مهدي الحافظ: يا له من زمن ؟ (2)

455

مهدي الحافظ: يا له من زمن ؟ (2)

إتحاد الطلبة يعقد مؤتمراً في جزيرة أم الخنازير لحسم المشاركة مع البعثيين

عبد الحسين شعبان

والثالثة –  كرمه وسخاءه، فقد كان معطاءً وبيته مفتوحاً ويده ممدودة وقد سبق لي أن قلت إن كل كريم شجاع وهما صفتان متلازمتان، وكان كثيراً ما يضغط على نفسه لكي يوفّر ما يريد الأصدقاء، وظلّ يستضيفنا في بيته، سواء في براغ أم في فيينا ويحاول أن يعمل كل ما يسعدنا ويوفّر لنا الإقامة الطيبة وسبل الراحة وهو ما كان يفعله مع العديد من الأصدقاء في بغداد أيضاً.وإذا كنت قد جئت على بعض الأمثلة لإضاءة هذه المسألة بالنسبة لمن لا يعرفه، إلّا أن الكثير من الأصدقاء يعرفون ذلك ويشهدون له. وهذه الصفات أصيلة لدى مهدي الحافظ ولذلك ظلّت لصيقة به، سواء في أوقات الضيق أم الرهاوة، بل وفي كل الأوقات، ولم يفقد بوصلته في هذه الميادين الثلاثة التي تمثّل جوهر شخصيته ذات الطابع المرح بقدر استقامتها وذات الأريحية والانفتاح بقدر نزاهتها ومرونتها وعدم تشدّدها.

مؤتمر كراكوف

أتذكّر أنني حين زرت براغ في طريقي إلى مدينة كراكوف (بولونيا) للمشاركة في الاجتماعات التحضيرية للذكرى المئوية لميلاد فلاديمير أليتش  لينين العام 1969 استقبلني مهدي الحافظ في المطار، وكنتُ قد كتبت له برقية من دمشق أبلغه فيها بقدومي وضرورة أن يتم ترتيب أمور الفيزا خارج جواز السفر، وذكرت له السبب لاحقاً بأن قراراً قد صدر حينها بمنع  السفر إلى أوروبا  إلّا بموافقات خاصة في ذلك العام.  وزرت براغ وكراكوف ووارشو ثم عدت إلى براغ ومنها إلى بغداد عن طريق بيروت ومنها زرت الشام وعدت إلى بيروت قبل توجهي إلى بغداد، وكان مهدي الحافظ قد أرسل معي حقائب تعود إلى نوري عبد الرزاق، بعد أن كان نوري قد عاد إلى بغداد ليستقر فيها حيث حلّ مهدي الحافظ محلّه في سكرتارية اتحاد الطلاب العالمي. وحين وصلت  بغداد اتصلت بنوري  وزرته في بيته بالكرادة وأعطيته الحقائب المُرسلة من مهدي الحافظ، وتناقشنا حول موضوع الانتخابات الطلابية. وكان ذلك بمثابة استكمال لمناقشتي مع مهدي الحافظ، وخصوصاً حول مستقبل العمل الطلابي والشبابي في ظل الأوضاع الجديدة والمتغيّرات على الساحة السياسية بوصول حزب البعث إلى السلطة وعمله في المنظمات المهنية من موقعه الرسمي. وكان هذا النقاش قد ثار في صفوفنا، خصوصاً، بعد عدم توصلنا إلى اتفاق مع الاتحاد الوطني لطلبة العراق لعقد صيغة تحالف أو جبهة طلابية أو تعاون أو تنسيق، في حين كان الاتحاد الوطني يريد منّا الاندماج في تنظيم واحد والمقصود بذلك ذوباننا في ما هو سائد. وكان وفدنا مؤلفاً من لؤي أبو التمن وكاتب السطور، ومن جانب الاتحاد الوطني كريم الملّا ومحمد دبدب، وكان يحضر في اجتماعاتنا بشكل مستمر “حسن المطير” الذي  أُعطي اسماً مستعاراً ” فيصل” وكان الجميع ينادونه بهذا الاسم وعرفنا لاحقاً  أن “الملازم فيصل” في قصر النهاية هو المقصود بحسن المطير الذي كان يعمل برفقة ناظم كزار مدير الأمن العام، وأعدم معه في الحركة الانــــــــقلابية ضد البكر – صدام يوم30  حزيرــــــــان (يونيــــــــو) 1973 .وقد تعرّفــــــــنا عـــــــــلى حقــــــــيقته من الوفد الكردي المفاوض معنا والذي كان يمثل مجموعة (المكتب السياسي- جلال الطالباني) حيث ضمّ الوفد طيب محمد طيب ( أعيد إلى وزارة الخارجية بعد الاحتلال، وعيّن سفيراً في أرمينيا) وفاضل ملّا محمود رسول (انتقل من الحركة الكردية إلى القيادة المركزية للحزب الشيوعي ومنها بعد الثورة الإيرانية إلى التيار الإسلامي، وقتل مع عبد الرحمن قاسملو في فيينا حين كان يقوم بمهمة الوساطة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والحركة الكردية الإيرانية – الحزب الديمقراطي الكردي العام 1989) كما كان يحضر عن القوميين العرب صباح عدّاي (عضو اللجنة المركزية للحركة الاشتراكية العربية ، توفّي مؤخراً). وقد رويت تفاصيل حوارنا مع الاتحاد الوطني في أكثر من مناسبة، وورد ذلك أيضاً في تفصيلات ذكرتها في كراس أصدرته في العام 1983 في بشتاشان (كردستان العراق) بعنوان “لمحات من تاريخ الحركة الطلابية في العراق”.

