحتفالية التي أقيمت بعدها، وكان ذلك في العام 1973  وعاد مهدي الحافظ إلى بغداد حيث كان قد انتدب إلى العمل في سكرتارية الجبهة الوطنية، واستمر في إلقاء بعض المحاضرات في الجامعة المستنصرية ، وأساس وظيفته كان في وزارة النفط.وكان الحافظ قد تخرّج من كلية التربية في بغداد- قسم الكيمياء، ودرس من العام 1961 ولغاية العام 1964  في مدرسة الإعداد الحزبي في براغ مع عزيز الحاج وماجد عبد الرضا وخلال زياراته المتكررة إلى براغ كنت ألتقيه في كل مرّة ، سواء مع نعيم حداد أم مع آخرين في إطار مجلس السلم العالمي بصحبة عزيز شريف ونوري عبد الرزاق وآخرين، وسبق أن رويت في إحدى المرّات عن مناقشة بين الجــــــــواهري وعزيز شريف في فندق الانتركونتيننتال، وذلك في كتابي ” الجواهري- جدل الشعر والحيــــــــاة” دار الكنوز الأدبـــــــــــية ، بيروت، 1997  وط2 دار الآداب .2008

خلال عمله في سكرتارية الجبهة لم يتردد مهدي الحافظ في تبني الكثير من القضايا المتعلقة بحياة الناس، وأتذكّر أنني كتبت له بخصوص قضية هادي راضي الذي أعيد من براغ بقرار حزبي خاطئ لتتسلّمه الأجهزة الأمنية، وقد بذل ما في وسعه ليس لإطلاق سراحه فحسب ، بل لاستحصال جواز سفر له بعد عدّة أشهر ليعود إلى براغ، وحين عدت إلى بغداد كان مهدي الحافظ قد أبعد من سكرتارية الجبهة بقرار من إدارة الحزب، ونسّب إلى مكتب العمل الآيديولوجي، والتقيت به عدة مرّات وأخبرته بأنني سأذهب إلى أداء الخدمة الإلزامية وبقينا على اتصال، ثم أخبرني بأنه سيغادر إلى الخارج وقد تطول إقامته، وعرفت إنه نسّب إلى العمل في السفارة العراقية في جنيف.

تواصل جديد من دمشق

وحين وصلت إلى دمشق في تموز /يوليو العام  1980 اتصلت به تلفونياً وأعطيته عنواني وتواصلت معه بالمراسلة، وجاء إلى دمشق والتقينا وشعرت إن قرار إبعاده ترك لديه حزناً شديداً، لاسيّما ما صاحب ذلك من محاولات للإساءة ، ساهم فيها بعض “أعدقائه”، وقد تردّت صحته واضطر لإجراء عملية جراحية لقرحة نازفة في المعدة.

والتقينا في دمشق وبيروت مثلما التقينا لاحقاً في القاهرة وبراغ وفيينا وبغداد عدّة مرات وكنت أشعر في كل مرّة إن ثمة تراكم حاصل في علاقته مع الحزب، وحاولت من جانبي تخفيفه، ولكن تباعد المواقف، ولاسيّما إزاء التطورات السريعة، لم يجعل أي منّا بعيداً عن التأثّر بها، ولاسيّما الموقف من الحرب العراقية – الإيرانية، وكنت قد أصدرت كرّاساً بعنوان ” النزاع العراقي – الإيراني” في مطلع العام 1981 وكتبت قبل ذلك عدّة مقالات حول الموضوع لقيت ارتياحاً لديه، وأثّرت وجهات نظر غير تقليدية بخصوص الموقف من حقوق العراق المشروعة، خارج قرار اللجوء للحرب الذي كان خطأ بكل المعايير، لكن المطالبة بالحقوق ونقد اتفاقية 6  آذار  (مارس) 1975 شيء آخر وهو ثابت ينبغي التمسك به، وكان هذا موقفي ذاته حيث كتبت رسالة إلى المكتب السياسي (1975) أوضح فيها رأيي المستند إلى قواعد القانون الدولي والمنسجم مع المصلحة الوطنية العليا في حينها، وكانت الرسالة تتألف من 13 صفحة وذلك بُعيد تأييدنا غير المبرر لاتفاقية 6  آذار/مارس المجحفة وغير المتكافئة.

