فزعة عرب – جليل وادي

816

كلام أبيض

فزعة عرب – جليل وادي

الاخلاص في العمل، أول أبواب الرزق، ومفتاح للسمعة الطيبة، وخطوة لتأمين المستقبل، هكذا أفهم الاخلاص الذي يفترض ان يكون من الثوابت بصرف النظر عن نوع العمل، فهو ليس كلمة عابرة، بل ايمان عميق لابد له من الرسوخ في الوجدان ، لذلك قيل ان العمل عبادة، اي بمصاف الفرائض مكتسبا قدسية استثنائية، فالراحة النفسية والجسدية مرهونة بالعمل المخلص، وفي هذا قال الامام علي (عليه السلام) : (أريحوا أجسادكم بالتعب ولا تتعبوها بالراحة).

 

ولست هنا في معرض تقديم النصح، بقدر ما يستفزك البعض الذي يأخذ جميع استحقاقاته من دون أن يقدم ما يقابلها من عمل، فحجم العاملين في القطاع العام صار يعد بالملايين موظفين ومسؤولين، لكن المنجز يكاد لا يذكر، حتى ان بعض الاحصاءات اشارت الى ان نسبة العمل الحقيقي للموظف في بلادنا يعد بالدقائق وليس بالساعات في اليوم الواحد، كيف يحدث هذا، وأين الاخلاص في العمل، ولم تراجعت هذه القيمة في حياتنا، وأين الحلال والحرام الذي يكثُر في الكلام الذي نتداوله ؟.

 

راودتني هذه الأفكار أثناء تجوالي في قلب عاصمتنا الحبيبة بغداد وليس في أطرافها، وتساءلت هل يعقل ان تكون العاصمة بهذا الشكل المقزز ؟ في ساحة الميدان، وفي الباب الشرقي، وفي الباب المعظم، وفي الكاظمية والبلديات وأطراف الكرادة وأحياء كثيرة يتعذر عدها، وقد غطتها النفايات والروائح الكريهة، فما الذي تقوم به أمانة بغداد التي تعاقب على ادارتها أكثر من أمين، لا أنكر أهمية بعض الأسباب التي ستبرر لهذا التلكؤ، ولكن عندما يكون المسؤول مثالا يحتذى في الاخلاص وعدم الاستسلام للعقبات سيبتكر منتسبوه أساليب عمل لم تخطر بحسبانه، ولنتذكر ان القيادات الناجحة تلك التي تفجر الطاقات أثناء الأزمات، ولا أظن أزمة أكثر شدة مما نمر به الآن.

 

في احدى المحافظات التي كانت مضرباً للأمثال في هوائها العليل وروائحها الزكية ومناظرها الخلابة، شارع مؤلم في اهماله حتى تحول الى ما يشبه الأرض المحروثة، وبالرغم من ان المدمر فيه لا يتجاوز طوله ثلاثة كيلومترات، لكن مضى على المواطنين أكثر من خمس سنوات دون ان يجدوا له حلا، مع ان أغلب المسؤولين يمرون به يوميا ذهابا وايابا، هذا الشارع مختلف عليه، بينما الناس تعاني الأمرين، المقاول يتذرع بعدم حصوله على استحقاقاته، وادارة المحافظة تقول ان المشروع على ذمة التحقيق، والبلديات تشكو من ضآلة التخصيصات، ولو قُسم هذا الشارع على مجموعة الدوائر التي يمر بها، لوقع على كل دائرة مبلغ أقل بكثير من تكاليف الولائم الدسمة التي تولم للضيوف الأعزاء القادمين من بغداد، تستخدم هذا الشارع دوائر مهمة لأربع وزارات (التعليم العالي والصحة والنفط والداخلية)، فضلا عن كونه شارعاً رئيساً يربط المحافظة بالعاصمة، ببساطة لو جرى حساب الخسائر المادية جراء استهلاك المركبات العامة والخاصة، لكانت أموالها تعبد كل أحياء المدينة، الغريب ألا تعد الأموال الخاصة من بين الأموال العامة.

 

وعلى غرار ذلك بناية تعلو جميع البنايات المجاورة، تشغلها جهة أمنية منذ عام 2003، وتحتل موقعا مركزيا حيث التقاء طرق عدة، ويمر قربها آلاف المواطنين، هذه البناية بحاجة فقط الى اعادة طلاء بألوان مناسبة، ولا أظن صعوبة في ذلك أو انه خارج حدود الامكانيات، ومعروف ان الألوان تشيع البهجة في النفوس وربما تعّدل في السلوك.

 

 أنا متيقن ان حل الكثير من هذه المشكلات لا يتطلب أموالا من الدولة، بل يحتاج من المسؤولين الى (فزعة عرب) كما يُقال في الأمثال الريفية، لكن يراد لها ان يكون المسؤول أول الفزعين، والعراقيون معروفون بغيرتهم في الملمات بدلالة تعبيدهم العديد من الأزقة من أموالهم الخاصة بعد ان يئسوا من قيام دوائر البلدية بذلك.

ديالى

 

مشاركة