الحافظ والاتحاد الوطني

الأولى شجاعته فقد  كان شجاعاً وغير هيّاب في قول الرأي. وأحتفظ بالعديد من الأمثلة، ولربّما كان رأيه سبباً في سوء علاقته مع ألمانيا الديمقراطية وكذلك مع السوفييت، الذين لم يرغبوا في تجديد موقعه سكرتيراً عاماً لاتحاد الطلاب العالمي، ولم تتّضح تفاصيل تلك الطبخة عشية المؤتمر العاشر إلّا بعد مجيء نوري عبد الرزاق من بغداد، حيث أبلغه المسؤول السوفييتي ساشا بحقيقة الأمر، وأكّد هذا الأخير ترشيحهم لفتحي الفضل من السودان سكرتيراً عاماً للاتحاد بدلاً من مهدي الحافظ.  ولا أستبعد ثمة تأثير من جانب الدولة العراقية التي كان الألمان والسوفييت يراعون مصالحهم في العلاقة معهما، حتى وإن كان الأمر على حساب الحزب الشيوعي أو أحد كوادره  البارزة، وثمة أمر آخر حصل خلال انعقاد المؤتمر العاشر، ألا وهو حضور شخص غريب قال إن دعوة وجهت له من السكرتير العام، وقد أخبرني ناظم الجواهري الذي شارك في الوفد مع خليل الجزائري وعدنان الجلبي وكاتب السطور بأن الأجهزة الأمنية التشيكية قد استدعته للاستفسار عن هويّة الشخص الغريب الذي حضر المؤتمر، ولكن معظم الأسئلة كما قال كانت تدور حول مهدي الحافظ، وهي لعبة طالما تثيرها بعض الأجهزة الأمنية والمخابراتية لإثارة نوع من الشكوك بشأن بعض الشخصيات التي لا تتواءم معها أو لا تنفذ رغباتها أو رغبات “الأخ الأكبر” حسب رواية جورج أورويل. الثانية- اجتهاده، فقد كان مجتهداً وله رأي خاص يحاول أن يستنبطه في ضوء ما هو قائم من أوضاع، وهو وإن يراعي “التوازنات” والحسابات الخاصة أحياناً وهو ما أصبح  أكثر ميلاً له في السنوات الأخيرة لكنه بشكل عام كان له رأي خاص طالما ظلّ يدافع عنه، سواء إزاء بعض الاندفاعات أيام الجبهة الوطنية والاضطرار بعدها إلى تقديم تنازلات لا مبرّر لها، أم في نقده للموقف الرسمي للحزب الشيوعي من الحرب العراقية- الإيرانية  أم من بعض القضايا العربية، وكانت الدعاية الحزبية قد روّجت ضدّه عدداً من الاتهامات بينها تفسير بعض مواقفه بالتأثّر بمواقف قيادة حزب البعث، كما تم تسريب ذلك إلى صحيفة السياسة الكويتية بُعيد انعقاد المؤتمر الرابع (تشرين الثاني/نوفمبر/1985) والذي عكس التباعد والانقسام بين رؤيتين داخل الحزب الشيوعي.