اللجنة الوطنية العراقية للسلم

حين كلّفتُ بإعادة تأسيس اللجنة الوطنية العراقية للسلم وليس المجلس الوطني للسلم والتضامن (وهي التسمية الرسمية التي احتفظت بها بغداد حيث بقي عزيز شريف رئيساً لها) تحرّكتُ على القوى السياسية والشخصيات الوطنية، وفاتحت بعض القوميين للانضمام، فوافق هاشم علي محسن ومحمد الحبوبي ومن البعثيين فاضل الأنصاري وباقر ياسين، ومن الأكراد مسعود البارزاني وآخرين واقترحت ثلاثة أسماء جديدة هم: الجواهري ومحمود صبري وعلي الشوك، وكان اقتراحي الإبقاء على جميع الأعضاء السابقين وهم : نوري عبد الرزاق ومهدي الحافظ ورحيم عجينة وبشرى برتو وعامر عبدالله ونزيهة الدليمي وكريم أحمد وصفاء الحافظ، وأرسلت القائمة الجديدة إلى الرفيق باقر ابراهيم الذي كلّفني بالمهمة باسم المكتب السياسي  والتي استغرقت بضعة أسابيع لإنجازها وإجراء اتصالات بالشخصيات الجديدة، فأعادها لي وكان قد وضع اسمي من ضمن القائمة بقلمه وبخط يده، مؤشراً أن هذا قرار المكتب السياسي.وكان أولى مهمات اللجنة السفر إلى عدن لحضور المؤتمر الدولي لمجلس السلم العالمي، وكــــــــان الوفد برئاسة عامر عبدالله وعضوية د. نزيهة الدليمي وكاتب السطور، والتقينا بشاندرا رئيس مجلس السلم وبعلي ناصر محمد الرئيس اليمني وشرحنا لهما كل على انفراد وللوفود الأخرى ظروف عملنا وما أصاب المجلس القديم من تصدّع وعرضنا عليهم التشكيلة الجديدة شارحين لهم التعددية الفكرية والتنوّع السياسي الذي تحتويه ودون أن نطلب منهم شيئاً محدداً فيما يتعلق بالتركيبة الرسمية، والأكثر من ذلك قلنا لشاندرا:

أننا لم ننتخب رئيساً لأننا نعتبر عزيز شريف رئيسنا جميعاً. وقد حصل احتكاك بين عامر عبدالله ود. عصام عبد علي الذي ترأس الوفد الحكومي بسبب الموقف من الحرب العراقية- الإيرانية.

وبعد التحاقي بقوات الأنصار وخلال عودتي للعلاج عرفت بأنه تم تنحيتي من اللجنة المذكورة التي عملت على إعادة تأسيسها وكنت منسقاً لأعمالها لسبب رئيس أنني وضعت فيها اسمي مهدي الحافظ ونوري عبد الرزاق، وكان ذلك جزءًا من الصراع الفكري الذي اتخذ أبعاداً إقصائية وإلغائية مختلفة ، لا يتّسع المجال لذكرها.

حين عدتُ من كردستان بعد أن تعرّض موقعنا للهجوم من جانب الاتحاد الوطني الكردستاني، في أحداث بشتاشان وما بعدها من تداعيات خلال انسحابنا إلى إيران وما تركه ذلك من تأثيرات، وحين وصلت إلى طهران بعد معاناة شديدة، كتبت إلى مهدي الحافظ من هناك، وعرفت أنه كان دائم الاستفسار عني، خصوصاً وثمة أخبار عن إبادة من كان في موقع الإعلام المركزي قد تم تناقلها، حيث كنت مستشاراً لفصيل الإعلام وسكرتيراً للمنظمة الحزبية، وفي الموقع ذاته ، كانت الإذاعة والجريدة ونشرة “مناضل الحزب” التي كنّا نصدرها باسم المكتب الآيديولوجي المركزي ومسؤوليات أخرى.

