إندثار مدن العراق – ياس خضير البياتي

693

فك التشفير

إندثار مدن العراق – ياس خضير البياتي

 إذا صح أن شر البلية ما يضحك، فإن لدينا في العراق من البلايا ما يكفي ويفيض، وشر البلية لم يعد يضحك أو يُبكي، إنه يدفعنا إلى تحسس رؤوسنا وما تبقى من أنوفنا المجدوعة، بحيث نستطيع، بلا تردد، أن نتذكر ما قاله أبوالطيب المتنبي عن المضحكات والمبكيات. لأن ما يجري في العراق اسطورة لم تكتب بعد، وهي حسب وصف بول فاليري قد تكون أقصى مراحل الحزن، بل إن بعض الضحك لو تذوقناه على أساس الترفيه لوجدناه مرّا. ولو قدر لأفلاطون والفارابي وهم اصحاب فكرة المدينة الفاضلة، مشاهدة مايجري لمدن العراق الحضرية من اندثار حقيقي لمعالمها الحضرية والتاريخية والبشرية، لقررا اعادة فكرة (المدن الفاضلة) الى (المدن الجاهلة) حسب تعبير الفارابي. ولو قدر لأموات العراقيين أن يحيوا دقائق، ويروا مدن العراق الآن، لما صدقوا انها مدنهم، ولطلبوا اعادتهم فورا الى القبور!       كوارث ونكبات

مايحل في مدن العراق اليوم هي اشبه بمدن كوراث ونكبات ،مدن حزينة تبكي على حالها من ظلم الاشرار وصبية السياسة من قطاع الطرق الذين نهبوا تاريخها وحاضرها وخزائنها وتراثها،وأفسدو في الارض فسادا وقمعا وتخلفا ،ليحولوا مدن العراق الى مزارع موت ومخدرات ومزابل وظلام وفقر وجهل وخرائب،ومآتم وطقوس حزينة تعيش على الماضي، وفوضى لاعلام سود وبيض وصور قبيحة لسياسيين لا ترى في وجوههم نور الله ونور الوطن ،بعد ان كانت بلد الشعر والفن والعلم والمعارض التشكيلية والموسيقى والغناء ،حتى كدنا نصدق ما يقال بأن هذا الوطن صاحب الحضارات سيمحى من خارطة الأوطان!   شخصيا، ارى كل المدن العراقية ،هي العراق ،ولكل مدينة لها طعم خاص ورائحة مختلفة،لكن الجميع لها جذورها العميقة بتاريخها وعراقيتها،وكلها تقاسمت ظلم الساسة والحكام،لكنني اليوم سأتناول مدنا بحالها كعواصم ورموز،من باب التفسير الرمزي لهذه المدن .فبغداد العاصمة التي يفتّش عنها الناس ويبحث عنها الفلاسفة، ويهيم بها الأدباء ويتغزل فيها الشعراء ،وتتغني بها فيروز حلما ووجودا(بغداد والشعراء والصور..)، وهي التي قال عنها الكثير بأنها حاضرة الدنيا وما سواها بادية(الدلمي) ،وما دخلت بلدا قط إلا عددته سفرا، إلا بغداد فاني حين دخلتها عددتها وطنا( الحموي)و بغداد أم الدنيا ، من لم يرها لم ير الدنيا ولا الناس(الجاحظ)، فأنها اليوم بغداد الريف التي قتلوا حياتها وتحضرها وسرقوا اجمل مافيها من خزائن العلم والحضارة ،وقتلوا روح( البغدنة) فيها ،وحولوها الى مدينة احزان وبكائيات وعشوائيات ،حتى لتشعر انك تعيش في ريف العراق ايام الاربعينات. اما البصرة ثغره العراق وعاصمتها الاقتصادية و(احيا واموت على البصرة)،فأنها مدينة منكوبة بالجوع والعطش والحرمان، رغم انها أغنى مدينة في العالم،ولم يعد لها بحر جميل ،ولانهر نقي ، ولاحياة بصراوية برائحة الكاري وسمك (الصبور) و(الزبيدي)، وانما تستنشق رائحة المزابل وروائح الانهر والسواقي المتعفنة والكريهة،لأن لصوص السياسة حولوها الى مصرف لسرقة نفطها وثرواتها، وتاريخا للثأر منها ،ولم يبق منها الا ناسها الطيبون أصحاب الكرم والمروة والشهامة ،وأصحاب الثورات ضد الظلم والفساد .اما موصل ام الربيعين العاصمة السياحية (يردلي سمرة قتلتيني )  فأنها لم تقتل من المرأة السمراء ،انما قتلت من أصحاب القلوب السود ،لتصبح مدينة من التاريخ والجغرافيا،لأن نصفها الايمن مندثر تحت الارض بشرا وسكنا، ،ونصفها الايسر احياء موتى يعانون من قسوة الحياة والحصار والثأر،هي الآن مدينة مهدمة ومهملة الى حد الظلم والقسوة ،بعد ان كانت هذه المدينة تاريخا في عبقرتيها وعلمها وثقافتها وجمالها وآثارها ومساجدها وكنائسها وخضرتها المعطرة بزهور البابونك والياسمين.   مدن الحضارات

ولنعترف أخيرا بأن مدن وطن الحضارات أصبحت اليوم مدنا للحزن والخراب، فلا نشم منها رائحة أوكسجين الحياة والوجود والتحضر، انما هي عشوائيات من البشر يموتون بغاز أوكسيد كاربون المزابل والمجاري والبطالة والفساد وغنائم الأحزاب. لكننا نحمد الله ان لدينا اليوم بعد هذا الخراب الكبير، عروسة جميلة نفتخر بها، هي مدينة اربيل، المزهوة بجمالها ونظافتها واناقتها، رغم حصار وتجويع الاهل لها، وظلمهم لها كل هذه السنوات الطويلة، لكن ارادة وعقلية من يحكمون في اربيل أكثر تحضرا وولاء لأهلهم. ومهما قيل عن الفساد من قبل الحكومة الاتحادية لهم، وهي الحكومة التي سرقت العراق وجودا ومالا، فأنهم أكثر شعورا بالانتماء لأرضهم، واحتراما لعاصمتهم الجميلة. باختصار شديد: فأن مدن العراق لم تعد قابلة للعيش الآدمي، واصبحت بغداد (ام الدنيا)، حسب تقرير دولي اسوأ مكان يمكن العيش فيه، لأن صبية العراق من السياسيين حولوا العراق من (بلد حضارات) إلى (بلد لصوص)، ووضعوا (قفلاً)على الوطن ليحولوه الى مصرف للنهب!

 محو التاريخ

  فأيّ طينةٍ هؤلاء الذين يهدمون مدن العباد، ويمحون تاريخ المدن العراقية، وينشروا فيها وباء الفقر والتخلف وسرطان الطائفية، ليجعلونا في آخر الاوطان!

{ أكاديمي واعلامي

مشاركة