والثالثة –  كرمه وسخاءه، فقد كان معطاءً وبيته مفتوحاً ويده ممدودة وقد سبق لي أن قلت إن كل كريم شجاع وهما صفتان متلازمتان، وكان كثيراً ما يضغط على نفسه لكي يوفّر ما يريد الأصدقاء، وظلّ يستضيفنا في بيته، سواء في براغ أم في فيينا ويحاول أن يعمل كل ما يسعدنا ويوفّر لنا الإقامة الطيبة وسبل الراحة وهو ما كان يفعله مع العديد من الأصدقاء في بغداد أيضاً.وإذا كنت قد جئت على بعض الأمثلة لإضاءة هذه المسألة بالنسبة لمن لا يعرفه، الا أن الكثير من الأصدقاء يعرفون ذلك ويشهدون له. وهذه الصفات أصيلة لدى مهدي الحافظ ولذلك ظلّت لصيقة به، سواء في أوقات الضيق أم الرهاوة، بل وفي كل الأوقات، ولم يفقد بوصلته في هذه الميادين الثلاثة التي تمثّل جوهر شخصيته ذات الطابع المرح بقدر استقامتها وذات الأريحية والانفتاح بقدر نزاهتها ومرونتها وعدم تشدّدها.

مؤتمر كراكوف

أتذكّر أنني حين زرت براغ في طريقي إلى مدينة كراكوف (بولونيا) للمشاركة في الاجتماعات التحضيرية للذكرى المئوية لميلاد فلاديمير أليتش  لينين العام 1969 استقبلني مهدي الحافظ في المطار، وكنتُ قد كتبت له برقية من دمشق أبلغه فيها بقدومي وضرورة أن يتم ترتيب أمور الفيزا خارج جواز السفر، وذكرت له السبب لاحقاً بأن قراراً قد صدر حينها بمنع  السفر إلى أوروبا الا بموافقات خاصة في ذلك العام.  وزرت براغ وكراكوف ووارشو ثم عدت إلى براغ ومنها إلى بغداد عن طريق بيروت ومنها زرت الشام وعدت إلى بيروت قبل توجهي إلى بغداد، وكان مهدي الحافظ قد أرسل معي حقائب تعود إلى نوري عبد الرزاق، بعد أن كان نوري قد عاد إلى بغداد ليستقر فيها حيث حلّ مهدي الحافظ محلّه في سكرتارية اتحاد الطلاب العالمي. وحين وصلت  بغداد اتصلت بنوري  وزرته في بيته بالكرادة وأعطيته الحقائب المُرسلة من مهدي الحافظ، وتناقشنا حول موضوع الانتخابات الطلابية. وكان ذلك بمثابة استكمال لمناقشتي مع مهدي الحافظ، وخصوصاً حول مستقبل العمل الطلابي والشبابي في ظل الأوضاع الجديدة والمتغيّرات على الساحة السياسية بوصول حزب البعث إلى السلطة وعمله في المنظمات المهنية من موقعه الرسمي. وكان هذا النقاش قد ثار في صفوفنا، خصوصاً، بعد عدم توصلنا إلى اتفاق مع الاتحاد الوطني لطلبة العراق لعقد صيغة تحالف أو جبهة طلابية أو تعاون أو تنسيق، في حين كان الاتحاد الوطني للطلبة يريد منّا الاندماج في تنظيم واحد والمقصود بذلك ذوباننا في ما هو سائد. وكان وفدنا مؤلفاً من لؤي أبو التمن وكاتب السطور، ومن جانب الاتحاد الوطني كريم الملا ومحمد دبدب، وكان يحضر في اجتماعاتنا بشكل مستمر “حسن المطير” الذي  أُعطي اسماً مستعاراً ” فيصل” وكان الجميع ينادونه بهذا الاسم وعرفنا لاحقاً  أن “الملازم فيصل” في قصر النهاية هو المقصود بحسن المطير الذي كان يعمل برفقة ناظم كزار مدير الأمن العام، وأعدم معه في الحركة الانقلابية ضد البكر – صدام يــــــــوم30  حزيـــــــران (يونيو)1973  . وقد تعـــــرّفنا على حقيقــــته من الوفد الكردي المفاوض معنا والذي كان يمثل مجموعة (المكتب السياسي- جلال الطالباني) حيث ضمّ الوفد طيب محمد طيب (أعيد إلى وزارة الخارجية بعد الاحتلال، وعيّن سفيراً في