تطورات الحرب العراقية- الإيرانية والافتراق مع إدارة الحزب

كانت وجهات نظر العديد من الرفاق قد أخذت تتبلور وتنضج بشأن الحرب العراقية – الإيرانية، خصوصاً بعد انسحاب الجيش العراقي من الأراضي الإيرانية ، وذلك بعد معركة خرمشهر (المحمّرة) 1982  وكنت ممن بادر بالكتابة عن الحرب وتطوراتها كراساً وعدّة أبحاث ودراسات ، وشعرت إن  موقفي أصبح أكثر بُعداً من إدارة الحزب، بل أصبح أكثر عمقاً وحسماً وشمولاً بعد دخول الجيش الإيراني للأراضي العراقية، عبر عملية عسكرية في منطقة حاج عمران العام 1982 وكنت قد كتبت إن الحرب لم تعد عدوانية هجومية من الجانب العراقي ووطنية دفاعية من الجانب الإيراني، بل إن تغيير المواقع يفرض اعتبار استمرار “الحرب عدوانية من الطرفين” ولا تخدم سوى الإمبريالية والصهيونية، ولابدّ من وقفها فوراً والجلوس إلى طاولة المفاوضات.وحين انتقلت الحرب إلى الأراضي العراقية أعلنت عن رفضي للمشروع الحربي والسياسي الإيراني، واعتبرت الحرب عدوانية هجومية من الجانب الإيراني في العام 1982  ودفاعية وطنية من الجانب العراقي، لذلك دعوت إلى الدفاع عن الوطن وعن الاستقلال الوطني وهو الموقف الذي بلورناه لاحقاً، دون أن يؤثر ذلك على دعوتنا لقيام حكم ديمقراطي ينهي الدكتاتورية ويشيع الحريات الديمقراطية ويقرّ بالتعددية والتنوّع ويتمتّع فيه الشعب الكردي بحقوقه ويعيد المهجرين العراقيين ويلغي القوانين الاستثنائية ويسنّ دستور جديد للبلاد ويجري انتخابات برلمانية حرّة، ويعيد العراق إلى موقعه الصحيح.

محطة المؤتمر الرابع للحزب

كانت محطة المؤتمر الرابع للحزب الشيوعي (1985) نقطة انعطاف في العلاقة بين توجهين، وانعكس ذلك على صعيد الثقافة والمثقفين، حيث أصدرنا نداءً وقعه 75  مثقفاً ومثقفة وقررنا العمل المشترك بالتعاون مع عامر عبدالله وباقر ابراهيم ومجموعة من الرفاق الذين تم تنحيتهم بينهم حسين سلطان وعدنان عباس وماجد عبد الرضا وعشرات الكوادر الشيوعية، إضافة إلى حلقة من الأصدقاء داخل التنظيم وخارجه من الذين كانوا يتعاطفون معنا.وحين أُبلغ ماجد عبد الرضا بفصله من الحزب وقطع مخصصه، بما فيه علاج ابنته الراقدة في المستشفى وهي من ذوي الاحتياجات الخاصة، بادرنا مهدي الحافظ وكاتب السطور للاتصال بالدكتور جورج حبش لتأمين مخصصات أو إيجاد عمل لماجد، وساهم تيسير قبعة بتعيينه في “مجلة الهدف” التي كان رئيس تحريرها بعد بسام أبو شريف صديقنا “صابر محي الدين” وقرّر الحكيم حبش بعد العودة من سفره تخصيص أعلى راتب له وتقديم المساعدات لرفاقنا من ضحايا الاستبداد الحزبي .

وقدّم لنا تيســــــير قبعـــــــــة كما أشــــــــرت في مداخلتي الموســــــومة “غيمة فضيّة في فضاء الذاكرة” والمنشورة في صحيفة الزمان على حلقتين بتاريخ 29/6/  و2/7/2016 العديد من المساعدات المادية والمعنوية ، خصوصاً تأمين فرص عمل والحصول على جوازات سفر وتأشيرات دخول لبعض الدول الاشتراكية وغيرها.

