سيطرة البروليتاريا الرثة على إدارة الإقتصاد الوطني العراقي – سناء عبد القادر مصطفى

402

سيطرة البروليتاريا الرثة على إدارة الإقتصاد الوطني العراقي – سناء عبد القادر مصطفى

تعني البروليتاريا الرثة Lumpenproletariat)) حسب تعريف كارل ماركس لها بأنها الفئات المعدمة والفقيرة التي انفصلت عن طبقتها الأصلية وتشمل المتشردين والأفاقين والصعاليك والمجرمين وبقية الأشخاص الذين لا ينتمون الى طبقة اجتماعية محددة ومكانتها في قاع المجتمع. وفي أكثر الحالات فإن البروليتاري الرث هو الشخص الذي لا يملك أي دخل خاص به كالراتب الشهري مثلا او يحصل على مساعدة اجتماعية من الدولة بأي شكل من الأشكال. وكما عرًفها فلاديمير إيليتش لينين فإنها تشمل الفئات المنفصلة أو الخارجة عن طبقتها وفي تناقض مع المجتمع (الأفاقون والصعاليك والمعدمون والمجرمون والعاهرات وما أشبه ذلك). هذا وحصل مصطلح البروليتاريا الرثة على انتشار واسع في ظروف تطور الرأسمالية التي تجندهم من مختلف الطبقات حسب التعبير اللينيني. وهي تتميز بعدم قدرتها على التنظيم السياسي والصراع الطبقي ولكنها تميل الى المغامرة من أجل الإستيلاء على السلطة بالتحالف مع فئات البرجوازية الصغيرة  ومثال على ذلك انقلاب سنة 1963 في العراق وتأسيس الحرس القومي الذي يعتبرأحد تنظيمات البروليتاريا الرثة التي صالت وجالت في العراق من قتل وتعذيب المعارضين والتحرش الجنسي واغتصاب النساء وكذلك انقلابي 17 و 30 تموز 1968 في العراق التي جاءت بحزب البعث العربي الاشتراكي الى السلطة.

احتلال العراق

 وبالإضافة الى الفئات المغامرة التي جاءت بمعية الاحتلال الأمريكي للعراق في ربيع العام 2003.  وتشكل البروليتاريا الرثة الأساس الاجتماعي للفوضوية التي من أهم منظريها من البرجوازية الصغرة مثل م . أ. باكونين و ف. فيتلينغ اللذان نظًرا الى الإشتراكية الطوباوية الفوضوية بواسطة هدم سلطة الدولة وتدهورها عن طريق الإضرابات العفوية الهدامة. وتستخدم البرجوازية جماهير الفلاحين مع البروليتاريا الرثة والفئات الفاشية في كسر الإضرابات العمالية المطالبة بحقوقها والقضاء على البناء الرأسمالي ويمكن وصف البروليتاريا الرثة بالإضافة الى ما ذكر أعلاه بأنها تلك الفئات التي تقع دون او تحت البروليتاريا من حيث السلم الإجتماعي ولا يحظون بأي نوع من أنواع الوعي الطبقي ولا يمكن الإستفادة منهم في العملية الإنتاجية ولا حتى اجتماعيا في النضال الطبقي الثوري لأنهم يشكلون عائقاً أمام تطور المجتمع كما هو الحال في العراق. وهم حثالة الفئات الدنيا من المجتمع، فإنها قد تنجرف هنا وهناك في الحركة بفعل ثورة بروليتارية، لكنها بحكم وضعها الحياتي والمعاشي تصبح أكثر استعدادا لبيع نفسها لمكائد الفئات الرجعية كما وصفها كارل ماركس وفريدريك انجلس في بيان الحزب  الشيوعي الصادر في 21 شباط العام 1848 .   وهناك تسميات أخرى للبروليتاريا الرثة، فعلى سبيل المثال لا الحصر الفئات الدنيا أو فئات القعر الإجتماعي أو جماهير نصف البروليتاريا أو شبه البروليتاريا أو حثالة البروليتاريا او الغوغائيين أو الرعاع. وهذه كلها مفاهيم مرادفة للبروليتاريا الرثة التي تسميها الأدبيات الماركسية-اللينينية وجميعها تعني شيئا واحدا. ويشرح فرانز عمر فانون Franz Omar Fanon (1925-1961) الأسباب الرئيسة لتكوين تلك الفئات الإجتماعية إذ يكتب “أن الفلاحين اللذين لايملكون أرضا واللذين يطرح عليهم تزايد السكان مشكلة لا سبيل لحلها، يهجرون الريف وينزحون الى المدن، فتراهم يتكدسون في أكواخ الصفيح ويحاولون أن يتسربوا الى الموانيء والمدن التي أوجدها الإستعمارفيشكلون هناك البرولتاريا الرثة” وكانت أولى بوادر تكوين هذه النوع من البروليتاريا في العصر الحديث في الإتحاد السوفيتي بعد ثورة أكتوبر 1917 ومن ثم انتشر في بقية دول أوروبا الشرقية بعد قيام الأنظمة الإشتراكية فيها بعد الحرب العالمية الثانية والذي شكل السبب الرئيس في انهيارها كما يؤكد ذلك ميخائيل فوسلينسكي في كتابه النومينكلاتورا- الطبقة الحاكمة في الإتحاد السوفيتي الصادر في العام 1985 في لندن باللغة الروسية كتب المفكر العظيم ميخلس في القرن الخامس عشر في كتابه “حواريو الثورة” مايلي: (يرفع الثوريون الشعارات السياسية من أجل الشعب، ولكنهم يديرون ظهورهم له بعد استلامهم السلطة). كتب ميخلس هذا قبل ماركس وانجلس بحوالي ثلاثة قرون.  وكذلك كتب ميلوفان جيلاس Milovan Djilas العضو السابق في المكتب السياسي لعصبة الشيوعيين اليوغسلاف بهذا الصدد في مقدمة كتاب النومينكلاتورا- الطبقة الحاكمة في الإتحاد السوفيتي التالي: (وفي الختام أريد الإنضمام الى م. س. فوسلينسكي حينما قال إن النظام السوفيتي لا يملك في حوزته أية قدرات داخلية ذات شأن أو مشجعة على الإصلاح، بل إنها تشجع على التخلف والفساد الإداري اللذين يدفعانه دون رحمة الى التوسع، وخصوصا العسكري منه) قامت البروليتاريا الرثة في العراق بتأسيس جامعات أهلية معترف بها من قبل وزارة التعليم العالي العراقية بعد أن نالت هي (البروليتاريا الرثة) على شهادات الدكتوراه في مختلف الإختصصات من خلال شراء الشهادات المزورة (في سوق  مريدي بمدينة الثورة في بغداد) أو من خلال تقديم الرشوات الى الجامعات المعترف بها أو الى القائمين على وزارة التعليم العالي العراقية عن طريق شراء الذمم أو بالترغيب أو بالتهديد.