أرمينيا) وفاضل ملا محمود رسول (انتقل من الحركة الكردية إلى القيادة المركزية للحزب الشيوعي ومنها بعد الثورة الإيرانية إلى التيار الإسلامي، وقتل مع عبد الرحمن قاسملو في فيينا حين كان يقوم بمهمة الوساطة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والحركة الكردية الإيرانية – الحزب الديمقراطي الكــــردي العام 1989 (كما كان يحضر عن القوميين العرب صباح عدّاي (عضو اللجنة المركزية للحركة الاشتراكية العربية ، توفّي مؤخراً). وقد رويت تفاصيل حوارنا مع الاتحاد الوطني في أكثر من مناسبة، وورد ذلك أيضاً في تفصيلات ذكرتها في كراس أصدرته في العام 1983  في بشتاشان (كردستان العراق) بعنوان “لمحات من تاريخ الحركة الطلابية في العراق”.

كان الاتحاد الوطني لطلبة العراق متشدّداً ضد مهدي الحافظ ويعتبر وجوده سكرتيراً لاتحاد الطلاب العالمي، سبباً في تشدّد بعض المنظمات الطلابية المنضوية تحت لواء الاتحاد المذكور، وذلك بفعل الحملات التي تم تنظيمها حين كان مهدي الحافظ في لجنة تنظيم الخارج للحزب الشيوعي. وحين قرّر الاتحاد الوطني بُعيد الانتخابات الطلابية العام  1969 وإثر عقد أول مؤتمر له بعد 17 تموز (يوليو) العام 1968  منح عضويات شرف لقادة الحركة الطلابية، بمن فيهم من الأطراف الأخرى، استثنى منّا مهدي الحافظ، وحاز على عضوية الشرف حينها كل من : نوري عبد الرزاق وماجد عبد الرضا ولؤي أبو التمن وكاتب السطور لدورهم التاريخي في الحركة الطلابية ومنح الاتحاد 20 شخصية محسوبة على حزب البعث و4  شخصيات محسوبة على الحركة الكردية عضويات شرف أيضاً، وكانت الصحافة المحليّة قد نشرتها وأجهزة الإعلام الرسمية قد عمّمتها. وبالعودة إلى العلاقة مع الاتحاد الوطني فقد كان مهدي الحافظ قد استمع لي وأنا استعرض علاقاتنا الوطنية وبالتحديد مفاوضاتنا مع الاتحاد الوطني عشية الانتخابات والاحتمالات المتوقّعة وتناقشنا طويلاً حول مهماتنا في خارج العراق وما يمكن أن تلعبه قوانا لدعم تحرّكنا في الداخل. وفي واحدة من المناقشات حضر معنا عيسى العزاوي أحد قيادات الحركة الطلابية في الأربعينات (المهندس الشيوعي العتيق وكان يعمل حينها مترجماً في مجلة قضايا السلم والاشتراكية).  واستكملت الحوار بعد عودتي إلى بغداد مع  نوري عبد الرزاق  الذي طرح عليّ تساؤلات عديدة وفي غاية الذكاء والأهمية، وكان بعضها قد طرحته على نفسي: ما الذي يمكن عمله بعد أن وصلت مسألة التحالف مع الاتحاد الوطني إلى طريق مسدود؟ وهل تَشدّدنا أكثر من اللازم أم أن الاتحاد الوطني قطع علينا الطريق ببعض المطالب التعجيزية ؟وكنت منذ عقود من الزمان قد أجريت مراجعة انتقادية بهذا الشأن بما لنا وهو كثير وما علينا وهو غير قليل: فإذا كانت استراتيجيتنا ترجّح التعاون فكان عليها تقديم بعض التنازلات وإذا كانت استراتيجيتنا ليست معنية حقيقة بالتحالف ولا تريد التوصل إلى ما هو مشترك، فعلينا التصلّب في الموقف، وكان هذا هو رأي نوري عبد الرزاق الذي بلوره بشكل واضح وطرحه عليّ على صيغة تساؤلات، وأرى الآن أن ثمة تخبّط بين هذا وذاك وظلّ الاجتهاد الشخصي والتقدير لأهمية التحالف من عدمه هو الذي يحدّد الموقف، لاسيّما بغياب استراتيجية واضحة.