كيف أسّسنا حركة المنبر؟

لم تنشأ الحركة الاعتراضية المسمّاة بالمنبر دفعة واحدة، فقد بدت أقرب إلى  الارهاصات والتململات التي شهدها الحزب الشيوعي، ولاسيّما بعد انفراط عقد الجبهة الوطنية مع حزب البعث في العام 1978  وما بعدها، وقد تفاعلت فيها ظروف المنفى وهجرة معظم قيادات الحزب وأعداد واسعة من كوادره وجمهور عريض من أعضائه، وخصوصاً من المثقفين.

وساهم في إشعال فتيل الصراع على نحو شديد الموقف من الحرب العراقية – الإيرانية وقضايا التحالفات وأساليب الكفاح، إضافة إلى مسائل فكرية مزمنة وعقد وحساسيات متراكمة ومشكلات يومية تتعلق بالبيروقراطية الحزبية التي رفعت من درجة حرارة الصراع التنظيمي والفكري وبدأت تتقارب بعض وجهات النظر لعدد غير قليل من الشيوعيين، وخاصة بعد الحرب العراقية – الإيرانية وفصولها المأساوية.وإذا كان ثمة نوع من الانسجام أو حتى التطابق بين موقف كتلة المنبر الشيوعية وبين قيادة الحزب الرسمية، من إدانة الحرب باعتبارها لا تخدم سوى الامبريالية والصهيونية وتحميل المسؤولية الأساسية للنظام العراقي في شنّها واختراقه للحدود الدولية وتوغّله داخل إيران، فإن هناك اختلافات أخذت تتصاعد بشأن المشروع الحربي والسياسي الإيراني، لاسيّما بعد انتقال الحرب إلى  الأراضي العراقية، وخصوصاً في تموز (يوليو) العام .1982

وفي مشروع الوثيقة التقويمية الأولى التي صدرت عن مجموعة من القيادات والكوادر الشيوعية والموسومة ” من وحي اليوبيل الذهبي الخمسيني للحزب الشيوعي العراقي: حديث صريح في الهموم والآمال” وكان د. مهدي الحافظ قد كتبها بعد مداولات ومشاورات ومراسلات، في العام 1984 وأرسلها لي لإبداء ملاحظاتي بشأنها، وكان رأيي ضرورة النشر العلني على أوسع نطاق لتطوير الصراع الفكري من جهة والتنبيه إلى المخاطر التي تهدد العراق من جهة أخرى، حيث جاءت الإشارات واضحة إلى إدانة الخطط الحربية والسياسية الإيرانية الرامية إلى  فرض “بديل إسلامي” خارج حق تقرير المصير للشعب العراقي في اختيار نظام الحكم الذي يريده، والذي يسعى إليه، ناهيكم عن الأهداف الإيرانية الأخرى، لاسيّما بتصدير الثورة، وصدرت الوثيقة بتوقيع عدد من قادة وكوادر الحزب الشيوعي العراقي في 15/11/1984 وهم “نواة حركة المنبر”.وكانت المنبر قد نشرت هذه الوثيقة في وقت لاحق (كانون الأول/ ديسمبر/ (1987 بعنوان ” معالم الأزمة في حزبنا الشيوعي العراقي”  وتعريفاً بالمنشورات وباسم هيئة تحرير المنبر أوضحت: أن المنبر تنشر مجموعة من الوثائق والدراسات التي تعالج جوانب الاختلاف الأساسية مع القيادة الرسمية، وتعكس وجهة نظر المعارضة الحزبية المتّسعة ضد النهج البيروقراطي سواءً ما يتعلق بإطارها الفكري أو السياسي أو التنظيمي … وهي تسعى لتقديم مساهمة في تقييم التجربة النضالية.