واقع عملي

وبهذا نصل الى الواقع العملي الذي يكشف لنا بأن الاقتصاد الوطني العراقي يدار معظمه من قبل البروليتاريا الرثة التي تملك ثقلا نوعيا في الحكومة العراقية وفي مجلس النواب واللجان الاقتصادية التابعة للأحزاب السياسية التي تستحوذ على عقود الوزارات التابعة لها بالإضافة الى المراكز الإدارية المهمة في أجهزة الدولة العراقية التي يجلس فيها أعضاء هذه الأحزاب وتابعيهم وحتى في الجيش العراقي والشرطة الإتحادية والجيش الشعبي. يمتد الإخطبوط المافيوي للبرولتاريا الرثة بقدراته المالية الى سوق البورصة العراقي ومزاد العملة في البنك المركزي العراقي وشركات الاستيراد والتصدير وشركات البناء وبيع العقارات والموانئ البحرية والبرية. هذا وتملك البرولتاريا الرثة مكان قدم وسط الزعامات الدينية والعشائرية وتملك ميليشياتها الأسلحة المتوسطة والخفيفة وتمد تلك الزعامات بالأسلحة والأموال الطائلة من أجل كسب ودها وإسنادها ولهذا السبب قاموا بتفعيل  قانون العشائر العراقي الذي كان سائدا قبل ثورة 14 تموز العام 1958 الى حياة العراق الإجتماعية وانتشر بشكل واسع الفصل العشائري السيء الصيت الذي استغلته البروليتاريا الرثة لصالحها. لقد تمكنت البروليتاريا الرثة من الاستحواذ على جزء كبير من الريع النفطى في العراق من خلال وزارتها السيادية بشكل مباشر أو غير مباشر وتستثمر ثروة الشعب العراقي المنهوبة في خارج العراق في دول الجوار أو في الدول الأروبية والولايات المتحدة الامريكية سواء بواسطة الطريق الرسمي القانوني عبر المصارف الرسمية او عبر غسيل الاموال والانكى من ذلك ان مصارف دول الجوار تستقبل الاموال دون السؤال عن مصدرها كما هو الحال في إيران والأردن والكويت ودولة الإمارات العربية المتحدة وقطر ولبنان وتركيا وبريطانيا وذلك من خلال التعاون مع جهات مافوية موجودة في تلك الدول ضاربين بعرض الحائط جميع القوانين الدولية الخاصة بغسيل الأموال . ولم تتوان البروليتاريا الرثة عن استخدام أجهزة الإعلام التابعة لها الرسمية وغير الرسمية من ترسيخ موقعها السلطوي من خلال شراء صحفيين وكتًاب واعلاميين وأنصاف المثقفين يدبجون لها المقالات في الصحف اليومية والمجلات والبرامج الإذاعية والتلفزيونية ويكيلون المديح لها على طريقة وعاظ السلاطين وهي بدورها تغدق عليهم من أموال السحت الحرام.