تحالفات قلقة

وإذا كان لي أن أشير إلى تجارب التحالف الأولى، فقد تمكّنا من الاتفاق مع قيادة حزب البعث  في إطار “الجمعية العراقية للعلوم السياسية” التي  كنت أترأس وفدها للحوار مع حزب البعث والتي انضوت لاحقاً في إطار “جمعية الحقوقيين العراقيين”، ثم عادت واستقلّت في وقت لاحق. وعلى الرغم من صعوبة المفاوضات لاسيّما مع حامد الجبوري ولاحقاً مع محمد محجوب، إلّا أن الذي رجّح قيام مثل هذا التحالف، هو الموقف الإيجابي من القيادي البعثي صديقي زهير يحيى المرشح للقيادة القطرية في المؤتمر القطري الثامن في العام 1974 والذي توفي في ظروف غامضة في وقت لاحق، وسبق لي وأن ذكرته في أكثر من موقع ولأكثر من مناسبة فقد كان مهذباً ومتواضعاً ومثقفاً ومخلصاً حقيقياً للتحالف، وكانت علاقتي به قد توثقت قبل 17  تموز (يوليو) 1968  بنحو سنتين وفيها الكثير من الخصوصية والأسرار. ولا أريد أن أنسى الدور الإيجابي أيضاً للصديق مجبل السامرائي (الذي أعيد إلى وزارة الخارجية بعد الاحتلال وأصبح سفيراً للعراق في فنلندا قبل إحالته على التقاعد). ولم يكن ما تحقّق بمعزل عن مرونة من جانبنا أيضاً وكنت في هذه القضية أنسّق مع ماجد عبد الرضا، ولكنه على الرغم من النجاح الذي تحقّق إلّا أن عدداً من الفائزين في الانتخابات تمت ملاحقتهم واعتقل بعضهم، ولاسيّما من القوميين، الأمر الذي وضع علامات استفهام كبيرة حول جدوى مثل تلك التفاهمات التي حسبما  يبدو طارئة وظرفية، بل لا تعدو أحياناً أن تكون تكتيكية بغياب الثقة اللازمة والمتبادلة بين السلطة ومعارضتها، وأستطيع أن أضيف الآن إن ثمة تعارض كان بين التوجه السياسي لعدد من القيادات وبين الدوافع الأمنية ومركز القوة الذي أخذ يهيمن بالتدريج على كل شيء، وكثيراً ما كانت هناك تعارضات بين ما يقوم به ناظم كزار و”جهاز حنين” و”العلاقات العامة” ” النواة لجهاز المخابرات”وكانت بإشراف صدام حسين، وبين توجّهات العديد من قيادات البعث وكوادره، وهو التناقض الذي طالما يحصل في الأنظمة الشمولية، حيث يتم إخضاع كل شيء لضرورات  الأمن وتمنح الأجهزة الأمنية صلاحيات لا حدود لها في الكثير من الأحيان، بحيث تتغوّل على الدولة والحزب.مأزق الاحتواء والطريق المسدود.