وعبّرت حركة المنبر عن نفسها بوضوح أكبر عندما أكّدت: أنها تتوخّى تقديم رؤيتها الجديدة للعملية الثورية التي تواجه الحركة الشيوعية والعمّالية العالمية بما ينسجم مع التطورات والمتغيّرات التي أفرزتها الحياة، سواء على الصعيد العراقي أم القومي أم الإقليمي أم الأممي، وهي بذلك تدخل حلبة الصراع المحتدم منذ سنوات، كتيار شيوعي متميّز، يسعى من خلال الحوار والجدل وإثارة النقاش إلى  خلق رؤية جديدة متطورة ” وكان لي شرف كتابة المقدمة باسم هيئة التحرير والتوطئة للكرّاس في العام 1987.ووردت في تقديم المنشورات والتوطئة تعريفات مهمة عن جوانب الصراع الحزبي لاسيّما إزاء برنامج وسياسة القيادة الرسمية ومعالم الأزمة في الحزب ورأي المنبر بسبل حلّها والموقف منها، إضافة إلى  القضية الوطنية العراقية والاختلالات الخطيرة في المعايير الآيديولوجية والسياسية، فضلاً عن غياب الديمقراطية وتجميد النظام الداخلي عملياً، وبروز ظاهرة البيروقراطية والفردية والتسلّط… وتعطيل المبادئ التنظيمية السليمة في حياة الحزب الداخلية وابتداع أساليب وأشكال غريبة لتكريس النهج الانعزالي التصفوي المصحوب بـ “الجملة الثورية” والمتعكّز على أكثر الشعارات ” يسارية” ورنيناً ولكنها الأكثر بُعداً عن الواقع وما تتطلّبه الحياة.

وقد انفجر الخلاف على نحو حاد عشية المؤتمر الرابع للحزب، وخصوصاً في العام 1984 وما بعده، وكانت عبارة عزيز محمد الأمين العام للحزب قد تم تداولها وذاع صيتها حين ردّد في المؤتمر: اجتمعنا ليلغي نصفنا النصف الآخر، حيث كان نهج التفريط قد ساد، لدرجة أن أحد أعضاء اللجنة المركزية وهو ما تمت الإشارة إليه في إحدى أعداد جريدة المنبر قد قال لا يهم إذا أبقينا  10  باالمئة من أعضاء الحزب، لا سيّما إذا كانوا مطيعين، وهو أفضل من 90  بالمئة مشاغبين حيث تم تفجير الموقف بالكامل بإجراءات تمهيدية لاستبعاد أعداد من كوادر وقادة الحزب من الحضور، بل فصل العديد منهم أو تم إبعادهم عن مواقع المسؤولية وعزلهم وتهميشهم.

وللاحاطة بنشاط حركة المنبر الذي كان مهدي الحافظ ونوري عبد الرزاق وماجد عبد الرضا وعبد الحسين شعبان من أبرز العاملين فيه يمكن الاعتماد على 3 مصادر أساسية.

المصدر الأول: وثيقة معالم الأزمة في حزبنا الشيوعي العراقي التي كتبها د. مهدي الحافظ في العام 1984 وتمت الإشارة إليها وقدّم لها كاتب السطور حين تم طبعها بكراس العام .1987

والمصدر الثاني: وثيقة نشرت في “مجلة الغد” اللندنية وهي مقابلة أجرتها مجلة الغد اللندنية التي يرأس تحريرها الدكتور ابراهيم علاوي الأمين العام في حزب القيادة المركزية بعد عزيز الحاج، ونشرت في عددها رقم  21 تشرين الأول (اكتوبر)  1987 وقد نشرت مرّة أخرى في كتاب عبد الحسين شعبان – الصوت والصدى، من إعداد كاظم الموسوي  وجاء في هامشها ما يلي: صاغ نص الإجابات د.عبد الحسين شعبان، واطلع عليها د.مهدي الحافظ وأبدى عليها بعض الملاحظات البسيطة، وأخذها كاتب النص بنظر الاعتبار، ووافق عليها نوري عبد الرزاق، الذي قدمها باسم المنبر إلى  مجلة الغد.