مستوى ثقافي

وبهذا الشكل انخفض المستوى الثقافي في البلاد الى مستوى الحضيض. أما المشاكل اليومية للشعب العراقي التي يعانيها منذ خمسة عشر عاما جراء تدهور الخدمات الصحية والبلدية وانقطاع الكهرباء لعدة ساعات في اليوم والبطالة ونقص المياه وانتشار الأمية بسبب تسرب التلاميذ من الدراسة لنقص عدد المدارس الذي تجاوز الألفين أو بسبب إعالة الأسرة التي فقدت معيلها لأسباب مختلفة نتيجة التفجيرات اليومية وسوء الأمن والنظام والقائمة تطول لأن البروليتاريا الرثة لا تفكر ولا تشغل حتى بالها بحلها لأنها لا تدخل ضمن مشروعها الذي يتلخص في سلب ونهب الشعب العراقي.   ومن الصفات الأخرى للبروليتاريا الرثة في العراق انها تغلف نفسها بغلاف وهالة دينية وتستخدم الدين غطاءً لها لأنها في الأساس بعيدة كل البعد عن القيم الأخلاقية للدين حتى تستغل الناس البسطاء وتستخدمهم في مشاريعها اللاإنسانية هذا من جهة ومن جهة أخرى تقوم بمسخ العلاقات الإجتماعية الرصينة وإدخال علاقات اجتماعية تقوم على المصلحة الذاتية وحب الذات والأنانية وكذلك تقوم بإفراغ المجتمع من الخصال الجيدة لترسي بدلها خصائل الغش والإحتيال والتنكيل بالغير واتهام الغير بتهم كيدية تؤدي بهم الى السجن أو تقوم بتصفيتهم جسديا كما يحدث الآن في العراق. ان جميع البرامج التنموية للإقتصاد العراقي التي تضعها الحكومة لا تدخل في عداد مصلحة البروليتاريا الرثة وإنما تقوم الأخيرة بعرقلة تنفيذها وهذا ما نراه في الواقع العملي. فالقطاع الصناعي العام و الخاص الوطني الذي يكمن هدفه في تنمية وتطور الاقتصاد الوطني العراقي ويقلل من استيراد السلع من الخارج لايلبي مصالح البروليتاريا الرثة التي تجني المبالغ الطائلة من عمليات الإستيراد ولهذا تراها تدعم الأخير. وستحاول بكل جهدها عرقلة خطة التنمية الوطنية للفترة الزمنية 2018-2022  الصادرة من وزارة التخطيط لأنها وضعت من قبل كوادر مختصة في الوزارة وبمشاركة كافة الوزارات وجهات رسمية وغير رسمية ومحافظات العراق وكوادر من القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني، ذلك لأن البروليتاريا الرثة لاتؤمن بالتخطيط العلمي مهما كان نوعه قصير أم متوسط أو بعيد المدى لإقتصاد ما ولا بخطط تنمية ستراتيجية تمتد لسنوات طويلة الى العام 2030. جل ما تؤمن به ويهمها هو الحصول على ربح بأسرع وقت وبأسهل طريقة.

 وهي نفس طريقة اللصوص وقطاع الطرق والشقـــاوات وما شاكل ذلك. ان كل ما يعنيها هو أن يستمر الاقتصاد العراقي ريعيا واستهلاكيا حتى تحقق ماربها وتكون من ضمن النخب الحاكمة.

مقاليد الحكم

   وما الانتخابات البرلمانية الأخيرة إلا خير دليل على سيطرة البروليتاريا الرثة على مقاليد الحكم في العراق والاقتصاد العراقي من شراء الأصوات الإنتخابية إلى شراء المقاعد النيابية وآخرها مفهوم أو مصطلح “الكتلة الأكبر” والذي هو خطا من الناحية اللغوية وقواعد اللغة العربية وهذا أحسن دليل على أمية جميع الكتل السياسية وعدم المامها بأبسط قواعد اللغة الأم إذ يجب أن يكون “الكتلة النيابية الأكثر عددا”. هذا وقام مجلس النواب العراقي بتعليق جلساته الذي بدأ أعماله يوم الإثنين 3  أيلول 2018 حتى أواسط شهر ايلول من نفس العام بسبب اجراء مباحثات بين الكتل النيابية للتوصل إلى إتفاق حول من الذي سوف يكون رئيسا للمجلس. وهنا تتجلى أولى سمات سيطرة البروليتاريا الرثة على مقاليد الحكم في العراق وعدم الإتفاق حول الرئيس ونوابه ومن ثم رئاسة الوزراء. ونتيجة لكل ما قيل أعلاه يدور الاقتصاد العراقي والحكومة الجديدة في فلك حلقة مفرغة وفي جملة من المشاكل المتنوعة التي ليس من السهولة حلها وفي مقدمتها أزمة اقتصادية-اجتماعية وصحية مركبة وضخمة منذ أكثر من الشهرين في وسط وجنوب العراق ومظاهرات عارمة وضحايا ومصابين بسبب سوء الخدمات الصحية والبلدية والبطالة والبني التحتية وعدم توفر الماء الصالح للشرب وانقطاع الكهرباء ساعات طويلة في اليوم. هذه هي نتائج إدارة البروليتاريا الرثة للإقتصاد العراقي واستحواذها على الحكومة العراقية.

{ أكاديمي وخبير اقتصادي

مشاركة