موقف طلابي

أما بشأن الموقف الطلابي، فان حزب البعث تشدّد في موضوع الاسم والرئاسة والأغلبية والتمثيل الخارجي، وإن خفّف موقفه من المسألة الأخيرة لاحقاً لمصاعب عملية، مؤجلاً بحثها لحين آخر، ولكن نحن من الجهة الأخرى لم تكن لدينا المرونة المطلوبة، أو الوضوح الكافي للحدّ الذي نريد الوصول إليه من التحالف، ناهيك عن الثقة الكافية بسبب تجارب عديدة، فباستثناء الاسم حيث كان الرأي حاسماً بشأنه فإن الأمور الأخرى كانت قابلة للنقاش، لكن فريق الاتحاد الوطني المفاوض لنا أصرّ على قيام تنظيم واحد بحجة وحدة الحركة الطلابية، ولم يكن ذلك يعني سوى الانضواء تحت لواء ” الاتحاد الوطني” وكان مجرد طرحه إحراج لنا، بل انتقاص من كرامتنا ولم أكن مقتنعاً به شخصياً، وهو ما أبلغت إدارة الحزب برفضه بالكامل.  وكنّا اقترحنا اسماً وسطاً ” الاتحاد العام لطلبة العراق” وكان هذا الاسم قد ورد  بالقانون رقم  97 لسنة 1969 واعتبرنا هذا الاسم  يعبّر عن الطرفين، ولكننا من جهة أخرى طرحنا موضوع المساواة في توزيع المقاعد بحيث يكون عدد مقاعدنا بقدر المقاعد التي يحصل عليها الاتحاد الوطني في المكتب التنفيذي والأمانة العامة، وبالمقابل لا بدّ من مساواة عدد ما يأخذه القوميون الكرد ، بما يأخذه القوميون العرب. وفيما يتعلّق الأمر بالرئاسة فهي إمّا دورية أو يتم تداول الرئاسة والأمانة العامة بينهم وبيننا، وبالطبع فتلك صيغة ليست مقبولة أو حتى ممكنة في ظلّ توازن القوى السائد، خصوصاً وكنّا قد توصلنا إلى اتفاق بشأن  80 من الأهداف النقابية المشتركة، بالمئة وقد سبق وأن قدمت قراءة نقدية لموقفنا في وقت لاحق. لكن ما عاظم التباعد وشدّد الحملة ضدنا وسرّع في  اتخاذ إجراءات “عقابية” وملاحقات هو عدم اعترافنا بشرعية الانتخابات ونزاهتها والنتائج التي تمخضت عنها، حيث نظّمنا حملة عالمية وعربية بدعم من اتحاد الطلاب العالمي الذي كان مهدي الحافظ ممثلنا فيه. وحضر وفد من اتحاد  الطلاب العالمي كلجنة لتقصي الحقائق والتقينا به في بغداد  حميد برتو وأنا، وكان الوفد يضمّ كجمن من ألمانيا الديمقراطية (نائب السكرتير العام) وفتحي الفضل من السودان (نائب الرئيس) وأصبح لاحقاً سكرتيراً عاماً لاتحاد الطلاب العالمي خلفاً لمهدي الحافظ في مؤتمر براتسلافا (المؤتمر العاشر) الذي انعقد في يناير /كانون الثاني من العام 1971 وكان اجتماع اللجنة التنفيذية قد انعقد قبل ذلك بنحو أسبوع، وشاركت بالاجتماعين، وكنت قد وصلت من القاهرة، حيث شاركت بمؤتمر بمناسبة ميلاد الزعيم جمال عبد الناصر (بعد وفاته بنحو أربعة أشهر – 15 كانون الثاني /يناير /1971 حيث نُظم في جامعة القاهرة )، وقدّمت بحثاً بعنوان: عبد الناصر وحركة التحرّر العربي (نشرناه في نشرة لجنة التنسيق التي كنّا نصدرها خارج الوطن). في بغداد نظمنا لوفد