أما المصدر الثالث فهو عشرة أعداد من جريدة المنبر وعدد من البيانات والكراريس التي أصدرتها الحركة و المقصود بأعداد المنبر هي من العدد صفر الذي صدر في فيينا  وهو عدد تجريبي (تحرير وإعداد د. مهدي الحافظ ) أما الأعداد المتبقية فقد صدرت بإشراف وتحرير د. عبد الحسين شعبان في بيروت، وصدر عدد واحد منها في براغ، أما العدد الأخير فقد صدر في لندن،  وقد امتدـــــــــّت للفـــــــترة بين 1987-1990.

إرهاصات التأسيس

كنت مدعوّاً إلى بلغاريا من جانب وزارة الثقافة، وقد اضطررت للمكوث بضعة أسابيع، حيث دخلت فيها المستشفى لمدة أربعة أسابيع، وكنتُ مكلفاً من جانب مجموعة الشام، وخصوصاً عامر عبدالله وباقر ابراهيم (اللذان شرعا بكتابة مذكرات احتجاجية أوصلاها إلى السوفييت)، للاتصال بحسين سلطان من جهة وبمهدي الحافظ من جهة أخرى، وتم تأمين اللقاء مع ” أبو علي” الذي كان متحمّساً لإعلان موقف، وأطلعته على مسودة الوثيقة التي كتبتها بتكليف من عامر وباقر حول أزمة الحزب وسبل الخروج منها والمعالجات التي اقترحتها والأسباب التي دفعتنا للافتراق عن القيادة، وأبدى تأييداً لها، ثم اتفقت مع الحافظ للقاء، واقترحت عليه بدلاً من براغ أن يكون الموعد في براتسلافا، لكي لا يتم رصد حركتنا، وهو ما حصل، ومن هناك تحدثنا مع نوري عبد الرزاق بالتلفون وكان متفقاً مع الحافظ على اتخاذ مثل هذه الخطوة الضرورية، أي إبراز صوت المعارضة الحزبية العلنية، واتفقنا على تحديد موعد لاجتماع يضم نخبة من الكوادر والقيادات (بين 20-25 رفيقا).

وفي بلغاريا سعيت لاجتذاب عناصر التنظيم الذين كان بعضهم على صلة بـ أبو علي، أما في براغ، فكان الجو مهيئاً بحكم معرفتهم بي ، وحصل الأمر مع تنظيم هنغاريا أيضاً بوجود د. علي حنوش، حيث كان لدينا بحدود 10  رفاق في كل بلد من هذه البلدان. والأهم من ذلك هو توثيق صلتنا مع بعض الرفاق في كردستان، إضافة إلى اليمن والجزائر وليبيا، حيث قمت بزيارات خاصة لها، بدعم من منظمة التحرير الفلسطينية وكذلك استثمار بعض الندوات والاجتماعات العربــية التي كنت أدعى لــها بصفتي الأكاديمية .

وللأمانة فقد قدمت لنا م.ت.ف دعماً مادياً ، لكنه رمزياً، إذ أن الدعم المعنوي والتفهم لموقفنا الوطني كان هو الأهم، وكان لدينا مراسلات مع ياسر عرفات “أبو عمّار” وسبق لنوري عبد الرزاق أن التقاه لهذا الغرض، كما قدّم لنا العديد من أطراف حركة التحرر في سوريا ولبنان مساعدات معنوية، وأود هنا أن أشيد بمجموعة الجبهة الشعبية (البحرين) بقيادة عبد الرحمن النعيمي ” سعيد سيف” ومجموعة جريدة الحقيقة ” الشغيلة” بقيادة زاهرالخطيب وناصر قنديل وحميدي العبدالله،  إضافة إلى قيادات الجبهة الشعبية والجبــــــهة الديمــــــقراطية وفـــــتح بشقيها وعاطف أبــــــو بكر بصفته الشخصــــــية والصداقية.

يتبع

مشاركة