IUS (اتحاد الطلاب العالمي) اجتماعاً مع سكرتارية اتحاد الطلبة (انعقد في بيت خاص في بغداد الجديدة) وحضر اللقاء على ما أتذكّر: لؤي أبو التمن، حميد برتو، محمد النهر، ناظم الجواهري، سعدي السعيد، فائز عبد الرزاق الصكَر وصبحي مبارك ولم تتمكّن رابحة الناشئ  من الحضور، وكانت قد حلّت محل الرفيقة رقيّة الخطيب في سكرتارية الاتحاد والأخيرة تزوجت من عزيز حميد الذي استشهد في العام 1970  في قصر النهاية، وهو شيوعي قديم عمل في فترة سلام عادل  مسؤولاً عن محلية العمارة في 1954 . وكان قد حصل تداول في المسؤولية خلال السنوات الثلاث الأخيرة من عمل اتحاد الطلبة وإن بقي بعضهم في المسؤولية أو عاد إليها بطلب خاص من إدارة الحزب كما حصل مع لؤي أبو التمن وكاتب السطور، فقد شملت التغييرات غياب : حسن أسد وصلاح زنكنة ويوسف مجيد وطه صفوك وسعد الطائي وهادي صالح الكليباوي ونوزاد شاويس وحميد برتو وآخرين واقتصر الحضور على الأعضاء الفعليين في مكتب السكرتارية في الانتخابات التي أجريناها في الكونفرنس الرابع الذي انعقد في جزيــــــــرة ” أم الخـــــــــنازير” ببغداد بتـــــــــاريخ  10/10/1969  وكنّا ننـــــــسق حيـــــــنها مع ماجد عبد الرضا من إدارة الحزب وصاحب الحكيم المسؤول الحزبي حينها، أي عشية الانتخابات الطلابية العامة والتي اتخذنا قراراً بشأن المشاركة فيها سواءً عبر التحالف مع الاتحاد الوطني ، وهو ما كنّا نأمل تحقيقه على الرغم من الصعوبات والعقبات والاشتراطات، وإنْ فشلنا في الوصول إلى ذلك ، فيمكن أن نرشّح لوحدنا أو مع بعض القوى القريبة منّا مهما صغُر حجمها. وكان المؤتمر الرابع قد انعقد في جديدة الشط ” الراشدية” ببغداد في 28  كانون الأول /ديسمبر العام 1968 في بساتين صفوك الجبوري، وكان التنسيق حينها مع د. كاظم حبيب من مكتب لجنة بغداد.  والتقى وفد اتحاد الطلاب العالمي بممثلين عن القائمة المهنية الديمقراطية التي ضمّت ممثلين عنّا وعن القوميين (الحركة الاشتراكية)  واستمع إلى شهادات حيّة من بعض الذين تعرضوا للأذى أو الاعتقال أو الاحتجاز خلال الانتخابات. وعلى الرغم من تأييد وفد اتحاد الطلاب العالمي لمواقفنا واقتناعه بوجهات نظرنا وتأكيده في الاجتماعات العديدة واللقاءات الثنائية على أن الانتخابات حسب المعطيات التي عرضناها “غير شرعية” وشابها الكثير من العيوب التي أثرت على نتائجها، لكن كجمن الألماني غيّر رأيه لاحقاً وكتب تقريراً ممالئاً للاتحاد الوطني لطلبة العراق، بناء على طلب من السفارة الألمانية في بغداد وبتوجيه من القيادة الحزبية للحزب الاشتراكي الألماني الموحّد، حيث كان العراق أول دولة اعترفت بجمهورية ألمانيا الديمقراطية من خارج الكتلة الاشتراكية وأقامت علاقات دبلوماسية معها وجرى تبادل التمثيل الدبلوماسي بصفة “سفير”.

يتبع

مشاركة